روسيا تترنح في مواجهة الأزمة المالية

أخبار

تترنح روسيا في اتجاه أزمة مالية تستدعي للأذهان انهيار عام 1998، فقد انخفضت قيمة الروبل أكثر من 11 في المئة يوم الثلاثاء، على الرغم من الرفع المفاجيء لسعر الفائدة من قِبَل البنك المركزي في البلاد.

ظهرت إشارات على انتشار أزمة الروبل الروسي في الأسواق العالمية مع إقبال المستثمرين على الأصول الآمنة وانخفاض عوائد السندات الألمانية إلى مستوى انخفاض قياسي.

وفيما يعتبر علامة على الضغط الواقع على واضعي السياسات، قال سيرجي شفيتسوف، نائب محافظ البنك المركزي، في فعالية أقيمت في موسكو إن الوضع كان "حرجاً"، مضيفاً: "لم أكن أتصور حتى قبل سنة أن مثل هذا الأمر قد يحدث حتى في أسوأ كوابيسي".

وهرع المتسوقون الروس لشراء السلع قبل أن تفقد العملة المزيد من قيمتها، في حين نفدت السيولة النقدية من بعض البنوك إذ ادخر العملاء في الدولار واليورو.

وصرّح ألكسندر موسيلي، مدير صندوق في شرودر، "روسيا في أزمة عملة كاملة متفجرة" وأضاف: "من الصعب أن نرى نهاية لمصدر التوتر الكامن".

تراجع الروبل مقابل الدولار يوم الثلاثاء ليصل إلى مستوى 80 روبل للدولار قبل أن يسترد بعض قيمته ليصل  إلى مستوى 70 روبل للدولار. وقد انخفض إلى أكثر من 50 في المائة منذ بداية العام، مما يعيد ذكريات عام 1998 عندما تخلفت روسيا عن دفع ديونها المحلية. وعلى الرغم من ذلك فإن مواردها المالية العامة واحتياطياتها في حالة أفضل كثيراً مما كانت عليه قبل 16 عاماً.

كان انكسار العملة مرتقباً في اجتماع السياسة النقدية الأخير، في عام 2014، لرئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي جانيت يلين. إذ أرسلت إشارة قوية على أن رفع أسعار الفائدة العام المقبل، سيعمق من هزيمة العملة في الأسواق الناشئة بامتصاص رؤوس الأموال مرة أخرى إلى الولايات المتحدة. انهيار الروبل كان مدفوعاً بتراجع الثقة في البنك المركزي، والعقوبات الغربية على روسيا لتدخلها في أوكرانيا، وتقهقر سعر النفط ليصل لأدنى من 60 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ يوليو عام  2009.

يُمثّل ذلك مشكلة ضخمة للرئيس فلاديمير بوتين الذي ارتطب حكمه، الممتد لأربعة عشر عاماً، في أذهان الروس بالاستقرار وارتفاع مستوى المعيشة.

ومع انهيار العملة، استدعى رئيس الوزراء، ديميتري مدفيديف، كبار مسؤولي البنك المركزي والحكومة لمحادثات عاجلة بشأن الوضع المالي والاقتصادي للبلاد.

يتطلع المستثمرون والمواطنون الروس اليوم إلى مؤتمر صحفي سنوي، يعقده بوتين لتوضيح إشارات خطته للتعامل مع الأزمة، وبالأخص أي إشارات يمكن أن تخفف من موقفه تجاه أوكرانيا في محاولة لتخفيف العقوبات.

وقد أثيرت تكهنات حول وضع روسيا لضوابط رأس المال عقب فشل البنك المركزي في وقف التراجع الحاد للعملة مع ارتفاع سعر الفائدة بـ 6,5 في المئة إلى 17 في المئة.

وقال هاينز روتيمان، الخبير الاستراتيجي للأسواق الناشئة في جوليوس باير، إنه " لا يمكن للوضع أن يسوء أكثر من ذلك في روسيا. الخطوة الأخيرة نحو العاصفة المدمرة هي وضع ضوابط لرأس المال".

ارتداد سقوط الروبل في أسواق المال العالمية، شجع الاتجاه إلى الجودة بين المستثمرين. انخفض العائد على الديون لمدة 10 أعوام، والمصدرة من ألمانيا قد انخفضت بنسبة 0,56 في المئة للمرة الأولى، في حين حققت العائدات على السندات اليابانية انخفاضاً قياسياً بلغ 0,36 في المئة.

وقال أندرو ميليجان، رئيس الاستراتيجية العالمية في ستاندارد لايف إنفيستمنتس، إن "المستثمرين يقدرون أن روسيا متجهة نحو ركود سيء للغاية، وسوف تشعر به بلدان أخرى". مضيفاً أن "هناك مخاوف مفهومة حول الأسواق التي تحولت سريعاً إلى أسواق غير سائلة قبل عيد الميلاد".

وهبط مؤشر الأسهم في بورصة موسكو بأكثر من 8 في المئة خلال اليوم قبل أن يتعافى، في الوقت الذي انخفضت أسهم البنك الأكبر في روسيا سيبربانك بنسبة 17 في المائة، وانخفض غازبروم بنسبة 10 في المئة.

ونفدت السيولة النقدية في بعض فروع البنوك الروسية بعد أن هرع المواطنون العاديون لتحويل أموالهم من الروبل إلى الدولار واليورو، في خطوة يقول المصرفيون إنها المحرك الرئيسي لانخفاض الروبل. وصرّح أحد موظفي بنك سبيربانك لـ"فاينانشيال تايمز" أن أحد فروع البنك، في تسيفتنوي بولفار في وسط موسكو، قد بقي فيه 100 دولار فقط في تمام السابعة مساء يوم الثلاثاء، بعد أن بدأ اليوم بـ 100 ألف دولار. وأمام فرع آخر للبنك الأكبر في روسيا اصطف عشرات المواطنين، وأوضحت جالينا (سيدة على المعاش) أنها تنتظر في الصف لتحويل معاشها إلى الدولار، مضيفة " ا أحد منا يعرف ماذا يحدث، نحن جميعاً قلقون من استمرار انهيار العملة".

وقال محللون إن الارتفاع الضخم في سعر الفائدة كان رداً علمياً على الأزمة، ولكنه قد يكون متأخراً جداً.
وقال لارس كريستنسن، كبير المحللين في بنك دانسك، إنه كلما استمرت أسعار النفط في الانخفاض كلما واجه البنك المركزي صعوبة في ضبط الروبل. وأضاف إن ارتفاع سعر الفائدة يعد "أول تغير للبنك المركزي" من استراتيجيته الأخيرة للسماح بتعويم الروبل بحرية.

وارتفعات عائدات مؤشر السندات لمدة 10 أعوام بأكثر من 2 في المئة ليصل إلى 15,36 في المئة، وهو الأعلى منذ عام 2007، بينما كسب ما يعادله المقوم بالدولار بنحو 36 نقطة أساس ليصل إلى 7،55 في المئة.

في حين ساعدت سنوات السياسية المالية الحكيمة وصندوق تمويل الحرب البالغ 400 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي في منع حدوث أزمة مالية صريحة، إلا أن انكماش الروبل قد زاد كثيراً من عبء الديون الخارجية البالغة 600 مليار دولار على البنوك والشركات. والقليل من هذه الديون يمكن تمويلها نتيجة العقوبات الغربية التي منعت المقترضين الروس من أسواق المال الأمريكية والأوروبية.

وقال أوليج كوزمين، الخبير الاقتصادي في شؤون روسيا ودول الكومنولث في "رينيسانس كابيتال" في موسكو، إن ضعف الروبل "يضع أسواق المال المحلية تحت ضغوط شديدة، بما في ذلك القطاع المصرفي المحلي". وأضاف إن الارتفاع الجذري في سعر الفائدة من المرجح أن يتبعه تدخلات مباشرة ضخمة".

وتابع قائلاً: "في تقديراتنا التقريبية، إذا باع البنك المركزي نحو 20 مليار دولار من السيولة الدولارية في الفترة المتبقية من الشهر الجاري، وإذا بقي سعر النفط مستقراً، فإن الروبل من الممكن أن يرتفع من 10 إلى 15 في المئة مقارنة بمستوياته الحالية".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب