عقيدة روسيا العسكرية الجديدة: هل يجب على الغرب الشعور بالقلق؟

مقال رأي

كأحد آخر قراراته في عام 2014 وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم 26 ديسمبر، على عقيدة عسكرية جديدة لروسيا. من حيث المبدأ، فالعقيدة العسكرية هي بيان رسمي حول الدفاع الوطني، يتم تحديثها بشكل منتظم وتُعلن على الملأ. حدثَ آخر تغيير لها في شهر فبراير 2010. في الفترة التي سبقت نشر النص، كانت هناك توقعات قاتمة. أحد الاقتراحات كان أن الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو سيتم تحديدهم رسميًا كخصوم روسيا المحتملين. اقتراح آخر، استناداً إلى تصريحات جنرال بارز في الخدمة، توقع أن تتبنى روسيا فكرة توجيه ضربة نووية وقائية. لم يجد أي من هذه الأحكام طريقه إلى الوثيقة المنشورة. لكن، مع ذلك، تعكس العقيدة بأمانة التغير الجذري الذي حدث في السياسة الخارجية لروسيا والمواقف من الأمن والدفاع في عام 2014.

بالنسبة للقائد العام للقوات المسلحة، بوتين، وجنرالاته، الأدميرالات ومسؤولي الأمن، توقفت الحرب في عام 2014، بالتأكيد، عن كونها خطرًا وتحولت إلى واقع قاتم. اضطرت روسيا لاستخدام قواتها العسكرية في أوكرانيا، والتي تعتبر أهم جار لها في أوروبا. الصراع على أوكرانيا، في رأي موسكو، يعكس واقعاً أساسياً لـ "تكثيف المنافسة العالمية" و"التنافس في التوجهات القيمية ونماذج التنمية". على خلفية عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي - الأزمات والتحركات الشعبية- يأخذ التوازن العالمي في التغير لصالح مراكز القوى الناشئة. في هذه البيئة الجديدة، تسلط العقيدة العسكرية الضوء على حرب المعلومات والتدخل الخارجي في السياسة الداخلية لروسيا باعتبارها مخاطر متزايدة في الأهمية.

لم تتغير قائمة المخاطر الخارجية الرئيسية كثيرًا، ولكن الفروق الدقيقة مهمة. كما كان في الماضي، في الجزء العلوي من الجدول تجد القضايا المتعلقة بالناتو: قدراته المعززة، وانتشاره وتوسعه العالمي، الذي يجلب البنية التحتية للحلف أقرب إلى حدود روسيا. بعد خطر الناتو يأتي خطر زعزعة استقرار البلدان والمناطق، والتي يمكن أن تؤخذ على أنها تعني ليبيا وسوريا وأوكرانيا، ونشر قوى عسكرية أجنبية بالقرب من روسيا، والذي يشير غالبًا إلى طائرات الناتو الإضافية في دول البلطيق وصواريخ الدفاع الباليستية (BMD) المتمركزة في رومانيا والسفن البحرية في البحر الأسود. الجزء الأعلى من قائمة المخاطر يحتوي على إشارات إلى صواريخ الولايات المتحدة الباليستية الاستراتيجية الدفاعية، ومفهوم الضربة العالمية والنظم الاستراتيجية غير النووية خاصتها.

وقد اجتذب الخطرين الأخيرين الكثير من الاهتمام في موسكو مؤخرًا، التي وضعتهما على قدم المساواة مع الصواريخ البالستية الاستراتيجية، كمخاطر رئيسية على قدرة الردع الروسية، قرة عين موقف الدفاع الروسي بأكمله. الخطر هو، بطبيعة الحال، أن المسؤولين الروس قد يبالغون في تقدير المخاطر ويبالغون في رد الفعل - كما فعلوا في السابق تحت حكم ميخائيل غورباتشوف، عندما سقطوا تحت تأثير مبادرة رونالد ريغان الاستراتيجية للدفاع (برنامج حرب النجوم)، بـ "أقماره الصناعية الرائعة" وما إلى ذلك. ونتيجة لذلك، فقد استند الكثير من خطة غورباتشوف لنزع السلاح على ضرورة تفادي شيئًا لم يكن قادمًا.

لقد اكتسبت بعض المفاهيم الأساسية في العقيدة العسكرية طابعًا ملحًا جديدًا. التهديدات للسلامة الإقليمية والمطالبات الأجنبية بأجزاء من روسيا كانت دائمًا هناك، ولكن، مع اكتسابها لشبه جزيرة القرم، يجب أن تنظر موسكو بجدية في الحاجة إلى حماية شبه الجزيرة ضد مطامع كييف. ونتيجة لذلك، فقد حولت روسيا شبه جزيرة القرم، منذ الصيف الماضي، إلى منطقة انتشار عسكري واسع.

يجدر الإشارة إلى أن المخاطر الأخرى، التي لا تؤثر مباشرة على روسيا، قد انتقلت لأسفل القائمة. من بين هذه المخاطر: انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتكنولوجيا الصواريخ، والإرهاب العالمي (مع احتمال استخدام المواد المشعة والسامة)، وتهريب الأسلحة والمخدرات، والصراعات الداخلية المسلحة على أسس عرقية وطائفية، وأنشطة الراديكاليين المسلحين والشركات العسكرية الخاصة، والتي تشمل كلا من داعش وخلفاء "بلاك ووتر".

تم توسيع مفهوم ما يشكل خطرًا عسكريًا ليشمل استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات - والتي قد تعني أي شيء من التظاهرات الإلكترونية على تويتر وفيسبوك، مثلما حدث في الربيع العربي، إلى الهجمات الإلكترونية  لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية. وهناك خطر آخر يضاف إلى العقيدة هو إسقاط الحكومات الشرعية والفرض اللاحق لأنظمة معادية للمصالح الروسية، في إشارة واضحة إلى حركة ميدان في كييف والإطاحة بالرئيس يانوكوفيتش.

وترتبط هذه الإشارة أيضًا بقائمة المخاطر العسكرية المحلية. أول نقطة على تلك القائمة هي المحاولات العنيفة لتغيير النظام الدستوري. خلال فصل الشتاء في 2011-2012، شاهدت السلطات الروسية نمو حركة الاحتجاج في موسكو وعبر البلاد بقلق متزايد. ثم اتهم فلاديمير بوتين المتظاهرين بالتواطؤ مع حكومة الولايات المتحدة. في مايو 2012، عشية تنصيب الرئيس بوتين، ردت السلطات الروسية بالقوة ضد المتظاهرين الذين اشتبكوا مع الشرطة في وسط موسكو، ثم عملت بفعالية على تفكيك وخنق المعارضة الراديكالية. ومع ذلك، فإن حركة "ميدان" كييف، والتي بدأت في أواخر نوفمبر 2013، سرعان ما أعطتهم مثالًا للإطاحة الناجحة بنظام راسخ.

تفصل العقيدة علاقات روسيا مع حلفائها وشركائها والبلدان الأخرى. وتميز روسيا البيضاء، التي تتكامل قواتها المسلحة مع قوات روسيا، كأقرب حليف لموسكو. يوضح هذا الوضع تسامح الكرملين مع ابتزاز الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو، المكشوف لروسيا. الفئة التالية هي الدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) وهي أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا وطاجيكستان، والتي وافقت على تنسيق سياساتها وشكلت قوات رد سريع لمختلف الحالات الطارئة، لاسيما في آسيا الوسطى ، وذلك بهدف مواجهة المخاطر القادمة من أفغانستان (أحد أسباب تزايد الاهتمام المشترك). في ديسمبر، رحب بوتين بزعماء (CSTO) في مركز التحكم الوطني الجديد للدفاع في موسكو ودعا بلدانهم للانضمام إلى المركز. في القوقاز، برزت جمهورية الشيشان الروسية كمعقل أمني لموسكو ومورد للقوات شبه العسكرية. أيضًا، بموجب معاهدة مبرمة في نوفمبر، فقد ادمجت أبخازيا قواتها مع روسيا. أوسيتيا الجنوبية، بحكم الواقع، هي محمية عسكرية روسية. هذا يكمل محيط الدفاع الروسي اعتبارًا من أواخر عام 2014.

على الرغم من أن الرئيس بوتين مازال يضع إشارات ساخرة إلى كون الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو "شركاء"، فالعقيدة العسكرية أشد فظاظة بشأن هذه المسألة. فقط الدول الوحيدة التي تعتبر ودية لموسكو يتم وصفها بشركاء: الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون (الصين وآسيا الوسطى) ومجموعة "بريكس". واضعة الصين في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، تقترح العقيدة "تنسيق الجهود للتعامل مع المخاطر العسكرية في الفضاء العام". هذا، بطبيعة الحال، أقل بكثير من أي شكل من أشكال التحالف العسكري مع بكين.

تقدم العقيدة إلى الولايات المتحدة وللناتو والاتحاد الأوروبي، "حوار أنداد" حول الأمن في أوروبا وآسيا والمحيط الهاديء، والحد من التسلح، ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتدابير بناء الثقة. ومن المثير للاهتمام أنها تحتوي على حديث حول الدفاع الصاروخي المشترك، اقتراح روسيا لمنظمة الناتو في 2010، والذي لم يُقبل وقتها. مدركة الآن أن هذا الاقتراح ميت تمامًا، تتعهد العقيدة بعدم السماح للولايات المتحدة بتحقيق التفوق العسكري من خلال تطوير أسلحة الدمار الشامل أو الأنظمة الاستراتيجية غير النووية. في المستقبل المنظور، يجب أن تشعر روسيا بالثقة تمامًا في قدرات الردع لدى قواتها النووية الاستراتيجية.

وعلى الرغم من النقاش العام، فالعقيدة الروسية لم تحدث أي تغيير في مباديء استخدام الأسلحة النووية. كما كان من قبل، فإن روسيا سوف تنتقم ضد هجوم نووي أو بأسلحة دمار شامل ضدها أو ضد حلفائها؛ وأنها سوف تذهب أيضًا إلى استخدام السلاح النووي إذا رأت أن تهديدًا وجوديًا قد ينتج عن هجوم تقليدي.

التحديث الجديد في العقيدة العسكرية الروسية يجعل من الواضح أنه حتى لو لم يكن الغرب رسميًا عدو، فهو منافس قوي، منافس لدود، ومصدر معظم المخاطر والتهديدات العسكرية. حتى في مواجهة الركود القادم، فرفع مستوى القدرات الدفاعية واستعداد القوة ما يزال أولوية روسية واضحة. وتقوم روسيا أيضًا بتعزيز التكامل والتعاون مع العديد من الحلفاء والشركاء في أوراسيا، حتى عندما تنخفض الاتصالات العسكرية مع الغرب إلى مستويات الحرب الباردة. هناك نقطة تحول قد تم تجاوزها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب