كيف ارتبك بوتين؟

مقال رأي

كان من المفترض لأسلحة الغرب المالية ضد روسيا أن تضرب أساس سلطة الرئيس فلاديمير بوتين - الرجال والشركات المقربين منه - بدقة جراحية. بدلاً من ذلك، فقد ساعدت العقوبات الغربية، وهبوط أسعار النفط، ومحاولات موسكو الخرقاء لوقف الضرر في دفع الاقتصاد الروسي أكثر نحو الانهيار.

مع ارتفاع الرهان، تضاعف الولايات المتحدة مجهوداتها في إيذاء موسكو. على الرغم من شكوك الحكومة السابقة، قال المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش إرنست، يوم الثلاثاء، إن الرئيس باراك أوباما سيوقّع على مشروع قانون أقرّه الكونجرس يوم السبت، يجيز فرض عقوبات إضافية على شركات الطاقة والدفاع الروسية. وفي الوقت نفسه، أكد وزير الخارجية جون كيري دعواته لروسيا لتغيير الاتجاه بخصوص احتلالها لأجزاء من أوكرانيا.

تزايد العذاب البطيء للاقتصاد الروسي بقوة هذا الأسبوع، مع انهيار عملة ناتج عن جهود موسكو الخرقاء في السيطرة على الضرر. انخفض الروبل، الذي كان ينهار باستمرار طوال العام، 10 في المئة يوم الاثنين، دافعاً الروس وأي شخص عالق مع روبل للاستدانة بالدولار.

صبيحة يوم الثلاثاء، رفع البنك المركزي الروسي أسعار الفائدة من 10.5 في المئة إلى 17 في المئة في محاولة عقيمة لجعل الروبل أكثر جاذبية. لم ينجح ذلك. غرق الروبل يوم الثلاثاء 10 في المئة أخرى. وعلى الرغم من إنفاق 80 مليار دولار لدعم العملة، شهد البنك المركزي سقوط الروبل بنسبة 50 في المئة مقابل الدولار هذا العام، مما يجعله العملة الرئيسية الأسوأ أداء في العالم. الروبل غير مستقر لدرجة أن الشركات حتى الكبيرة، مثل أبل، اضطرت إلى تعليق المبيعات عبر الإنترنت في روسيا بسبب صعوبة نشر الأسعار الحالية.

قال تيم آش، رئيس قسم أبحاث الأسواق الناشئة في بنك ستاندرد، "انهيار العملة الأكثر صعوبة في تصديقه فيما رأيت في 17 عاماً في السوق، و26 سنوات في تغطية روسيا".

 

لا شك أن العقوبات الغربية وحدها لا تهدم الاقتصاد الروسي. عدد ضخم من الظروف الموجودة من قبل، من الفساد والمحسوبية إلى الاعتماد المفرط على قطاعي النفط والغاز، وانهيار بنسبة 50 في المئة في أسعار النفط الخام منذ الصيف، كلها قد ذبحت اقتصاد يعتمد على مبيعات الذهب الأسود للحصول على عائدات.

ولكن مثل الخليط الكيميائي المضغوط الذي تستخدمه شركات النفط الامريكية لتكسير الصخر الزيتي، والتي غذت الطفرة النفطية التي شلت أرباح روسيا، فتحت العقوبات الغربية بعنوة خطوط الصدع الموجود في الشركات الروسية، مما أدى إلى سلسلة من الآثار السيئة مع عواقب كارثية محتملة.

على وجه الخصوص، عقوبات تستهدف شركة النفط العملاقة المملوكة للدولة "روسنفت"، واحدة من أكبر شركات النفط في العالم، وأيضاً واحدة من الأكثر مديونية، هي في قلب الأزمة الحالية. رئيس "روسنفت" إيجور سيتشين، هو حليف قديم لبوتين. هو وشركته معاقبين، وروسنفت محرومة من دخول أسواق رأس المال العالمية.

في مواجهة الديون الضخمة التي يجب أن تدفع لاحقاً هذا الشهر بالدولار، مارست روسنفت التسول للحصول على خطة إنقاذ من صندوق دعم الأزمات الروسي المحتوي على 88 مليار دولار. بدلاً من ذلك، رتب البنك المركزي صفقة خلفية مقربة تسمح للشركة باقتراض المال من البنوك المحلية بمعدل أفضل من اقتراض الحكومة نفسها. ويبدو أن الخطوة قد أفزعت المستثمرين، الذين يشعرون الآن بالقلق من أن محسوبية بوتين قد تمتد إلى طباعة المال خصيصاً لدعم الشركات المملوكة للدولة التي يديرها أصدقائه الأثرياء.

تداعيات مثيرة للقلق سواء الآن أو لاحقاً. الحكومة قد تكون عالقة بمليارات الدولارات من ديون الشركات المقرر دفعها العام المقبل. وإذا استخدم المديرون التنفيذيون أموال خطة الإنقاذ لشراء الدولارات، فإن هذا سيزيد من خفض قيمة الروبل. "روسنفت"، التي تملك مهلة حتى 21 ديسمبر لسداد 7 مليارات دولار من القروض، وتصر أنها لن تستخدم حظها المحتمل لشراء الدولارات، ولكن القليلين اقتنعوا بذلك. في المجمل، تصرفات روسيا تمثل جرحاً ذاتياً.

قال آش: "سوف يضفي هذا إلى ضرر كبير لروسيا على المدى القصير. هناك الآن فجوة كبيرة في مصداقية واضعي السياسات الروسية في عيون السوق". وتوقع أن شركات التقييم ستقوم قريباً بتقليل قيمة السندات الروسية لوضع "خردة".

 

وضعت المآسي الاقتصادية الخاصة بروسيا الجولة القادمة من العقوبات المحتملة التي تقودها الولايات المتحدة في ضوء مختلف. قالت إليزابيث روزنبرج، وهي مسؤولة خزانة سابقة تعمل الآن في "مركز الأمن الأميركي الجديد"، إنه عبر التوقيع على مشروع قانون العقوبات الموجود على مكتبه، يستطيع أوباما مواصلة إبراز عزمه على تكثيف الضغوط الدبلوماسية على روسيا.

وقالت: "ولكن من منظور تقني واقتصادي، ما فعلته روسيا لنفسها بالفعل أكثر تأثيراً مما سيفعله التشريع الجديد".

والسؤال الآن لواشنطن ولواضعي السياسات الأوروبية هو إلى مدى يستمر دفع روسيا لتغيير نهجها تجاه أوكرانيا. قال كيري، متحدثاً في مؤتمر صحفي في لندن يوم الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لا تستهدف الشعب الروسي بالعقوبات ولكن تستهدف محاولة إقناع بوتين بإعادة شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا، ووقف الاجتياحات الروسية لشرق أوكرانيا.

وقال أيضاً: "وغني عن القول إن الغرض من هذا الجهد الأوروبي والأمريكي، والجميع فيما يتعلق العقوبات، هو أن نوضح لروسيا، وللرئيس بوتين، أن هناك تكاليف تتبع الضم الأحادي الجانب لشبه جزيرة القرم والدعم المتواصل للانفصاليين داخل أوكرانيا وانتهاك سيادة أوكرانيا الإقليمية وسلامتها".

وأضاف: "كان من الممكن رفع هذه العقوبات منذ أشهر. يمكن رفع هذه العقوبات في غضون أسابيع أو أيام، اعتماداً على الخيارات التي يأخذ الرئيس بوتين".

ولكن الفوضى الاقتصادية في روسيا يمكن أن تسبب وقفة للقادة الأوروبيين الأكثر اعتماداً على التجارة الثنائية مع روسيا والذين يشعرون بالقلق طوال الوقت حول التداعيات الاقتصادية لموسكو المترنحة.

قال مجتبى رحمن، المحلل الرئيسي لأوروبا في مجموعة استشارات المخاطر "أوراسيا جروب"، إن القادة الأوروبيين لن يتراجعوا عن العقوبات دون تنازل من بوتين. ومع ذلك، فإن الاضطراب الاقتصادي يجعل التباطؤ أسهل بالنسبة لتلك البلدان التي كانت مترددة في تصعيد العقوبات.

وقال رحمن: "على الجانب الأوروبي يحل هذا الكثير من الضغط السياسي الداخلي لبذل المزيد من الجهد".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب