كبح التحريض الفلسطيني والإسرائيلي أمرٌ ممكن وواجب، وخاصة الآن

مقال رأي

تضمنت مشاريع قوانين الإنفاق الشاملة التي أقرها للتو مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين نصاً غامضاً وذا أهمية محتملة كبيرة حول موضوع التحريض على الساحة الإسرائيلية الفلسطينية: وهو عبارة عن إعادة تأكيد ضرورة عمل السلطة الفلسطينية على وضع حد لتحريضها الرسمي ضد إسرائيل كشرط لاستمرارها الحصول على التمويل الأمريكي. غير أنّه ينبغي تنفيذ هذا القرار، لا التهرب منه كما هي الحالة السائدة حتى الآن.

وليس من الضروري أن يتم قطع التمويل تماماً، إذ قد يعرّض للخطر حياة الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء إذا عانى التنسيق الأمني نتيجة لذلك. غير أنّه يجدر فرض عقوبة ملموسة ذات مغزى على التحريض الرسمي الذي قد يقوم به أي من الطرفين. وبالإضافة إلى ذلك، في الوقت الذي تستعد فيه السلطة الفلسطينية لعرض قضية الاعتراف بفلسطين على مجلس الأمن الدولي هذا الأسبوع، ينبغي على الولايات المتحدة إثارة مسألة التحريض في هذا النقاش والعمل على إدراج صيغة واضحة وملزمة ضد التحريض في أي قرار قد يصدر عن مجلس الأمن الدولي في النهاية. وتشكل هذه الإجراءات جزءاً من الأدوات الأمريكية القليلة المتوفرة لإظهار العزم الحقيقي على مكافحة هذه الآفة وردع تكرارها الذي يحصل بوتيرة عالية جداً.

قوانين ضد خطابات الكراهية والتحريض

يناقض تجاهل التحريض الالتزامات الرسمية السابقة من قبل كلا الحكومتين الفلسطينية والإسرائيلية، فضلاً عن السياسة الأمريكية السليمة وحتى القانون الأمريكي. فعلى سبيل المثال، ألزمت اتفاقية أوسلو الأولى كلا الطرفين بوقف "الدعاية العدائية" ضد بعضهما البعض. وعلى الرغم من أن حتى أكثر خطابات الكراهية بغضاً - باستثناء تلك التي تحرض على العنف بشكل مباشر - تخضع للحماية بموجب "التعديل الأول" للدستور في القانون الأمريكي، إلاّ أنّ السياسة الأمريكية القائمة وكذلك السوابق تؤيد اتخاذ تدابير ضد خطابات الكراهية الرسمية. فعلى سبيل المثال، هناك اقتراحاً أمريكياً رسمياً قُدّم إلى "مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان" في عام 2010، حثّ جميع الحكومات على "التحدث علناً ضد عدم التسامح، بما في ذلك الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً" - وعلى إدانة المسؤولين الحكوميين الذين يمارسون ذلك. وتماشياً مع هذه السياسة، أدلى وزير الخارجية الأمريكية جون كيري بالكلمات التالية في أعقاب قتل خمسة اسرائيليين في كنيس يهودي على يد فلسطينيين في الشهر الماضي: "على القيادة الفلسطينية أن تدين هذا العمل وتبدأ باتخاذ خطوات جادة لكبح أي نوع من التحريض صادر عن كلامها [أو] كلام الآخرين."

بالإضافة إلى ذلك، ثمة سوابق كبيرة في القانون الدولي لمقاضاة أكثر أشكال التحريض شناعة ألا وهو: التحريض على الإبادة الجماعية. فمنذ محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية ومروراً بمحاكم يوغوسلافيا ورواندا، وغيرها من المحاكم الأكثر حداثة، لطالما حوكم كبار المسؤولين الحكوميين وتمت إدانتهم وسجنهم لفترات طويلة، بل إعدامهم بسبب هذه الجريمة، حتى وإن لم يرتكبوا قط أي أعمال عنف بصورة مباشرة أو يأمروا بتنفيذها. وفي إحدى الحوادث التي تم تداولها على نطاق واسع على شبكة الإنترنت الأسبوع الماضي، حثّ شيخ فلسطيني في المسجد الأقصى في القدس الحاضرين علناً على "إذبح جميع اليهود بلا رحمة، كل واحدٍ منهم". إن هذا النوع من خطابات الكراهية يستحق العقاب والإدانة بشكل رسمي ودولي. ويبدو هذا الموضوع أكثر صلةً الآن مع حصول السلطة الفلسطينية على مكانة قانونية محسّنة في المحكمة الجنائية الدولية.

التحريض الأخير للسلطة الفلسطينية

للأسف، لا يزال الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحكومته يبعثان برسائل مختلطة في هذا الإطار. فقد أدان عباس مقتل الاسرائيليين الخمس في كنيس القدس، إلاّ أنّه قبل بضعة أيام فقط كان قد مدح شخصياً الإرهابي الذي أطلق النار على حاخام آخر في القدس وكاد أن يقتله. وتستمر في هذا الوقت برامج البثّ والصحف وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية وحركة «فتح» الحاكمة بتمجيد هؤلاء الإرهابيين وبنشر تهم خطيرة وخاطئة، شبيهة بتهم فرية الدم، بشأن تهديدات إسرائيلية على المسجد الأقصى، التي لا وجود لها على أرض الواقع. كما لا تزال السلطة الفلسطينية تدفع إعانات كبيرة للإرهابيين المدانين بتهمة القتل، ولعائلاتهم أيضاً. كما أنّ حكومة «حماس» في غزة هي أسوأ من ذلك كما هو متوقع، فهي تصور بكل فخر سواطير اللحوم المقطرة بالدماء على أنّها الطريق إلى "تحرير الأقصى". ومع ذلك، هذه هي الحكومة التي ما زال عباس يصر مبدئياً على أنّه يريد الاتحاد دعماً لها، حتى في الوقت الحالي.

الحجج المضادة التي يتم النظر فيها

يدّعي البعض ممن يقللون من أهمية التحريض، مثل الأستاذ في جامعة ماريلاند شبلي التلحمي (في مقال رأي نُشر في صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في 5 كانون الأول/ديسمبر) أنّ ذلك هو "التفسير الخاطئ" للعنف، لأنّ كل ما يفعله هو أنّه يعكس "مشكلةً أعمق". لكنّ التلحمي يقرّ في الوقت نفسه تقريباً بأنّه "يمكن للتحريض أن يزيد من الأمور سوءاً". وبالفعل، لِمَ لا نعالج أيضاً مشكلة التحريض مباشرةً؟ وبالمثل، يقول التلحمي إنّ التحريض "نادراً ما يكون السبب الرئيسي للعنف". ولكن، حتى وإن كان ذلك صحيحاً، ألا يجب علينا أن نعمل على التخفيف من حدة هذا السبب الثانوي للعنف؟ إن ذلك يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان التلحمي سيدافع بالشكل نفسه عن التغاضي، على سبيل المثال، عن الدعاية الشرسة التي ينشرها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») على مقاطع الفيديو.

ويجادل التلحمي وكل من يشاطرونه الرأي أيضاً أنّ لكلمات القادة تأثيراً محدوداً في مواقف الشعب وأفعاله، ولا سيما في هذا العصر من شبكات التواصل الاجتماعي. وهنا أيضاً، حتى وإن كان ذلك صحيحاً، فإنّ تأثير القادة بشكل إيجابي ولو كان محدوداً، سيكون أفضل من لا شيء. ولكن كحد أدنى، حتى وإن لم يكونوا قادرين على إجبار أنفسهم رغماً عنهم على بعث رسائل إيجابية تدعوا إلى المصالحة والوفاق، أو منع الآخرين من التفوه بكلمات محرضة، عليهم على الأقل الامتناع عن التفوه بأنفسهم بخطابات الكراهية وكلمات التحريض. وعلاوة على ذلك، وفي حالة السلطة الفلسطينية بشكل خاص، يتمتع القادة بالقدرة القانونية والعملية، وليس بالواجب الأخلاقي فحسب، على وقف التحريض الذي يصدر بشكل منتظم من قبل كبار زملائهم وفي وسائل الإعلام التي تخضع لسيطرة حكومتهم.

ويشير غيرهم من المراقبين على نحو صحيح أنّه في السياق الاسرائيلي الفلسطيني، يميل كلاً من العنف والتحريض إلى الارتفاع مع انخفاض الأمل في التوصل إلى سلام. ومع ذلك، تعمل هذه العلاقة السببية في كلا الاتجاهين، مقيمةً بذلك حلقة مفرغة: فالتحريض يزيد من فقدان الأمل بالتوصل إلى السلام، مما يؤدي بدوره إلى قيام المزيد من التحريض، وهكذا دواليك. وتكشف الأبحاث التي جرت على مدى السنوات القليلة الماضية، بما فيها استطلاعات الرأي والمقابلات الموسعة في كلا الجانبين أنّ الخطابات الملهبة للمشاعر تؤدي دوراً مباشراً في إقناع كل من الطرفين - على المستويين الرسمي والشعبي - بأن الطرف الآخر ليس شريكاً يمكن الاعتماد عليه للتوصل إلى سلام حقيقي. وقد جاءت الأدلة في دراسة نشرت قبل عام بعنوان، "فيما وراء الكلمات: الأسباب والتبعات والعلاجات لخطاب الكراهية الذي تتبناه السلطة الفلسطينية". إن كبح جماح مثل هذا الخطاب الرسمي يساعد في عكس هذا الاتجاه المؤسف، الأمر الذي يجعل معالجة القضايا الأساسية ممكناً أكثر - إلى حد ما على الأقل.

التحريض الإسرائيلي يستحق اللوم أيضاً

ينطبق هذا التقييم على الإسرائيليين أيضاً. ففي حين أنّ التحريض من قبل المسؤولين الإسرائيليين يشكل حالة استثنائية وعادة ما تنكره الحكومة الاسرائيلية، إلاّ أنّ خطابات الكراهية وجرائم الكراهية من قبل المستوطنين المتطرفين وغيرهم شائعة جداً. وتبيّن استطلاعات الرأي الفلسطينية أنّ اتخاذ الحكومة الإسرائيلية إجراءات أكثر جدية حيال ذلك قد يساعد على إقناع الجمهور الفلسطيني (وربما السلطة الفلسطينية أيضاً) على دعم العودة إلى محادثات السلام، بدلاً من السعي إلى ممارسة  ضغوط خارجية ضد إسرائيل. إلا أنّه لا يمكن عذر تجاوزات أي من الطرفين أو التستر عنها بمجرد القول إنّ "الطرف الآخر يفعل الأمر نفسه أيضاً". فهذه الحجة تليق بأطفال الروضة أكثر من تحاليل السياسات الجدية وتوصياتها.

ولذلك ينبغي أيضاً إدانة أيّ تحريض إسرائيلي رسمي ومعاقبته. وخلال الحملة الانتخابية الجارية حالياً، فإن مثل هذه الإدانة الآتية من الخارج قد تُعتبر تدخلاً في العمليات الديمقراطية الداخلية في إسرائيل. غير أنّ هذا الخطر يستحق المجازفة من أجل التوصل إلى موقف أكثر توازناً وفعالية، ضد ظاهرة خطابات الكراهية الخطيرة التي نشهدها في أوساط القادة السياسيين - حتى في هذا الوقت الحساس، أو ربما خصوصاً خلال هذا الوقت.

النجاحات السابقة خير مثال

لحسن الحظ، إنّ الحد من التحريض ليس قضيةً لا أمل منها، حتى مع استمرار الصراع. ففي عام 2005 - لذكر أحد الأمثلة لا أكثر - ساهمت الضغوط الأمريكية والأوروبية وحتى تلك النابعة عن الأمم المتحدة ومحفزات التمويل إلى حد كبير في إحداث إصلاح هام في الكتب المدرسية الفلسطينية. وكانت النتيجة التي وثقتها دراسة رئيسية أجرتها مؤخراً جامعة "ييل" وترأسها خبراء من كلا الجانبين، أنّه تم إزالة أسوأ أشكال التشويه المعادي للسامية من هذه الكتب المدرسية - حتى وإن كان لا يزال محتواها سلبياً بنسبة 85 بالمائة فيما يتعلق بإسرائيل أو الإسرائيليين أو اليهود. وفي المقابل، وجدت الدراسة نفسها أنّ محتوى الكتب المدرسية في المدارس العادية العلمانية أو الوطنية المتدينة ينقسم بالتساوي بين رسائل إيجابية أو محايدة من جهة، ورسائل سلبية من جهة أخرى حول الفلسطينيين أو العرب أو المسلمين - على الرغم من أن أنّ الكتب المدرسية اليهودية المتشددة التي يستخدمها حوالى خُمس طلاب المدارس الإسرائيلية تتسم بمستوى أكبر بكثير من السلبية تجاه "الآخر".

التداعيات السياسية

حتى وإن كان من غير الممكن إنهاء التحريض بصورة تامة، وحتى في غياب التوافق حول مواضيع أخرى، هناك مجالاً واسعاً وسبباً كافياً للاستمرار في وضع حدّ للخطابات المدمرة والملهبة للمشاعر - وخاصة تلك النابعة من مصادر رسمية. إنّها لمهمة صعبة، لكنّ تجنبها قد يؤدي إلى زيادة الأمور سوءاً. وهنا تقدم حملة الانتخابات الإسرائيلية الحالية فرصةً حاسمة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين لخفض حدة الخطابات، وبالتالي إقناع بعضهم البعض بأن السلام ما زال ممكناً.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy