صفقة الغاز ستفيد روسيا وتركيا

مقال رأي

لفترة طويلة ارتكزت صناعة الغاز الطبيعي في روسيا على أوروبا، سوق تصديرها الرئيسي. ولكن الآن، يبدو أنها تحول اهتمامها إلى تركيا، والتي تحرص على ترسيخ مكانتها كبوابة لأسواق الطاقة في الاتحاد الأوروبي.

تدل صفقة حديثة بين البلدين على أن أنقرة يمكن أن تصبح بالفعل لاعباً رئيسياً في أسواق الغاز الإقليمية.

جاهزة لوقت الذروة؟

لطالما ظلت تركيا متحمسة لفكرة تحويل نفسها إلى مركز طاقة لخدمة السوق الأوروبية.

وتماشياً مع هذا الهدف، فقد ناقشت حكومتها بالفعل مقترحات لبناء خطوط أنابيب لنقل الغاز من أذربيجان وتركمانستان والعراق وإيران إلى أوروبا عبر أراضيها. وهي الآن أقرب من أي وقت مضى لتحقيق هذا الهدف، نظراً لانهيار العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي حول أوكرانيا وقرار روسيا بإلغاء مشروع "ساوث ستريم" لصالح وصلة جديدة عبر البحر الأسود إلى تركيا.

إذا نجحت الخطة الروسية الجديدة، فإن تركيا ستصبح جسراً للغاز بين الشرق والغرب. ومع ذلك، فإنها أيضاً ستواجه عدداً من المشاكل الشائكة المحتملة.

ساوث ستريم، تُركيش ستريم

بسبب التوترات الناجمة عن الأزمة الأوكرانية، أشارت موسكو في وقت سابق من هذا العام أنها قد تدرس اتخاذ طريق بديل لـ "ساوث ستريم" إذا استمر الاتحاد الأوروبي في إعاقة هذا الخط. يوم 24 مايو، اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاتحاد الأوروبي بـ "الاستمرار في تعطيل أعمال هذا المشروع"، وهدد بالنظر إلى خيارات [طرق] أخرى عبر دول خارج الاتحاد الأوروبي". وقال بوتين هذا يعني أنه على بروكسل أن تدرس احتمالية أن "ساوث ستريم" سوف يضخ الغاز إلى أوروبا عبر "بلد وسيطة أخرى."

ثم في 1 ديسمبر، أعلن بوتين خلال زيارة لأنقرة أن روسيا ستتخلى عن مشروع "ساوث ستريم" وستبني وصلة جديدة تحت سطح البحر إلى تركيا بدلاً من ذلك. وأعلن أن ساوث ستريم قد وصل إلى طريق مسدود بسبب المعارضة من الاتحاد الأوروبي، والذي قال إن المخطط الذي تدعمه روسيا قد ينتهك أحكام حزمة الطاقة الثالثة. وقال إنه بدلاً من الاستمرار في الجدال مع بروكسل حول الامتثال للوائح مكافحة الاحتكار، ستعيد شركة "جازبروم" المملوكة للدولة توجيه الـ 63 مليار متر مكعب في السنة من خط أنابيب "ساوث ستريم" عبر تركيا.

ودعى بوتين خط الأنابيب الجديد باسم "تركيش ستريم". ووفقاً لبيان نُشر على موقع "جازبروم"، فإن الوصلة الجديدة ستنقل 14 مليار متر مكعب سنوياً إلى السوق التركية و 49 مليار متر مكعب أخرى سنوياً إلى أوروبا عبر محور جديد على الحدود التركية اليونانية. وقال البيان أيضاً إن "جازبروم" وقّعت مذكرة تفاهم مع "بوتاس"، مشغل خط أنابيب حكومي تركي.

نقلت رويترز عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوله خلال مؤتمر صحفي مشترك مع بوتين في أنقرة، "كلا الجانبين يعملان على تحويل الاتفاق المبدئي إلى صفقة نهائية واضحة في أقرب وقت ممكن". "ستشمل هذه الخطوات استفادتنا من [المشروع] لتلبية احتياجاتنا من الغاز الطبيعي وتشكيل مركز توزيع على حدودنا اليونانية لتلبية الطلب هناك"، أضاف أردوغان.

اتجاه جديد

هذا التحول غير المتوقع في التعاون في مجال الطاقة بين روسيا وتركيا يُثير العديد من التساؤلات حول التنمية المستقبلية لسوق الطاقة في الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تطور الوضع الجيوسياسي في المنطقة.

عن طريق إلغاء "ساوث ستريم" وإعادة توجيه نفس كميات الغاز إلى تركيا، أضعفت روسيا موقف الاتحاد الأوروبي في المفاوضات بخصوص إمدادات الغاز عبر أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، فقد زادت من قوة تركيا.

بعبارة أخرى، فقد منعت موسكو بروكسل من ممارسة حق الفيتو على "ساوث ستريم"، والذي صُمم لتقليل اعتماد "جازبروم" على طرق العبور الأوكرانية. الشركة الروسية يمكن أن تعمل الآن مع تركيا لتقليل أو حتى القضاء على دور أوكرانيا في شحن الغاز إلى أوروبا، وبالتالي تترك كييف بدخل قليل أو منعدم من رسوم العبور وقدرة أقل بكثير على التأثير على روسيا.

وقد أكد رئيس شركة "جازبروم" ألكسي ميلر على تلك النقطة الأسبوع الماضي، قائلاً إن دور أوكرانيا كدولة لعبور الغاز الطبيعي بين روسيا والاتحاد الأوروبي سيكون "ملغياً" بمجرد الانتهاء من خط الأنابيب الجديد لتركيا. للمفارقة، فميلر كان يتحدث بعد أن قال رئيس الوزراء الأوكراني، أرسيني ياتسينيوك، لأعضاء برلمان بلده إن كييف دعت بروكسل "لمنع "ساوث ستريم" لأنه تم تصميمه ليتجاوز الأراضي الأوكرانية". يبدو أن ياتسينيوك حصل على ما تمناه، لكنه قد لا يكون سعيداً بالوضع الجديد.

أوضحت أنقرة بالفعل أنها لن تُذعن للضغوط لتقليص التعاون المستقبلي مع روسيا. كما قال وزير الطاقة التركي، تانر يلدز، للصحفيين في أنقرة الأسبوع الماضي، "تركيا لن تختار بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. نحن نعمل على تطوير المشاريع بناء على مصالحنا الخاصة والمتبادلة".

وحتى الآن، على الرغم من الخلافات السياسية حول سوريا وقبرص والتوترات بين أرمينيا وأذربيجان، فموسكو وأنقرة تمكنا من إدارة خلافاتهما. بدلاً من الشجار، فقد اتخذا نهجاً براغماتياً من أجل بناء تعاون قوي في الاقتصاد والطاقة. لكن صفقة خط أنابيب الغاز لها آثار أوسع على التكوين الجيوسياسي الحالي للمنطقة. كما يمكن أن تكون إشارة إلى أن تركيا قد تكون ذاهبة بعيداً عن أوروبا ونحو روسيا.

العقبات

لا يمكن تنفيذ مشروع "تركيش ستريم" بنجاح ما لم يستثمر كلا الجانبين قدراً كبيراً من الوقت والمال والإرادة السياسية. سيواجهون عدداً من العقبات المحتملة، بما في ذلك أسئلة حول أسعار الغاز وكيفية إدارة الشحنات الموجهة إلى السوق الأوروبية.

ومع ذلك، فتركيا في وضع أفضل للتفاوض مع روسيا من أوكرانيا، كما أن لديها العديد من الأوراق للمساومة. هذا أمر مهم في وقت تستهدف فيه كل من موسكو وأنقرة أجنداتهم الخاصة، حتى لو كانت تربطهما مصالح معينة.

أنقرة، من جانبها، لديها طموح في أن تصبح أكثر بكثير من مجرد دولة عبور للغاز الروسي. إنها تريد أن تصبح مركزاً للطاقة، يشتري الغاز من روسيا (والموردين الآخرين) ومن ثم يبيعه للمستهلكين الأوروبيين. وشدد يلدز مؤخراً على هذه النقطة قائلاً: "تركيش ستريم... لن يكون مشروعاً للعبور فقط، ولكن سيحول منطقة تراقيا التركية إلى مركز للغاز".

موسكو، في الوقت نفسه، لن تسلم بسهولة الدور المهيمن الذي لعبته على مدى عقود من خلال منح أنقرة السيطرة الكاملة على الغاز. ومع ذلك، فمن المحتمل أن تكون على استعداد للتوصل إلى تسوية، نظراً إلى أن موقفها في السوق الأوروبية قد تآكل في السنوات الأخيرة.

على هذا النحو، فمن المرجح أن تكون على استعداد لتقاسم مكاسبها الأوروبية مع أنقرة من أجل الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النفوذ، حتى في الوقت الذي تسعى فيه للحفاظ على السيطرة على كميات الغاز المصدرة إلى أوروبا. وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، قد طرح بالفعل أحد الحلول الوسط الممكنة. فقد قال مؤخراً إنه يمكن للـ 6 في المئة خصم على سعر إمدادات الغاز الروسي إلى تركيا أن ترتفع إلى 15 في المئة إذا أصبح سوق الغاز التركي "أكثر ربحية". ولكن يبدو أن هذه الخطة ستعتمد على الدور الذي تلعبه روسيا في المخطط الكامل.

إيجاد أرضية مشتركة

إزاحة الستار عن المشروع الجديد تشير إلى أن روسيا تعتزم اللعب بشكل قاسي مع الاتحاد الأوروبي، وأن تركيا لديها فرصاً جيدة للفوز.

إذا وجدت موسكو وأنقرة أرضية مشتركة وبنيا "تركيش ستريم"، فإنهما سوف تعتمدان على بعضها البعض أكثر بكثير من أي وقت مضى. في هذه الحالة، فإنهما ستكونان مرتبطتان معاً بخط الأنابيب والتزامات طويلة الأجل لنقل الغاز إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، وهذا من شأنه أن يكون له آثار على جوانب أخرى من العلاقة بينهما. على سبيل المثال، فإنهما ستصبحان الأداة الرئيسية لشحن الغاز إلى السوق الأوروبية. حتى أنهما يمكن أن يقررا العمل معاً في المفاوضات مع بروكسل في مواجهة التحديات المشتركة.

وهذا، بدوره، من شأنه أن يضع المزيد من الضغوط على الاتحاد الأوروبي، لأنه من شأنه أن يعقد الجهود الرامية إلى المضي قدماً في خطط تنويع مصادر إمداد الغاز. إذا تم بناء خط أنابيب "تركيش ستريم" المقترح، فإن تركيا ستكتسب سيطرة جزئية على جزء كبير من الغاز الروسي الذي يتدفق إلى أوروبا، حتى في الوقت الذي تتحرك فيه قدماً في الخطط لمساعدة المستهلكين الأوروبيين في الاستفادة من تدفق الغاز في بحر قزوين. من المقرر لتركيا بالفعل استضافة خط أنابيب الغاز العابر للأناضول (TANAP)، والذي سيكون بمثابة الجزء الأوسط من ممر الغاز الجنوبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي. باختصار، تركيا تتجه لتأمين المزيد من النفوذ إذا ما سيطرت على اثنين من الطرق الرئيسية لنقل الغاز.

تضارب مصالح؟

أشار مسؤولون في أنقرة أنهم لا يؤمنون أن خطط موسكو الجديدة سوف تتعارض مع برنامج ممر الغاز الجنوبي.

وتعليقاً على النتائج المحتملة للمشروع الذي تدعمه روسيا، قال يلدز إن "تركيش ستريم" لا يشكل أي مخاطر على (TANAP) ولن يؤثر على اهتمام السوق الأوروبية بغاز بحر قزوين. وأضاف "إننا لن نشارك في مشروع من شأنه أن يهدد  (TANAP)، الذي هو مشروعنا. لا نبغي لأحد أن يكون غير مرتاح إزاء مستقبل (TANAP).

يبقى من غير المعلوم، مع ذلك، ما إن كانت بروكسل لديها نفس المستوى من الراحة مع وجود خطط للتعاون المستقبلي بين موسكو وأنقرة. ولذلك فقد يطرح مسئولو الاتحاد الاوروبي السؤال ما إذا كان ينبغي الاستمرار في دعم الخطط لجعل تركيا طريق العبور لكل غاز بحر قزوين، بما في ذلك الإنتاج التركماني فضلاً عن الأذربيجاني.

إذا حدث ذلك، فإنهم قد يسعون لتسريع المحادثات حول طرق  نقل بديلة عبر جورجيا والبحر الأسود، حيث ستتخطى هذه الطرق تركيا.

على المدى القصير، فغالباً ستسعى أنقرة وموسكو إلى استخدام اتفاقهما كوسيلة ضغط في المحادثات مع الاتحاد الاوروبي وفي المصالح الغربية الأخرى. لديهم بالتأكيد المساحة للقيام بذلك. كما أشار يلدز في الأسبوع الماضي، فقد كان الاتفاق، الذي وقع خلال زيارة بوتين، مذكرة تفاهم غير ملزمة، لذا فما يزال هناك مساحات يجب أن يغطيها النقاش قبل أن يبدأ البناء.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب