حوار مع داوود أوغلو: الربيع العربي ومستقبل تركيا

مقال رأي

ريتشارد فولك: بعد الربيع العربي كنت متفائلًا جدًا بشأن عمليات التغيير الثورية، ولكن إذا نظرتم إلى الوضع في المنطقة الآن، هناك جو من استعادة الاستبداد أو الحرب الأهلية. هناك فوضى في حالة ليبيا، وإلى حد ما، في حالة اليمن أو في سوريا والعراق.

لذا هل كان هناك شيء في الثقافة السياسية العربية جعل هذه الخطوة في 2011 للحصول على الديمقراطية مبكرة أو حتى محكوم عليها بالفشل؟ أم ينبغي للمرء أن يعزو هذه النكسات إلى الإطار الإقليمي والعالمي الأوسع، والذي يتضمن التدخل والكثير من التعقيدات؟ في الواقع، لم نر في عام 2011 القوى المجتمعية والدولية التي أنتجت هذا الشوط الرجعي.

لقد شاركتك حماسك وآمالك في عام 2011. أنا أيضًا رأيت خطرًا كبيرًا في إزالة الحاكم دون فعل شيء حيال النظام الذي اعتمد عليه الحاكم. مصر هي المثال الأساسي. الحركة أزالت رئيس الدولة وتركت النظام سليمًا بالأساس.

إذا ما قارنا الربيع العربي مع الثورة الإيرانية، يمكننا أن نقدر أهمية رفض آية الله الخميني لقبول العديد من العروض بحل وسط. بدا أنه يفهم أنه من الضروري أن يكون النصر كاملًا إذا كان الهدف نظامًا سياسيًا مستدامًا لديه المقدرة على أن يحل محل النظام القديم. هل توافق على أن هذا كان هو فشل حركة 2011 في مصر، في الذهاب بعيدًا بما فيه الكفاية؟

أحمد داود أوغلو: هذا السؤال حول الربيع العربي مثير جدًا للاهتمام. نعم، في البداية، كنت متفائلًا بالربيع العربي. كان هناك مؤتمر دولي في الدوحة في مارس 2011، بعد وقت قصير من بدء الانتفاضات. كان عنوانه، "هل وصل المستقبل؟" وكان عنوان خطابي: "لم يصل فقط، ولكنه تأخر طويلًا". كان ينبغي الانتهاء من هذا التحول السياسي في العالم العربي قبل ذلك بكثير، في نفس الوقت عندما كانت هناك عمليات تحول ديمقراطي جارية في أوروبا الشرقية والبلقان. لأن هذا كان نتيجة مؤجلة للحرب الباردة. انتهت الحرب الباردة في البلقان، ولكن لم تنته في العالم العربي.

وهي لم تنته لسببين. أولًا، كان هناك أنظمة استبدادية في العالم العربي، مثل البعث، كانت تحت نفوذ الاتحاد السوفياتي. ثم، في التسعينيات، عُطلت المحاولات الأولى لتأسيس الديمقراطية في دول شمال أفريقيا من قِبل النظام الدولي، الذي دعم عملية التحول الديمقراطي في البلقان، ولكنه لم يفعل الشيء نفسه في الشرق الأوسط. ظنوا أن ذلك من شأنه أن يجلب إلى الوجود نظامًا لا يمكن السيطرة عليه. لذلك تم تأجيل عملية التغيير السياسي تلك. وقد اندلع الربيع العربي مثل زلزال وقتما تحولت هذه المكونات الجيوسياسية للسياسة، فجأة، كان هناك رد فعل. ومع ذلك، أعتقد أنه في النهاية فإن ضرورة التغيير السياسي قائمة وسوف تتحقق بطريقة أو بأخرى.

في عام 2011 كانت هناك موجة من الديمقراطية وفي عام 2012، أجريت انتخابات منظمة في اليمن وليبيا ومصر، لكن للأسف ليس في سوريا، بسبب الفشل في وقف المجازر من قِبل الحكومة. واصل النظام ذبح الناس وأحيا ذلك آمال الأنظمة الاستبدادية. كانت 2013 سنة الثورات المضادة ضد هذه الموجات: في مصر كان هناك انقلاب عسكري، وهو ما أحبه الأسد، لأن الأنظمة الاستبدادية تحب بعضها البعض على الرغم من أنها أحيانًا تحارب ضد بعضها البعض. وبالمثل، فالمالكي في العراق، الذي كان يتهم الأسد بأنه إرهابي حتى فترة ليست ببعيدة، اختار دعمه في 2012 و 2013.

هذه الانتكاسات ضد التغيير حدثت بسبب القوى المحلية في العالم العربي التي استفادت من هذه الأنظمة الاستبدادية. في عام 2012 خسروا الانتخابات، ولكن بعد ذلك جمعوا معا قواهم التي شتتها هذه العملية، على الصعيد المحلي والدولي على حد سواء. وبطبيعة الحال فإن النظام الدولي والأمم المتحدة كانا غير فعالين في منع انتهاك حقوق الإنسان، على سبيل المثال في الرد على الاستخدام السوري من قِبل الأسد للأسلحة الكيماوية، منتهكًا قاعدة أساسية من قواعد القانون الدولي. كانت هذه واحدة من نقطتي تحول رئيسيتين.

الأخرى كانت الانقلاب في مصر. هاتان النقطتان قد خلقتا الأمل للأنظمة الاستبدادية، والإحباط بين الجماهير، الذين أصيبوا بخيبة أمل ثم سمحوا لأنفسهم أن يندفعوا نحو أحضان التطرف. على سبيل المثال، لم يتطرف المجتمع السوري أبدا على هذا النحو قبل الآن. على العكس كان بالفعل مجتمعًا معتدلًا. ولكن عندما لم يستطع الناس أن يروا أي احتمال للنجاح، كانت الجماعات المتطرفة قادرة على تجنيد قوات من بين السكان ونشر الحرب بطول البلاد.

هناك ثلاث قوى في المجتمع الدولي. أولًا،  هناك تلك التي تحبذ التحول الديمقراطي ودعم الجماعات الديمقراطية: تركيا والعديد من القوى الديمقراطية المعتدلة. ثانيًا، هناك تلك الجهات السياسية الخائفة من الديمقراطية. هذه الدول تفضل حكم المستبدين لبلادهم: المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، ودول الخليج، باستثناء قطر. المجموعة الثالثة هي الدول الطائفية، مثل إيران. من قبل، كانت القوى الأولى والثانية متحدين ضد النفوذ الإيراني، لذلك عملوا معا ضد الأسد. ولكن، بعد السيسي، انهار هذا التحالف لأن خيارًا جديدًا قد ظهر. هنا، كان هناك خياران فقط: إما أن تنجح مصر في العمل كدولة ديمقراطية أو أنها ستعود إلى الحكم الاستبدادي. ولكن أول هذه الخيارات هدد دولًا مثل المملكة العربية السعودية. في الخيار العلماني، يعاد المستبدون إلى السلطة. على الرغم من أنهم قد يكونون متدينين في حياتهم الاجتماعية، فإن طريقتهم في الحكم ستكون علمانية بحتة.

استغلت إيران تلك الفترة الكاملة من عدم اليقين بطريقة فعالة جدا لبسط نفوذها في لبنان وسوريا والعراق. ولكن عندما أُستبعد السنة، الذين هم الأغلبية في تلك البلدان، ومع عدم وجود أي خيارات أخرى، فإنهم أيدوا داعش والجماعات الأخرى. حاولنا فعلا إقناع الأمريكيين لمدة ثلاث سنوات متتالية أن سياسات المالكي ستؤدي الى الطائفية، والتي لا يمكن أن تؤدي إلا إلى استبعاد السنة وتطرفهم. أوباما اعترف فعلا لرئيسنا في قمة أخيرة للناتو أننا كنا على حق في هذا الشأن. ولكن الأوان الآن قد فات.

قلنا لهم، إذا لم يتم إيقاف النظام السوري فستخسر القوى الوسطية، وأنه علينا تقديم الدعم للجيش السوري الحر. ولكن بما أننا لم ندعمهم بما فيه الكفاية، كان الأسد قادرا على مواجهتهم، وشكل الأسد وداعش تحالفا ضد هذه القوى الوسطية. بما أنه لا يوجد حظر طيران، فجيش الأسد، الذي لم يكن على استعداد للقتال على الأرض، استطاع أن يهاجم القوى الوسطية، مما جعل داعش أقوى وأقوى على الأرض، حيث أنهم تلقوا أيضًا مساعدة من إيران في البداية.

والآن بعد أن أصبحت داعش قوية جدًا في العراق، لدينا وضعًا أكثر تعقيدًا بشكل كامل. يجب أن لا ننسى أن العملية الديمقراطية التي بدأت في البلقان بدأت في عام 1988، ولكن في عام 1993 كانت هناك حرب في البوسنة. فإذا كنت نظرت إلى العملية الديمقراطية في البلقان في عام 1992، كنت ستقول أن ميلوسيفيتش قد نجا والمستبدين كانوا عائدين للهيمنة على المشهد. ولكن في نهاية اليوم، لقد خسروا. بدأ الربيع العربي في عام 2011 ولم يجتز أربع سنوات بعد. لا أعتقد أن هذه العملية قد انتهت في الشرق الأوسط.

الفرق بين البلقان والشرق الأوسط هو في تمويل الديمقراطية. في البلقان والاتحاد الأوروبي وبولندا كان هناك دعم مالي قوي، ولكن في الشرق الأوسط لم يكن هناك أي تمويل خارجي. على سبيل المثال، عندما انهار الاقتصاد المصري، كان متوقعا من محمد مرسي تحسين الاقتصاد خلال سنة واحدة. ولكن من أين كان من المفترض أن يحصل على الوسائل الاقتصادية للقيام بذلك؟ لم يكن هناك تراكم لرأس المال المحلي في مصر، ولا أي مساعدة من الخارج، وليس هناك بيروقراطية ذات توجهات إصلاحية. جاء مرسي إلى الحكومة بين عشية وضحاها، من دون أي خبرة. في هذا المزيج من الظروف لم يكن هناك أي فرصة لبقاء الديمقراطية .

ريتشارد فولك:  كيف تصف الرد التركي على داعش؟ لقد قوبل بانتقادات من مختلف وجهات النظر، بما في ذلك الأكراد في تركيا.

داود أوغلو: موقف تركيا تجاه داعش واضح جدا ولم يتغير منذ اليوم الذي ظهرت فيه داعش. مقاتلو داعش إرهابيون وتركيا لم ولن تسكت على جرائم داعش. ومع ذلك، إذا ذهبت داعش، قد تأتي منظمة متطرفة أخرى لملء الفراغ. لهذا السبب فإن استراتيجيتنا يجب أن تكون شاملة وواسعة. لا ينبغي لنا مجرد أن تعاقب منظمة إرهابية واحدة، بل إزالة كل الأخطار الإرهابية في المنطقة، وكذلك القضاء على كل الجرائم الوحشية ضد الإنسانية التي ارتكبها نظام الأسد من أجل المستقبل.

]علي باباجان، نائب رئيس الوزراء، ينضم إلى المحادثة[

ريتشارد فولك: هل أنت متفائل بالسنوات العشر القادمة؟

علي باباجان: الأمر يعتمد على ما سنقوم به. الضرائب أمر مهم، ولكن آليات الدعم الاجتماعي مهمة أيضا. وبالإضافة إلى ذلك، هناك عنصر المنافسة، ومن المهم جدا وجود المنافسة بشكل أفضل في الاقتصاد. نحن نسعى لتحسين توزيع الدخل. في الواقع فإن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الآن يقوم بكتابة دراسة حول تركيا لنرى كيف أن وجود المنافسة بشكل أفضل ساعد على رفع الجودة الشاملة للمنافسة. لأنه عندما لا تكون المنافسة قوية، سيكون هناك ميل لإنتاج أشخاص فائقي الغنى بسرعة كبيرة. في حين عندما تعمل المنافسة بشكل جيد، وهذا لا يحدث في كثير من الأحيان، لأنه في كل قطاع هناك منافسة.

ريتشارد فولك: السؤال الرئيسي هو إلى أي درجة يمكن للاقتصاد الوطني التصالح مع الاقتصاد العالمي. إذا كنت قد فهمت ما قلته بشكل صحيح، فالبلدان لديها مساحة كافية للمناورة السياسية لجعل هذه المصالحة ممكنة. العديد من البلدان، الولايات المتحدة على سبيل المثال، فاشلين بشكل كبير من هذه الناحية: لقد أصبح الأغنياء أكثر ثراء بكثير، وعانت الطبقات الوسطى انحدارًا نسبيًا، والفقراء أصبحوا أكثر فقرًا من أي وقت مضى.

علي باباجان: نحن نسيطر على السياسات الاقتصادية الخاصة بنا، لكننا بحاجة إلى التفكير بشكل أوسع، حيث أننا سنكون رئيسًا لدول مجموعة العشرين العام المقبل، ونحن بحاجة لوضع مزيد من التركيز على السياسة الاقتصادية العالمية. نحن بحاجة إلى تطوير روابط أفضل بين مجموعة العشرين والدول الأقل نموًا. سوف نستضيف أول قمة إنسانية تُعقد على الإطلاق.

كيف يمكننا إدخال بعض الجوانب الإنسانية في عملية مجموعة العشرين؟ هذه هي القضايا التي يجب أن نفكر فيها. بالتعاون مع الملكة ماكسيما ملكة هولندا، سنقدم بند مالي جديد على جدول أعمالنا لمجموعة العشرين. لديها مسؤوليات نحو ذلك؛ إنها الممثل الخاص لبان- كي مون. لقد زارتني في الأسبوع الماضي، وناقشنا هذه المواضيع.

عن قضايا الهجرة، فإن بيتر ساذرلاند، رئيس مجلس إدارة بنك "جولدمان ساكس انترناشونال"، لديه أيضًا مسؤولية عن الهجرة العالمية وسنعمل معه على جدول أعمال الأمم المتحدة للهجرة. تحديد كيفية إقناع مجموعة العشرين بالوصول إلى ما هو أبعد من السياسة الاقتصادية البحتة مهم جدًا بالنسبة لنا.

ريتشارد فولك: وماذا عن السياسة الزراعية؟ هل لديك أي مقارنات محددة لتركيا مع دول أخرى؟ لقد كان من المعروف أن تركيا دولة زراعية، ولكن أعتقد أن هذا يتغير داخليا وعالميا.

علي باباجان: كان 34٪ من سكاننا يشاركون في الزراعة ولكن النسبة الآن هي 24٪. لقد تغيرت في السنوات الـ 12 الماضية. اعتدنا أن نكون في المرتبة الحادية عشرة على العالم في الناتج المحلي الإجمالي الزراعي، ولكننا الآن السابع لأنه بينما ننمو، فإن زراعتنا أيضا تنمو، على الرغم من أنها كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي قد انخفضت. حقيقة أننا مررنا بفترة من النمو المفرط مكنتنا أيضا من زيادة زراعتنا. ضع في اعتبارك أنه عندما يتعلق الأمر بالزراعة فنحن اقتصاد مغلق، ولكن عندما يتعلق الأمر بالصناعة، فنحن عضو في اتحاد جمركي. ذلك لا يؤثر على سلعنا الزراعية. [تركيا لديها اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي يضمن أن يتم تداول معظم السلع بدون تعريفات جمركية. يتم استبعاد الزراعة من ذلك لحماية المزارعين الأوروبيين، لأن المنتجات الزراعية التركية ستكون أرخص بكثير من تلك في معظم دول أوروبا] من ناحية أخرى، فنحن الآن في محادثات مع الاتحاد الأوروبي لتوسيع نطاق الاتحاد الجمركي ليشمل الزراعة والخدمات.

ريتشارد فولك: هل اتفاق التجارة عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيؤثر على تركيا؟

علي باباجان: إن الشراكة عبر الأطلسية للتجارة والاستثمار (TTIP) تطور كبير جدا ونحن نؤيده. وهناك عملية مماثلة تجري في المحيط الهادئ متمثلة في الشراكة عبر الهادئ.(TPP) وقد بدأنا بالفعل في إجراء محادثات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول كيفية ربط تركيا في هذه الأطر. وذكر الرئيس ذلك أيضا لأوباما. ولكن ليس لدينا حتى الآن آلية محددة لربط تركيا بهذه المنظمات ونحن نبحث عن أفضل وسيلة. سلامة الأغذية هي شيء نعمل عليه كجزء من جدول أعمال مجموعة العشرين. ونحن نخطط أيضا لعقد اجتماع لوزارات الزراعة في إطار مجموعة العشرين، ولكننا لسنا متأكدين من كيفية إجراء ذلك.لم يحدث ذلك من قبل.

ريتشارد فولك: هل صحيح أن تركيا تشتري مساحات واسعة من الأراضي في أفريقيا؟

علي باباجان: لدينا فقط صفقة واحدة مع السودان، ولكن هذا في إطار شراكة تمكن الشركات التركية والحكومة السودانية من العمل معا. نحن سنوفر التمويل والتكنولوجيا وستوفر السودان الأراضي، وهذا هو الأساس للتنمية الزراعية. ليس هذا استيلاء على الأراضي أو استغلال مثل الذي قد تسعى وراءه الصين. إنه يقوم على شراكة متساوية.

ريتشارد فولك: أنا واثق من أن الحكومة السودانية تحمي مصالحها.

علي باباجان: جميع العاملين في المشروع سيكونون سودانيين. والحكومة في السودان لديها العديد من المشاكل، بما في ذلك العجز في الميزانية، لذلك ليس لديهم الوسائل لتمويل هذا النوع من المشاريع. قد تكون أحد طرق مساعدتهم هي إعطاء النقود، ولكن هناك طريقة أخرى هي أن نقدم لهم إمكانية استخدام أراضيهم بشكل منتج. عندما ذهبت إلى السودان قبل بضع سنوات، وجرت دردشة بيني وبين الرئيس اعتقدنا أن هذه هي أفضل وسيلة لمساعدة السودان. أفضل فهم لهذا التنسيق هو أنه شراكة.

دواوود أوغلو: إن العقلية الألمانية تقول أن بولندا يجب أن تكون منطقة عازلة بينها وبين روسيا. طريقة التفكير المعاكسة تعمل في الشرق الأوسط. الخليج كان يمكنه تمويل الديمقراطية في المنطقة، ولكن بدلا من ذلك قاموا بتمويل الحكام المستبدين. دول الخليج على قيد الحياة فقط بسبب النفط.

الديمقراطيين الغربيين لا يختلفون عن الديمقراطيات في أي مكان، ولكن الوضع مختلف في منطقة الشرق الأوسط بسبب النفط. لبقاء المملكة العربية السعودية، لا يجب أن يكون هناك نظام ديمقراطي في مصر. ومسألة أخرى هي المظلة الأمنية. الناتو، على سبيل المثال، وفر مظلة أمنية في البوسنة وصربيا، ولكن في الشرق الأوسط لم يكن هناك مظلة أمنية. ونتيجة لذلك، فإن الجيش في هذه البلدان هو القوة الوحيدة القادرة على استعادة السلام والنظام العام. والجيش، كما ناقشنا فيما يتعلق بتركيا، يفضل الأنظمة الاستبدادية على الحكومات الديمقراطية.

ريتشارد فولك: أنت تحدثت عن ضرورة التكيف مع سياسات الولايات المتحدة الاقتصادية في خطابكم أمام البرلمان، لكنك فشلت في تقديم أي إشارة إلى الصين خلال عرضك الشامل. ولكن من المتوقع أن تكون الصين هي الاقتصاد رقم واحد في العالم قبل 2023. كيف تدخل الصين في رؤيتك لعالم "تركيا الجديدة "؟

داوود أوغلو: لدينا علاقات تاريخية وعرقية وثقافية عميقة الجذور مع الدول في شرق آسيا، ونحن نعلق أهمية خاصة على علاقاتنا مع الصين. كاثنين من الحضارات القديمة والبلدان النامية، سجلنا تقدما كبيرا في علاقاتنا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في عام 1971. وتقوم علاقاتنا على الثقة والاحترام المتبادلين في العديد من المجالات.

وكان للزيارات المتبادلة رفيعة المستوى في السنوات الأخيرة دورًا فعالًا في زيادة تعزيز وتطوير وتنويع علاقاتنا الثنائية. ونتيجة لاستمرار تعاوننا الوثيق مع الصين في مختلف المجالات، فقد ارتفعت علاقاتنا إلى مستوى "التعاون الاستراتيجي" في عام 2010.

الصين هي أكبر شريك تجاري لدينا في شرق آسيا. علاقاتنا التجارية والاقتصادية تشمل مشاريع واسعة النطاق في البنية التحتية والطاقة وصناعة الفضاء والنقل والسياحة.

لدينا رؤية مشتركة مع الصين لنقل أفضل وأكثر أمنا من وإلى آسيا وأوروبا، وكذلك الحاجة لزيادة التبادلات الثقافية والتواصل الإنساني المباشر أدت إلى تطوير مشاريع طريق الحرير.

وبالنظر إلى السمات الاقتصادية لبلدينا، نحن مصممون على تحسين إمكانات التجارة والاستثمار لدينا والحفاظ على علاقة تجارية مستدامة ومفيدة للطرفين. وعلاوة على ذلك، يستمر التعاون الوثيق بين الصين وتركيا في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين ومؤتمر التواصل وتدابير بناء الثقة في آسيا .(CICA) والصين من دون شك مازال لديها مكانة خاصة في رؤيتنا لعالم "تركيا الجديدة".

ريتشارد فولك: سمة مميزة من رؤيتك هو مفهوم "النظرة الجغرافية الحضارية". ماذا يعني ذلك وكيف يمكن تفعيله؟

داوود أوغلو: واحدة من الميزات الفريدة لتركيا هو شعورها بالانتماء إلى عدة مناطق جغرافية متميزة في نفس الوقت. نحن نتمتع بتاريخ وثقافة مشتركين مع كل دول الجوار لدينا. موقعنا الجغرافي الاستراتيجي في خضم الجغرافيا الأوروبية الآسيوية الشاسعة، من ناحية أخرى، يضعنا في موقف الاتصال والتأثير في التطورات الرئيسية لمستقبل العالم. هذه الثروة من الثقافة المشتركة مع الدول المجاورة تشكل الأساس الأخلاقي لسياساتنا الرامية إلى التوصل إلى مستوى أعلى من التعاون والاستقرار في منطقتنا.

في الواقع، في عالم اليوم المترابط للغاية، فإن بناء القيم المشتركة هو المفتاح لتحقيق السلام والاستقرار طويل الأمد. لقد عارضت دائما التصنيفات القائمة على المواجهة على أساس إثارة الاختلافات الحضارية، مثل الغرب ضد الإسلام أو الغرب ضد الآخرين. هذا النهج لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسهم في الأمن العالمي، ولا لعملية التعديل الضرورية للنظام الدولي.

ريتشارد فولك: ما هي الخطوات التي تتخذها تركيا لرفع مكانتها في مفاوضات التغير المناخي المقبلة؟

داوود أوغلو: اليوم أصبحت التغيرات المناخية واحدة من التحديات الرئيسية التي تواجه البشرية والطبيعة. وقد ثبت وجود وتأثير التغيرات المناخية علميا. لقد حان الوقت الآن لصانعي السياسات لاتخاذ إجراءات فورية للتخفيف من الأثر والتكيف مع عواقبه التي لا يمكن تجنبها من خلال السياسات والموارد المناسبة.

في هذا الصدد، فمفاوضات نظام تغير المناخ ما بعد 2020، في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، هي في غاية الأهمية. تركيا ملتزمة تماما بعملية التفاوض هذه. تركيا على ثقة من أن هذه العملية سوف تقدم نظام فعال لمعالجة التغييرات المناخية. تركيا تدعو جميع الأطراف المعنية إلى تحمل المسؤولية ومواصلة الانخراط في هذه العملية. ينبغي تحديد المسؤوليات وفقا لمبدأ "المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة" لاتفاقية تغير مناخ وقدرات كل طرف من الأطراف في الاتفاقية. وتتوقع تركيا التوصل إلى اتفاق عادل ومرن وملزم قانونًا في مؤتمر باريس في 2015.

ريتشارد فولك: تستمر تركيا التأكيد على آمالها في الحصول على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، ولكن تستمر الإشارات من أوروبا إلى كونها غير مقبلة فيما يتعلق بتحقيق هذا الهدف. ونظرا للصعوبات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، بالمقارنة مع تركيا، هل حقا من مصلحة تركيا أن تصبح عضوًا في هذه المرحلة؟ هليجعلك أي شيء تعتقد أن الاتحاد الأوروبي سوف يتحرك بعيدًا عن معارضته، ويقبل بلد مسلم كبير كعضو؟

داوود أوغلو: منذ التوقيع على اتفاقية الشراكة في عام 1963، قمنا بتطوير علاقات متعددة الأوجه ومتعددة الأبعاد مع الاتحاد الأوروبي. الحفاظ على وحمل هذه العلاقة إلى الأمام هو في مصلحة كل من تركيا والاتحاد الأوروبي. كما تم التأكيد في البرنامج الحكومي، عضوية الاتحاد الأوروبي هي الهدف الاستراتيجي لتركيا.

مفاوضات الانضمام تشكل واحدة من الركائز الأساسية والقوة الدافعة لعلاقات تركيا والاتحاد الأوروبي. كبلد تعلق أهمية على أجندتها الإصلاحية، ستواصل تركيا اتخاذ خطوات نحو الامتثال الكامل فيما يتعلق بالمعايير السياسية والاقتصادية وكذلك لتلبية قواعد ومعايير الاتحاد الأوروبي.

كان الاتحاد الجمركي جانبا مهما في علاقتنا مع الاتحاد الأوروبي منذ عام 1996. فقد كان أداة لتحديث الصناعة لدينا ودمج الاقتصاد التركي بشكل وثيق مع الأسواق الأوروبية والعالمية. الاتحاد الجمركي حتى الآن مفيد من الناحية الاقتصادية لتركيا والاتحاد الأوروبي على حد سواء. تركيا هي سادس أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لتركيا. الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) لتركيا بين عامي 2002 و 2013 كان 112.1 مليار دولار. وكانت حصة دول الاتحاد الأوروبي في تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تركيا حوالي 71٪ في العقد الماضي. وبالتالي فإن الاتحاد الأوروبي جهة استثمارية رئيسية للشركات التركية.

كدولة تفاوض على الانضمام وشريك اقتصادي وثيق في الاتحاد الأوروبي، فلدينا رغبة صادقة أن يتغلب الاتحاد الأوروبي على الأزمة المالية والاقتصادية الحالية. تاريخيًا، فقد انتعش الاتحاد الأوروبي من الأزمات السابقة وتمكن من الانتقال إلى المرحلة التالية من التكامل. نأمل أن القيادة الجديدة للاتحاد الأوروبي سوف تبحر عبر هذه المياه المضطربة وتستئنف النمو الاقتصادي، كما كان الحال في الماضي.

ونحن نواصل تشجيع القادة الأوروبيين على النظر إلى عملية انضمامنا من منظور استراتيجي بدلًا من مصالح بعض الدول الأعضاء السياسية على المدى القصير . نحن نؤكد مجددا إيماننا الراسخ أنه إذا كان للاتحاد الأوروبي أن يظل أكبر اقتصاد في العالم، فإنه يحتاج أعضاء ديناميكيين جدد مثل تركيا. انضمام تركيا سيعزز أيضا تأثير الاتحاد الأوروبي كلاعب عالمي ويزيد من مصداقيته داخل العالم الإسلامي عن طريق تأكيد أنه ليس "ناديًا مسيحيًا" حصرًا ولكن اتحاد على أساس القيم الديمقراطية والمصالح الاقتصادية. إن انضمام تركيا سيشكل فرصة كبيرة للاتحاد الأوروبي لتكييف نفسه مع ضرورات عصرنا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب