خيارات تركيا الاستراتيجية

مقال رأي

على مدى الأسابيع القليلة الماضية وجه عدد من قادة العالم البارزين دعوات إلى تركيا. في أواخر نوفمبر، على سبيل المثال، كان نائب الرئيس الأمريكي، جو بادين، في تركيا لبحث التعاون ضد الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وأعقبت زيارته زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وهذا الشهر كان دور فريدريكا موجيريني منسق السياسة الخارجية الجديدة للاتحاد الأوروبي. وتزامنت زيارتها مع زيارة رئيسة ليتوانيا داليا جريباوسكايتي، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، ورئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي، والذي يرأس أيضًا المجلس الأوروبي.

ومن الواضح، أن الطلب على تركيا مرتفع، لكن في أي طريق تتجه تركيا: شرقًا أم غربًا. يمثل الشرق عالمًا يركز على الديموقراطية السيادية، ورأسمالية الدولة، والسلطوية، والشعبوية، وصعود القومية المدفوعة دينيًا، في مقابل الغرب المرتبط تقليديًا بالديمقراطية الليبرالية والأسواق المبنية على سيادة القانون، والشفافية والمساءلة. وهنا تقدم روسيا بوتين تقريبًا جيدًا للشرق مقارنة بمجتمع عبر الأطلنطي الذي يمثل الغرب. سيكون من المهم الحفاظ على وتيرة هذه الزيارات من أفراد مجتمع عبر الأطلنطي ومطابقتها بالأفعال لتنشيط علاقات تركيا مع الغرب، وبخاصة العلاقات الاقتصادية.

ليس من المستغرب أن يكون الطلب على تركيا مرتفعًا. إنها تجلس وسط جوار في حالة مزمنة من الاضطراب. عبر البحر الأسود، قام بوتين في روسيا بضم شبه جزيرة القرم واستمر في زعزعة استقرار شرق أوكرانيا. وعلاوة على ذلك، استمرت روسيا في مد أمد الصراعات المجمدة في الفضاء ما بعد السوفيتي من ترانسنيستريا في مولدوفا إلى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا وناجورنو كاراباخ في أذربيجان.
ومع ذلك، لم يكن هناك تحديًا أمام تركيا أكبر من عدم الاستقرار في العراق وسوريا. تستضيف تركيا اللاجئين الذين اقتربوا سريعًا من مليوني لاجيء، وترى المعارضة المعتدلة بعيدة عن كسب اليد العليا واستبدال بشار الأسد في دمشق. وبدلًا من ذلك، أدى ظهور داعش إلى تفاقم الوضع كما أدى إلى تصوير تركيا في وسائل الإعلام الغربية باعتبارها لاعبًا رئيسيًا في الجهود الرامية إلى "إضعاف والقضاء نهائيًا" على داعش، فضلًا عن كونها مفسدة لهذه الجهود. التصوير الأخير مبني في جزء منه على تردد تركيا في دعم المقاومة الكردية ضد الهجوم على بلدة كوباني الكردية والتي تقع على الحدود السورية التركية. وذهب البعض إلى اتهام تركيا بمساعدة داعش بشكل مباشر.

جلبت الحاجة لتحسين العلاقات مع تركيا والتنسيق بشكل أفضل للقتال ضد داعش بايدن إلى تركيا. جاءت الزيارة على أعقاب خلافات سياسية عميقة بين الولايات المتحدة وتركيا حول كيفية التعامل مع داعش. شددت الولايات المتحدة على التهديد المباشر من داعش والحاجة إلى أن تكون تركيا أكثر استعدادًا في دعمها لهزيمة داعش عسكريًا. من جانبه، أصر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على ضرورة خلق مناطق حظر طيران على طول الحدود التركية لزيادة الضغط على الأسد وإحداث تغيير في النظام.
أخذت هذه الخلافات العلاقات الثنائية إلى تراجع غير مسبوق عندما زعم بايدن علنًا بأن أردوغان قد اعترف سرًا بأن سياسات تركيا قد فشلت في سوريا. عجَّل هذا التصريح بإصدار نفي من الجانب التركي والمطالبة باعتذار. ومع ذلك، خلق التهديد من جانب داعش وعدم الاستقرار المتزايد في الشرق الأوسط حافزًا لنهج أكثر واقعية من كلا الجانبين، وهو ما التقطناه من بايدن عندما قال "نحن بحاجة إلى تركيا. ونعتقد أن تركيا تؤمن بأنها تحتاجنا كذلك". وسيخبرنا الوقت ما إذا كانت تصريحاته ستترجم إلى أفعال على الأرض وما إذا كان هذان الحليفان قادرين على تجاوز خلافاتهم لتحقيق تعاون استراتيجي أكبر.

وجرت زيارة الرئيس الروسي بوتين إلى تركيا بعد أسبوع من مغادرة بايدن، وعلى خلفية تقليل تركيا لانتقاداتها لبوتين بشأن شبه جزيرة القرم وأوكرانيا. إن مثل هذه الاستجابة محيرة للغاية، وخاصة أن "وحدة أراضي الدولة" كان لزمن طويل مبدءًا مقدسًا في الثقافة السياسية التركية. لقد تم تحذير المواطنين الأتراك طويلًا من المؤامرات التي تهدد سلامة تركيا الإقليمية ووحدتها. إن صمت تركيا محير للغاية بالنظر إلى وجود أقلية كبيرة من التتار في القرم بما لهم من روابط عرقية وتاريخية ودينية قوية مع تركيا. والأمر الأكثر وضوحًا في سوريا، حيث تقف السياسات التركية والروسية على طرفي النقيض: يدعم بوتين الأسد بلا هوادة، في حين كان أردوغان خصمًا عنيدًا يعتبر أي محاولات لتقديم تنازلات بمثابة الخيانة.

ومن المحتمل أن يكون الصمت التركي على شبه جزيرة القرم هو نتيجة لاعتمادها الهائل على الطاقة الروسية وخاصة الغاز الطبيعي. تشكل احتياطات الغاز الروسي إلى جانب قدرة روسيا على وقف تدفق الغاز والنفط عبر جنوب القوقاز عاملًا كبيرًا وواضحًا في موقف تركيا من روسيا. وعلاوة على ذلك، فإن تركيا لديها عجز هائل في الميزان التجاري مع روسيا ويمكنها فقط موازنته جزئيًا من خلال الدخل من السياحة الروسية في تركيا ومن خلال الشركات التركية التي تمارس أعمالها في روسيا. وهكذا، فإن الحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا أصبح وضعًا لا غنى عنه للاقتصاد التركي.

هناك الكثير مما يمكن قوله حول أسلوب قيادة بوتين وخطابه المعادي للغرب، والذي قد يجذب أردوغان له، وإلى حد ما الشعب التركي. أحد المظاهر المدهشة لذلك جاء خلال المحادثات السابقة بين الزعيمين في سان بطرسبرج في نوفمبر 2013. خلال مؤتمر صحفي، وردًا على تعليق من جانب بوتين بأن " تركيا لديها خبرة كبيرة في المحادثات مع الاتحاد الأوروبي" قال أردوغان "أنت على حق، خمسون عامًا من الخبرة ليست هينة، اسمح لنا بالدخول في منظمة شنغهاي للتعاون وخلِّصنا من هذه المشاكل".

كان بوتين ذكيًا بوضوح في استغلال المظالم التركية. على سبيل المثال، وفي أعقاب العقوبات الاقتصادية التي وقعها الاتحاد الأوروبي على روسيا مؤخرًا، عرض بوتين على أردوغان إمكانية زيادة صادراته إلى روسيا، بما يسمح له بتخفيف أثر العقوبات على السلع الاستهلاكية، وفي نفس الوقت يفتح شهية الشركات التركية التي فقدت أسواقًا في الشرق الأوسط. كان ذلك مصحوبًا بوعد بمشروع بديل ينقل الغاز إلى أوروبا عبر تركيا ليحل محل مشروع خط أنابيب الغاز الملغى "ساوث ستريم". كما يمكن أن نرى، فإن بوتين يسعى لإغراء تركيا بعيدًا عن الغرب ليزيد اعتمادها على روسيا.

إزاء هذه الخلفية، تصبح زيارة موجيريني مهمة استراتيجيًا. استولى الجمود في مفاوضات الانضمام على علاقات تركيا الإشكالية بالاتحاد الأوروبي. من الناحية الفنية، لاستكمال انضمام تركيا، يجب أن يتم التفاوض على 33 فصلًا يمثلون تشريع الاتحاد الأوروبي وإنهاءهم، وهم مجموع قوانين وسياسيات الاتحاد الأوروبي. أنهت كرواتيا، التي بدأت مفاوضات الانضمام مع تركيا في عام 2005، المفاوضات في أواخر عام 2011، وأصبحت عضوًا كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي في يوليو من هذا العام. في الحالة التركية، تم تعليق ثمانية فصول من جانب الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2006 ، في حين تم منع تسعة فصول أخرى من جانب فرنسا وقبرص وألمانيا والنمسا. وفقط في الصيف الماضي تم فتح الفصل الـ14 أخيرًا للتفاوض بعد توقفه في عام 2010.

ومع ذلك، فإن الفوضى المحيطة بتركيا تدفع الجانبين إلى التقارب سويًا. في خريف هذا العام، أعرب الجانبان عن رغبتهما في إحياء العلاقات. وقبيل زيارتها إلى تركيا، أكدت موغيريني على الأهمية الاستراتيجية للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، في حين شدد جوهانس هان، الذي كان مفوض الاتحاد الأوروبي لسياسات الجوار، على عزم الاتحاد الأوروبي وضع مفاوضات انضمام تركيا على المسار مرة أخرى. وبالمثل، في أكتوبر 2014، ذكرت وثيقة للاتحاد الأوروبي أن مفاوضات الانضمام النشطة وذات المصداقية توفر الإطار الأنسب لاستغلال الإمكانات الكاملة للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا". وشعور مماثل جاء من أنقره عندما أعلن أردوغان أن عام 2014 سيكون العام الذي سيلتزم فيه الاتحاد الأوروبي وتركيا بإحياء عملية الانضمام. وفي وقت لاحق، أعلن وزير شؤون الاتحاد الأوروبي وكبير المفاوضين السفير فولكان بوزكير عن "استراتيجية تركيا الجديدة تجاه الاتحاد الأوروبي" في بروكسل في سبتمبر 2014، وذكر بشكل مفصّل التدابير الواجب اتخاذها لتحسين العلاقات.

وتشير العوامل الاقتصادية والرأي العام التركي أيضًا إلى قرب حدوث تحسن في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. وحتى عام 2013، حافظ الاقتصاد التركي على نمو قوي. ومع ذلك، ومنذ ذلك الحين، واجه الاقتصاد تحديات لا حصر لها، بما في ذلك التباطؤ العام في الاقتصاديات الناشئة حول العالم وعدم الاستقرار في المنطقة. وقد تم الاستشهاد في كثير الأحيان أيضًا بالآثار السلبية لتراجع الديموقراطية وضعف سيادة القانون على الاقتصاد التركي.

ومن غير المرجح أن تعالج العلاقات الوثيقة مع روسيا هذه المشكلات. تبلغ صادرات تركيا إلى الاتحاد الأوروبي عشرة أضعاف صادراتها لروسيا تقريبًا، ونحو 70 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا يأتي من الاتحاد الأوروبي. وتأتي زيارة موغيريني في وقت يبدأ فيه الرأي العام التركي في التحول لصالح الاتحاد الأوروبي. ووفقًا لتقرير "ترانس أتلانتك تريندز" لعام 2014 الصادر عن صندوق مارشال الألماني، فإن الرأي العام التركي قد بدأ ينظر بإيجابية إلى عضوية الاتحاد الأوروبي بزيادة 8 نقاط مئوية لتصل إلى 53 من 2013 إلى 2014، بعد سنوات متتالية من الانخفاض منذ عام 2006. ويستشعر الرأي العام التركي بأن الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية تؤكد بشكل واضح حاجة تركيا إلى إعادة إرساء نفسها في مجتمع عبر الأطلنطي.

ويحتاج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى تعزيز هذا الاتجاه. يجب أن ترتبط كلمات موغيريني بأفعال. وبالتالي، فمن الأهمية بمكان، أن يفتح الاتحاد الأوروبي عددًا من الفصول الجديدة للتفاوض حولها. وقد أعربت تركيا عن رغبتها في فتح على الأقل ثلاثة فصول تدعو إلى الإصلاحات السياسية والاقتصادية المحلية. وفي حين أن عضوية تركيا ليس من المحتمل أن تأتي في أي وقت قريب، فإن الحفاظ على عملية ذات مصداقية هو أمر بالغ الأهمية. في غضون ذلك، من المهم أن يتم الأخذ بتوصية البنك الدولي بتطوير الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا. وساعد الاتحاد الجمركي تركيا في جعل تركيا سادس أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي ورقم 16 بين أكبر اقتصاديات العالم. وهناك أيضًا حاجة لاعتراف أكبر من الاتحاد الأوروبي بأنه يستفيد من العلاقات الاقتصادية مع تركيا، وبخاصة في وقت ما زال الاقتصاد الأوروبي يصارع فيه للخروج من الركود ومن العقوبات المفروضة على روسيا والتي تؤثر سلبًا على الصادرات.

وتستمر القيمة الاستراتيجية للعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي لتكون ذات أهمية كبرى، لا سيما في ضوء اشتداد المنافسة بين الغرب وروسيا وعدم الاستقرار العميق في جميع أنحاء الشرق الأوسط. في عام 1995، لعبت الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا في دعم التفاوض وفي توقيع تركيا على الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، وكذلك دعوة تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي كوسيلة لتعميق علاقات تركيا عبر الأطلنطي.

يجب على الولايات المتحدة إعادة تنشيط هذه الجهود. إضافة إلى ذلك، ينبغي على الولايات المتحدة استكشاف فكرة توسيع اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي لتشمل تركيا أو التوقيع على اتفاقية تجارة حرة ثنائية مع تركيا. ما من شأنه المساعدة في إعادة إرساء تركيا في مجتمع عبر الأطلسي. إن توسيع مجتمع الأعمال مع حصة في قيم السوق الليبرالية، سيجعل تركيا مساهمًا صافيًا في الاقتصاد عبر الأطلسي، ويساعد في خلق فرص عمل وزيادة التعاون الاستراتيجي. وبدورها، ستساعد العلاقات الأقوى والأعمق مع الغرب في إعادة إحياء الديمقراطية والاقتصاد في تركيا والتي قد يضعفها الشرق. يمكن الحفاظ على العلاقات مع روسيا ويمكن حتى التوسع فيها ولكن دون أن تكون تركيا عرضة للتأثير الروسي. وبالمثل، في الشرق الأوسط، يمكن لتركيا أن تعود لوقت أن كانت نموذجًا يتم الإشادة به اقتصاديًا وسياسيًا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب