عهد بوش يطارد أوباما

مقال رأي

عاد جورج بوش إلى بيته في تكساس منذ ما يقرب من ست سنوات، لكن الأمة ما زالت تتفاقم بخصوص إرث الأمن القومي المثير للجدل الذي تركه خلفه.

تقرير مجلس الشيوخ المتنازع عليه بشدة، عن تكتيكات الاستجواب الوحشية التي اتبعتها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، يفتح جروحاً سياسية كانت قد التأمت بالكاد بعد أن فُتحت لأول مرة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. وجد التقرير أن تكتيكات وكالة المخابرات المركزية كانت أكثر وحشية مما كان معروفاً من قبل، واتهم الوكالة بإبقاء البيت الأبيض في ظل بوش والكونجرس في الظلام عنها.

الأسئلة التي طرحتها وثيقة لجنة الاستخبارات - حول كيفية شن حرب بلا هوادة على الإرهاب في ظل القيود الدستورية والأخلاقية – مازالت شديدة الأهمية.

والنقاش لا يقترب من الوصول إلى حل.

جاء الرئيس باراك أوباما إلى السلطة متعهداً أن يطوي الصفحة على سياسات الإرهاب في عهد بوش، التي قال إنها تجاهلت القيم الأميركية الأساسية. ولكن بمرور ثلاث أرباع المدة لفترتيه الرئاسيتين، فإنه ما زال يتصارع مع الظل الطويل الذي تلقيه الحرب على الإرهاب والأساليب التي اختارها بوش لمواجهته. وفي بعض الحالات، فإن أوباما يواجه الانتقادات أيضاً حول نهجه في مواجهة الإرهاب، بما في ذلك قراره بتوسيع برنامج الطائرات بدون طيار الذي ورثه عن بوش بشكل كبير.

رد الفعل القادم من الكونجرس، الذي يعاني من استقطاب عميق، على تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الذي طال تأجيله، ناهيك عن رد الفعل الشرس من وكالة الاستخبارات المركزية، يُظهر أنه سيكون صعباً بناء أي إجماع وطني حول النهج السليم لمواجهة تهديد مثل الإرهاب.

"واحدة من نقاط القوة التي تجعل أمريكا استثنائية هو استعدادنا لمواجهة ماضينا علناً، ومواجهة عيوبنا، وأن نتغيّر ونصبح أفضل"، يقول أوباما في  واحد من تصريحاته. "بدلا من أن يكون سبباً آخر للتصارع على الجدالات القديمة، آمل أن تقرير اليوم يُمكن أن يساعدنا على ترك هذه التقنيات إلى حيث تنتمي - الماضي".

حظر أوباما "تقنيات الاستجواب المعززة" مثل الغمر بالماء والحرمان من النوم - والتي كانت موضوع التقرير الذي صدر يوم الثلاثاء - بعد وقت قصير من توليه منصبه في عام 2009.

"الجدالات القديمة"

ولكن حل هذه "الجدالات القديمة" أثبت كونه أكثر صعوبة من ذلك. فقد نقلت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، سجناء إلى حكومات أجنبية لا تزال تستخدم الأساليب القاسية. ويواجه أوباما تساؤلات حول سلوكه هو في الحملة ضد الإرهاب، لا سيما التوسع في برنامج الطائرات بدون طيار. هذا البرنامج، الذي يستخدم طائرات بدون طيار مزودة بصواريخ لمتابعة الإرهابيين المشتبه بهم في البلدان الأجنبية خارج سلطة أي إجراءات قضائية، قد أثار تساؤلات أخلاقية تنافس تلك المطروحة حول برنامج التعذيب.

قدّم السناتور جون ماكين، يوم الثلاثاء، الدعوة الأكثر عاطفية ضد تكتيكات وكالة الاستخبارات المركزية، التي يعتبرها الكثيرون تعذيباً.  كانت تصريحاته بارزة بشكل خاص لأن أوباما هزم ماكين، في عام 2008، في انتخابات كانت بمثابة رفض لقيادة بوش الأمنية.

"ماذا كانت تلك السياسات؟ ماذا كان الغرض منها؟ هل تمكنوا من تحقيقها؟" سأل ماكين، الذي عانى من التعذيب نفسه كأسير خلال حرب فيتنام. "وهل جعلتنا أكثر أمناً؟ أقل أمناً؟ أم أنها لم تحقق أي فرق؟ ماذا حققت لنا؟ وماذا كلفتنا؟". وأضاف: "إن الشعب الأمريكي في حاجة إلى إجابات على هذه الأسئلة".

ولكن كما أظهر صدور التقرير يوم الثلاثاء من قبل الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات، فإن هذه الأسئلة لا تزال خلافية إلى حد بعيد.

"إنه محض روث سياسي"، قال السيناتور الجموهري عن ولاية يوتاه، اللبق في عادته، أورين هاتش.

واتهم ماركو روبيو، السناتور الجمهوري عن ولاية فلوريدا، اللجنة، التي ترأسها الديمقراطية ديان فينشتاين، بمحاولة إحراج حكومة بوش بنشرها هذا التقرير.

وقال السناتور الجمهوري ليندسي جراهام -  من ساوث كارولينا - إنه كان يعتقد دائماً أن تكتيكات وكالة المخابرات المركزية كانت نتائجها عكسية، لكنه قال إن إدارة أوباما، التي سعت لمحاكمة المشتبه بهم بالإرهاب في محاكم مدنية، قد تمادوا في التبرؤ من أساليب عهد بوش.

وقال غراهام في أحد التصريحات: "السياسات التي استخدمتها إدارة أوباما تُعامل الإرهابيين كمجرمين عاديين، وليس كمقاتلين أعداء. أنا مقتنع أن تجريم الحرب يُفقد أمتنا معلومات استخباراتية يمكنها أن تساعد في حماية أمتنا".

الاعتراف بارتكاب جرائم

يقول بعض النقاد لاستراتيجية حكومة بوش في مكافحة الارهاب إن الجدالات لن تحل دون بعض من الإقرار العلني أن هنالك جرائم ارتكبت.

حققت وزارة العدل مرتين في قضية "أساليب الاستجواب المعززة" وقررت عدم توجيه اتهامات ضد عناصر وكالة المخابرات المركزية، الذين كانوا تحت ضغط شديد لتجنب هجمات إضافية بعد 11 سبتمبر.

وقد اتخذ أوباما أيضاً قراراً سياسياً بأنه على الرغم من اعتقاده أن "أساليب التحقيق المعززة" كانت خطراً على القيم الأمريكية الأساسية، فإنه لن يسعى لإثارة نعرات الماضي من خلال دعم الملاحقة القضائية لضباط وكالة المخابرات المركزية المتهمين بارتكاب جرائم.

ولكن باهر عزمي، المدير القانوني لمركز الحقوق الدستورية، الذي يمثل قانونياً بعض المحتجزين في خليج غوانتانامو، قال إن وكالة الاستخبارات المركزية تستخدم الادعاءات الكاذبة للتغطية على "جرائم وحشية".

وقال عزمي في أحد التصريحات: "نجدد مطالبتنا بمساءلة أولئك الأفراد المسؤولين عن برنامج التعذيب في وكالة الاستخبارات المركزية".

أنتوني روميرو، المدير التنفيذي لاتحاد الحريات المدنية الأمريكي، دعا لأن يتولى مدع خاص وضع "مخططي ومنفذي برنامج التعذيب" أمام المساءلة.

"يجب أن تكون هذه بداية العملية وليست نهايتها. المفترض أن تُحرّك صدمة التقرير الرئيس أوباما والكونجرس، ليضمنوا أن التعذيب والوحشية لن يستخدما مرة أخرى".

لكن السناتور المستقل أنجوس كينج، أحد أعضاء لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، أخبر سي. إن. إن. أن الملاحقات القضائية "ليست هي القضية".

"أنا لست مهتماً بالملاحقات القضائية بقدر ما أنا مهتم بأن - دعونا لا نسمح بأن يحدث ذلك مرة أخرى".

أكد بعض كبار المسؤوليين سراً أن أوباما يرى وضع الحرب على الإرهاب على أرضية أكثر ثباتاً كأحد المهام الرئيسية لفترة رئاسته.

"يجيب أن نحدد طبيعة وحجم هذا الصراع وإلا فإنه هو الذي سيحددنا"، هكذا قال أوباما في خطبة مهمة في جامعة الدفاع الوطني العام الماضي.

أسئلة أوبا التي لم تجاوب

لكن يبدو أنه لابد من أن الرئيس سيسلّم أسئلة كثيرة بلا إجابة حول كيفية محاربة الإرهاب لخليفته، مثلما سلمهم بوش له.

لم يفِ أوباما حتى الآن بوعده بإغلاق معتقل غوانتانامو، بسبب مقاومة الجمهوريين وﻷسباب لوجستية مثل ما يجب فعله مع سجناء من نوع خالد شيخ محمد، المعترف بتخطيط هجمات 11 سبتمبر.

بدفع من الاكتشافات التي فضحها محلل الاستخبارات الهارب إدوارد سنودن، وضع أوباما أيضاً قيوداً جديدة على برامج التصنت على الهواتف واصطياد المعلومات الخاصة بوكالة الأمن القومي، لكنه امتنع عن إنهائها.

بعد سحب المجندين من العراق وإنهاء العمليات القتالية في أفغانستان، سيقضي الرئيس العامين الأخيرين من حكمه في صراع مع جبهة جديدة في الحرب على الإرهاب - "داعش" في سوريا والعراق.

لم تصدُر أي كلمة، منذ يوم الثلاثاء، من الرجل الذي هو في قلب النقاش: بوش.

لكن الرئيس السابق أخبر كاندي كرولي من "سي. إن. إن." الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة كانت "محظوظة بوجود رجال ونساء يعملون بكدّ في وكالة الاستخبارات المركزية لخدمتنا".

أخبر نائب الرئيس السابق ديك تشيني - المهندس وراء الكثير من سياسات بوش في الحرب على الإرهاب - صحيفة "نيويورك تايمز" أن الإدعاءات بأن وكالة الاستخبارات المركزية كانت تخالف القانون هي "محض هراء".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب