في خضم البحث عن إستراتيجية

مقال رأي

في نهاية القرن الثامن، بني هارون الرشيد الخليفة العباسي قصرًا في مدينة الرقة، علي نهر الفرات، حيث توجد الآن سوريا. تمددت إمبراطوريته من ما قد أصبحت تونس الآن إلي باكستان. لقد كان عصر الاكتشافات الإسلامية في العلوم، الموسيقي، والفن؛ وألهم وزراء قصر الرشيد قصصًا في "ألف ليلة وليلة."

في يونيو، أعلنت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الرقة مقرًا للخليفة الجديد، أبو بكر البغدادي، وهو داعية متعصب كان فيما مضي سجينًا أمريكيًا في العراق، وهو مختبئ الآن. فقدت المدينة رونقها. أصبحت الإعدامات العلنية "مشهدًا شائعًا" في أيام الجمعة في ميدان النعيم أو في دوار الساعة، وفقًا لتقرير لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الشهر الماضي. يصنع مقاتلوا داعش جبلًا من الموتي علي الصلبان، "كتحذير للسكان المحليين."

ظهرت داعش منذ عقد مضي كتابع عراقي صغير للقاعدة، وتخصصوا في التفجيرات الإنتحارية وتحريض الأقلية المسلمة السنية ضد الأغلبية الشيعية بالعراق. تكونت الشبكة مجددًا بعد عام 2011 وسط العنف المتزايد وانحرافات الحرب الأهلية السورية. هذا العام، غزت داعش مدن، وحقول نفط، ومساحات من الأراضي في كل من سوريا والعراق. تستمد الحركة قوتها من المجتمعات العربية السنية التي تعارض بشدة الحكومة ذات القيادة الشيعية في بغداد والنظام الذي يهيمن عليه العلويين في دمشق، ويقوده بشار الأسد.

وصف وزير الدفاع تشاك هاجل داعش بأنهم "معقدون وممولون جيدًا مثل أي تنظيم شهدناه .. لكنهم أبعد من أي شئ شهدناه من قبل." فالتنظيم به ظباط جيش سابقين يستطيعون أن يقودوا مروحيات، وأن يكشفوا المدفعية، ويناوروا في المعركة. إن داعش منظمة هجينة علي نحو متزايد، علي غرار حزب الله – جزء منها شبكة إرهابية، وجزء جيش عصابات، وجزء أشبه بالدولة.

قرر الرئيس أوباما أن الولايات المتحدة يجب أن تهاجم داعش الآن، وإن فعلت ذلك فقط من الجو. الرئيس قضي إجازته في مارثاز فينجارد، ولعب الجولف في العلن بينما كانت حملته الجوية الأولي في العراق تشق طريقها. لم يكن صريحًا تمامًا حول عن كيفية اعتقاده - بعد التعهد بإنهاء حرب أمريكا المكلفة في العراق- أن الرجوع للقتال هناك كان ضروريًا. لكن في مقابلات ومحافل أخري عرض أوباما ذريعة الحرب، في ثلاثة أجزاء.

نفذت داعش مذابح بحق أقليات دينية، منها مسيحية ويزيدية، والضربات الجوية الأمريكية تستطيع أن تمنع المزيد من القتل الوحشي، كما صرح الرئيس. وضرورة أخري هي الدفاع عن حكومة كوردستان الإقليمية، وهي حليف أمريكي شبه مستقل ومتمتع بالنفط في شمال العراق، والتي كانت تترنح تحت ضغط داعش منذ أسابيع قليلة لكنها تعافت منذ ذلك الوقت، بمعونة القوة الجوية الأمريكية. السبب الثالث، والأكثر عقلانية، الذي أعطاه الرئيس هو الدفاع عن النفس: أن يتم عرقلة داعش قبل أن تحاول أن تهاجم الأمريكيين في المنطقة أو داخل الولايات المتحدة.

قطعت داعش رأس صحفي أمريكي، جيمس فولي، وهددت بإعدام آخر. ولكن بعض المختصصين في الإرهاب يشيرون إلي أن داعش مستنزفة في الحروب الطائفية في سوريا والعراق، ولم يظهروا النية لتنفيذ هجمات في الغرب، أو أي قدرة علي تنفيذها. ومع ذلك، فقد جذبت داعش لصفها خمسمائة متطوع بريطاني، وهناك تسجيلات عديدة لحاملي جوازات سفر أوروبية أخري، وحتي بعض الأمريكان؛ في النهاية قد يتجهون ناحية لندن، برلين، أو نيويورك. الأسبوع الماضي، أعلنت السلطات البريطانية أن تهديد الهجوم الإرهابي علي أرضها أصبح "خطيرًا" نظرًا للعدد المتزايد من الجهاديين البريطانيين بين صفوف المليشيات في العراق وسوريا الآن.

السؤال عن استئناف الرئيس أوباما للحرب في العراق ليس إذا كانت يمكن أن يتم تبريرها لكن إلي أين ستؤدي. الضربات الجوية ضد جيش عصابات موفور الموارد سوف تفعل القليل إذا لم يصحبها عمل علي الأرض. سوف يكون خطأ كارثي للولايات المتحدة أن تتحمل هذا الدور.  لكن ما هي القوة المحترفة الأخري التي سوف تزيح الخليفة الذي نصّب نفسه وتحكم الشعب بعدها؟ تفترض السياسة الأمريكية أن سياسيو العراق المتنازعون سوف يجمعون جيش ذو قيادة شيعية لمحاربة داعش في معقل السنة في البلاد. ومن خلال الأحداث الأخيرة، يبدو هذا التقدير غير واقعي.

أما في سوريا، فالخيارات أسوء. قال أوباما بشكل متكرر أنه لا يعتقد بأن ثوار سوريا المعتدلين لديهم القدرة علي الإطاحة بالأسد أو هزيمة الجهاديين. رغم ذلك، فإن البدائل سوف تؤدي لتزايد العنف ليحصد أرواح عشرات الآلاف أو قد يتطلب ضمنيًا تحالفًا مع الأسد الدموي، والذي كان متورطًا في جرائم حرب.

لجأ أوباما ومستشاريه في أوقات إلي منطق تبرئة أنفسهم: لا نستطيع أن نجبر الشعوب في البلدان الأخري علي أن يتحدوا حول أجندتنا، وبالتالي، إذا لم يفعلوا، فإن أي كارثة تحدث ستكون مسؤوليتهم. وكتراجع عن الغطرسة الأمريكية، فإن هذا النوع من الواقعية له جاذبيته. لكن من ناحية مساهمته في استقرار الشرق الأوسط، فقد فشل فشلًا ذريعًا.

ليس واضحًا ما إذا كانت داعش سوف تمثل تهديدًا. فالغزاة المتطرفين سريعو التحرك أحيانًا ما يكون لديهم مشكلة في السيطرة علي أرضهم. وعدت داعش بأن تحكم بفاعلية مثلما تهدد، لكن قدرتها تتجلي في الابتزاز والتطهير العرقي، وليس في النظافة وإيجاد فرص العمل. وهي معرضة لحدوث تمرد داخلي.

إن الصعود الخاطف للتنظيم هو مؤشر ينم عن عدم الاستقرار الداخلي العميق؛ ومن أسباب ذلك السياسة الدولية الفاشلة في العراق وسوريا. إذا كانت الولايات المتحدة عائدة للحرب في المنطقة، فإننا نتمنى أن تكون هناك رؤية مدروسة أكثر من اللهو ضد الجهاديين.

استعادة حقوق الإنسان في المنطقة تتطلب أولًا بحثًا متجددًا عن مسار مقبول - ومتسامح قدر الإمكان – نحو الإستقرار. داعش تنتفع قبل الجميع علي حساب معاناة سوريا، ويبدو هذا الأمر بلا نهاية. الحرب في سنتها الرابعة، مع تقريبًا مائتي ألف قتيل وتسعة ملايين نازح، في داخل سوريا وخارجها. الخليفة الموجود الآن في الرقة هو نوع من الخيال المظلم الذي يمكن أن يقفز إلي الحياة عندما يشعر الناس أنهم يفتقدون مصادر آخري مقبولة للأمن والعدالة.

لسوء الحظ صرح الرئيس الأسبوع الماضي بخصوص سوريا: "ليس لدينا إستراتيجية بعد." لديه بالفعل إئتلاف من الحلفاء في المنطقة ينون أن يتحدوا طموح داعش، ومنهم الأردن، وتركيا، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة. هذه الدول تدعم السنيين المحرومين من حقوقهم في العراق وسوريا، وبعض من دعمهم بالطبع يصل إلي الجهاديين، ومن ضمنهم داعش. لكنهم يتشاركون المصلحة في تقليل العنف في سوريا وفي الترويج للحكم الذاتي الإقليمي والمحلي السني فهذا يشكل تهديدًا أقل واستمرارية اكثر مما قد أنشأته داعش. في النهاية، سيحتاج السنة نوع الإستقلال الذي يتمتع به الأكراد حاليًا.

أن قيادة إئتلاف من هذا النوع أمر صعب، وعمل غير مؤكد. كان جورج اتش. دبليو. بوش - الرئيس الذي يبدو أن أوباما معجب بشدة بسياسته الخارجية - قد فعلها بنجاح في الفترة السابقة لحرب الخليج عام 1991، عن طريق المشاركة الشخصية المكثفة. أوباما مازال لديه أكثر من سنتين في البيت الأبيض. وحتي يهزم داعش، وأيضًا ليقلل مصدر قوتها، سيتطلب من الرئيس أن يخاطر بمصداقيته مقابل تنفيذ ما هو أكثر من ضربات جوية فقط.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب