على إدارة أوباما أن تساعد مصر لا أن تعاقبها

مقال رأي

في أواخر الشهر الماضي هدم الجيش المصري 800 منزلاً في رفح، وهي مدينة تقع على الحدود مع قطاع غزة. وتدّعي القاهرة في هذا الإطار أن هذا الترتيب القاسي، والذي أعقب هجوم 24 تشرين الأول/أكتوبر الذي أودى بحياة 31 جندياً في شمال شبه جزيرة سيناء، كان ضرورياً لوقف تدفق الأسلحة والمسلحين من قطاع غزة إلى شبه الجزيرة. إلا أن سياسة "الأرض المحروقة" هذه أدت إلى توجيه الأمم المتحدة إدانة فورية وعززت دعوات واشنطن لإعادة النظر في دعمها لقادة الجيش المصري.

كذلك، إن ما حصل في رفح يعقّد عملية تسليم المساعدات العسكرية الأمريكية إلى مصر. فقبل أن تستطيع الولايات صرف مبلغ 575.5 دولار، وهي الدفعة الأخيرة من مساعداتها السنوية التي تبلغ 1.3 مليار دولار، لا بد لوزير الخارجية جون كيري من أن يؤكد أن مصر تتخذ الخطوات اللازمة نحو تحقيق الديمقراطية. غير أنّ النزوح السريع لأكثر من 1100 أسرة يجعل الوصول إلى هذا المعيار أكثر صعوبة.

ولكن يجب على واشنطن أن تولي اهتماماً أكبر في مساعدة مصر على هزيمة الجهاديين بدلاً من معاقبتها على النهج القمعي الذي تتبعه في سيناء. ففي النهاية، لقد قتل الإرهابيون الذي يتخذون سيناء مقراً لهم أكثر من 500 عنصر من الجهاز الأمني المصري في خلال السنوات الثلاث الماضية، وشنوا هجمات عبر الحدود ضد إسرائيل، وفي بعض الحالات، قلّدوا تكتيكات قطع الرؤوس التي يتبعها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية». ولا بد من الإشارة إلى أن الإعلان الأخير عن مبايعة "أنصار بيت المقدس"، الجماعة الجهادية الأكثر فتكاً في سيناء، لتنظيم «داعش» يجعل من الضروري لواشنطن أن تبدأ في العمل بشكل أوثق مع مصر على صعيد مكافحة الإرهاب.

مما لا شك فيه أن الانتقادات الموجهة للتدبير الذي اتخذه الجيش المصري مبررة. فقد كانت عملية هدم المنازل بشكلٍ جماعي في رفح عملية مضلّلة استراتيجياً. وبينما ألقت القاهرة اللوم في تصاعد موجات العنف على سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة، إلا إنّ الجهاديين الذي اتخذوا سيناء مقراً لهم هم في الواقع من السكان المحليين، وتوجهاتهم هي نتيجة عقود طويلة من السياسة المصرية التي طبّقت الإهمال التنموي والحكم القمعي في شبه الجزيرة. من هنا، تخاطر القاهرة من خلال أعمالها الأخيرة في إبعاد هؤلاء السكان بصورة أكثر، وهم الذين ينظرون أصلاً إلى الدولة بانعدام شديد للثقة، مما قد يشجع المزيد من المواطنين في سيناء على دعم الجهاديين.

لكن نادراً ما تُسمع هذه الانتقادات في مصر لأن الجمهور المصري يرى على نطاق واسع أن الدولة القوية، وحتى القمعية، ضرورية لمعالجة مجموعة واسعة من التهديدات. فعلى الصعيد المحلي، يواجه المصريون تصاعداً كبيراً في نسبة الإرهاب في اتجاهات متعددة: من الجهاديين المستقرين في سيناء شرقاً ومن المقاتلين المستقرين في ليبيا غرباً. كما وأن المصريين يخشون عودة جماعة «الإخوان المسلمين»، التي قامت كوادرها وفقاً للتقارير بإغلاق الطرق ومهاجمة مراكز الشرطة وتخريب أبراج الكهرباء منذ أن استجاب الجيش للاحتجاجات الحاشدة عبر الإطاحة بزعيم «الإخوان» السابق محمد مرسي من القصر الرئاسي في تموز/يوليو الماضي. وعلى الصعيد الإقليمي، يرى المصريون قيام بيئة أصبحت الفوضى فيها هي العرف السائد، مع تداعي الدول في ليبيا وسوريا والعراق واليمن.

يجب أن تبيّن هذه المخاوف أن الأمن وليس الديمقراطية هو الذي يشكّل الأولوية القصوى بالنسبة إلى فئة كبيرة من المصريين الذين يرون الحملة التي شنها جيشهم على سيناء كحملة أساسية لهزيمة الإرهاب المحلي وتجنب الوقوع في الاتجاه الإقليمي المتجه نحو الفوضى. ونظراً إلى الطبيعة الفتّاكة للتهديدات التي تواجه المصريين، سيتم دائماً تفسير الإدانة الغربية لتكتيكات الجيش في سيناء باعتبارها خطوة معادية. ولهذا السبب، إذا أرادت الولايات المتحدة من مصر أن تحارب الإرهابيين في سيناء مع أخذ حقوق الإنسان بعين الإعتبار بدرجة أكبر، والأهم من ذلك أن تحاربهم بفعالية أكبر، يترتب على واشنطن أن تلعب دورها كشريك، وليس كلاعب يبقى على الهامش.

وكحد أدنى، ستتطلب الشراكة الحقيقية قيام الإدارة الأمريكية باتخاذ الخطوات اللازمة لضمان تقديم المعدات العسكرية ذات الصلة بمكافحة الإرهاب إلى مصر من دون أي تأخير غير مبرر. إن التأجيل المطوّل الذي شهده هذا العام في تسليم 10 طائرات هليكوبتر من طراز أباتشي لم يُسفر فقط عن إحباط القاهرة وعن قيام اضطراب في العلاقة الثنائية، بل عن إضعاف حملة مكافحة الإرهاب في سيناء. وبالتالي، فإن منع تسليم هذا النوع من المعدات الضرورية لا يخدم المصالح المصرية ولا الإسرائيلية ولا الأمريكية في المنطقة. أما بعد تخطي الإطار الزمني المناسب لتقديم أنظمة الأسلحة والذخيرة، فيمكن للولايات المتحدة تزويد الجيش المصري بالمساعدة التقنية، وربما الكشف عن المعلومات الاستخباراتية التي تفيد عمليات الاستهداف، بغية المساعدة على التقليل من الأضرار الجانبية في سيناء.

وربما الأهم من ذلك هو أنه لا بد لواشنطن، بغية مساعدة مصر على فرض الأمن في سيناء، أن تساعد القاهرة على وقف تدفق الأسلحة والأفراد من ليبيا التي أمست دولة فاشلة منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي في عام 2011. ويترتب على واشنطن على وجه التحديد أن توسّع مساعدتها التقنية والمادية الموجهة لحل إشكالية هذه الحدود، بما في ذلك برنامج التدريب الذي تموله الولايات المتحدة حول الحظر البحري.

وفي الوقت نفسه، يجدر بواشنطن أن تكون أكثر حذراً في محاولاتها الحد من العمل الوقائي المصري الناشط في ليبيا. ففي أعقاب الغارة الجوية المشتركة بين الإمارات العربية المتحدة ومصر التي استهدفت إرهابيين عبر الحدود في شهر آب/أغسطس، اشتكت الإدارة الأمريكية من أن "التدخل الخارجي في ليبيا يؤدي إلى تفاقم الانقسامات الحالية ويضعف عملية التحول الديمقراطي في ليبيا". وعلى الرغم من وصف الإدارة هذا، فإن ما يحدث الآن في ليبيا شبيه بالحرب الأهلية أكثر من كونه "تحولاً ديمقراطياً". فبدلاً من محاولة تقييد مصر، ينبغي على واشنطن أن تثني بهدوء على روح المبادرة لدى القاهرة، وهي خطوة قد توفر فرصة لصياغة خطوات مستقبلية شبيهة، بدلاً من أن تشكل هذه الأخيرة عامل دهشة.

وأخيراً، فبالإضافة إلى تزويد مصر بالأدوات اللازمة لتحقيق حل عسكري للوضع الراهن، يجب على واشنطن أن تقيم شراكة مع القاهرة لمساعدتها في وضع خطة اقتصادية لجعل سيناء والصحراء الغربية بيئتين أقل استضافة للإرهابيين. وفي حين أن التنمية الاقتصادية وحدها لن تؤدي إلى هزيمة المقاتلين الاسلاميين، إلا أنها قد تؤدي بمرور الوقت إلى التقليل من بعض العداء تجاه الدولة في نفوس هؤلاء المصريين الغاضبين.

ومن غير الواضح اليوم ما إذا كانت مصر تفوز في حربها ضد الإرهاب. لكن نظراً إلى أهمية العلاقة الاستراتيجية التي تربط مصر والولايات المتحدة منذ مدة طويلة، وحيث أن كلا الدولتين تقاتلان جهاديي تنظيم «الدولة الإسلامية»، فقد حان الوقت لتضع واشنطن ثقلها في حل القضية. لقد أثبت النظام المصري الحالي التزاما فريداً من نوعه في محاربة الإرهابيين ولا بد لواشنطن من أن تساعد القاهرة في شن تلك الحرب بفعالية أكبر، وبإنسانية أكبر.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy