كيف تنقذ الدول الأعضاء في "أوبك" اقتصاداتها؟

مقال رأي

رغم الهبوط الحاد في أسعار النفط، رفضت منظمة "أوبك" في نوفمبر خفض إنتاج أعضائها، لتهبط أسعار النفط الخام إلى أقل مستوياتها في الخمس سنوات الأخيرة. لم يلق القرار ترحيباً وسط بعض دول المنظمة. فقد أدركت المنظمة آثار رفع إنتاج النفط الصخري في تكساس، ونورث داكوتا، وأماكن أخرى في أمريكا الشمالية. وبينما أرادت فنزويلا وإيران خفض الإنتاج، متطلعين نحو رفع الأسعار، قرر السعوديون، الأكثر تأثيراً في المنظمة، الدفاع عن حصة المجموعة السوقية، حتى وإن كان ذلك مكلفاً.

إن كان النفط الصخري هو المشكلة الوحيدة، فستنجح الاستراتيجية السعودية. لكن أوبك تواجه تهديداً أكثر جوهرية وأكبر حجماً، وهو انحسار الطلب العالمي على النفط. فقد تراجع الطلب في الدول الصناعية من 50,1 مليون برميل يومياً عام 2005 إلى 45,5 مليون برميل يومياً عام 2013. وبما أن الانخفاض سبق بداية الأزمة المالية العالمية، فيرجح أن التحول نتيجة تغيرات هيكلية طويلة المدى في سوق النفط، مثل ارتفاع كفاءة الطاقة، وليس بطء النمو فقط.

تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن التراجع في طلب النفط في الدول الصناعية سيتم معادلته وتجاوزه بواسطة الزيادة المتصاعدة في الطلب في الدول النامية، وأبرزها الصين والهند. ونتيجة لذلك تتوقع الوكالة نمو الطلب العالمي على النفط حتى العام 2040. لكن العديد من الخبراء يقولون أن الطلب العالمي سيكون قد وصل ذروته قبل ذلك بكثير، مشيرين إلى تغير أنواع الوقود، وإنهاء دعم المنتجات النفطية، وارتفاع كفاءة الطاقة. فتتوقع مجموعة "سيتي جروب"، على سبيل المثال، أن الطلب على النفط سوف يستقر بحلول العام 2020.

إن كانت التوقعات صحيحة، فإن أعضاء "أوبك" الذين تتشبث اقتصاداتهم بعائدات صادرات النفط سيكونون في خطر. لكن دول أوبك يمكنهم تنفيذ أربع استراتيجيات على الأقل لمجابهة الانخفاض في الطلب، رغم أن الاستراتيجيات لن تكون سهلة، وكذلك النتائج ليست مضمونة.

العمل سوياً

من أجل رفع الأسعار، يجب أولاً على كبار مصدري النفط العمل سويا لمحاولة خفض العرض العالمي من النفط. لكن هذا النوع من العمل الجماعي فشل في التحقق تاريخياً. رغم أن منظمة "أوبك" اقترحت نظام كوتة عام 1982 في محاولة لتحديد العرض العالمي، إلا أنه على الصعيد العملي كثيراً ما عدلت المنظمة الكوتة لتتوافق مع مستويات الإنتاج المتحققة، بدلاً من أن يحدث العكس. وكشف جيف كولجان، وهو باحث سياسي في جامعة براون، في دراسة حديثة أنه من العام 1982 إلى العام 2009، مارس أعضاء "أوبك" الخداع في كوتتهم الكلية بنسبة 96 بالمئة من المرات.

لدى دول منظمة "أوبك" مشاكل كثيرة في التعاون بسبب اختلاف أهدافهم. فيريد البعض، تحديداً إيران وفنزويلا، الذين لديهم الاحتياطي النفطي الأقل مقارنة بعدد سكانهم، أن يرفعوا الأسعار في أقل وقت ممكن. بينما يريد البعض الآخر، بقيادة السعودية، الذين لديهم وافر من الاحتياطيات ورفاهية التفكير على المدى البعيد، أن يخفضوا الأسعار. يستطيع الأخيرون تحمل الأسعار المنخفضة على المدى القصير لإقصاء الدول غير العضوة في المنظمة من المنافسة ثم رفع الأسعار مجدداً.

علاوة على ذلك فإن تقليل العرض العالمي سوف يقدم حلاً مؤقتاً للانخفاض الهيكلي في الطلب على النفط. فعلى المدى القصير، سيؤدي خفض العرض إلى رفع أسعار النفط - وبالتالي عائداته - للدول الأعضاء في "أوبك." لكن على المدى البعيد، ستؤدي الأسعار المرتفعة على الأرجح إلى انخفاض الطلب على النفط في الدول المستهلكة الكبيرة.

سباق البيع

إن لم يستطع كبار مصدري النفط أن يحققوا التعاون بينهم، سيجب عليهم إيجاد سبل منفردة لزيادة أرباحهم. في الماضي قررت الدول الأعضاء في الكثير من الأحيان أن تحافظ على بعض نفطها، علي أمل ارتفاع قيمة النفط لاحقاً. إلا أنه في ضوء الانخفاض الهيكلي في الطلب على النفط، لن تجدي تلك الاستراتيجية نفعاً. بل على العكس، تتحرك دول المنظمة لإنتاج وبيع أكبر قدر ممكن الآن، بدلاً من انتظار انخفاض الأسعار إلى مستوى أقل من الحالي. فإن بدأ المنتجون في سباق البيع، ستنهار جميع الأسعار، ما قد يربط المستهلكين بالنفط مجدداً.

لكن هناك أسباب للتشكيك في تلك الاستراتيجية أيضاً. فبسبب العوائق التقنية لا يستطيع منتجو النفط أن يقرروا فجأة زيادة إنتاج النفط بشكل لحظي. يمكنهم تقرير زيادة الاستثمار في التنقيب عن النفط ورفع قدرة الإنتاج، لكن شبح تراجع الطلب يرجح عدم اتخاذهم لخطوات مماثلة.

عين على الكفاءة

لتحقيق عوائد أكبر من حقولهم النفطية دون الارتجاع لنظام كوتة أو شن حروب أسعار، تستطيع الدول المنتجة للنفط أن تبحث عن كفاءة أعلى في إنتاج النفط، ما قد يخفض تكلفة الإنتاج للبرميل. حيث يوفر خزان البترول القياسي نسبة استخراج تقدر بـ 35 بالمئة (كمية البترول الممكن استخراجه بالنسبة إلى مجمل كمية البترول تحت الأرض)، بينما يمكن لما يطلق عليها تقنيات استخراج النفط المحسنة أن ترفع تلك النسبة. وتُقدر وكالة الطاقة الدولية أن تطبيق تلك التقنيات على حقول نفطية كبيرة حول العالم سوف يوفر 300 مليار برميل إضافي من النفط الخام، أي أكثر من الاحتياطي السعودي بالكامل. لكن للحصول علي تلك التقنيات الأحدث، يجب أن يصبح منتجو النفط أكثر انفتاحاً نحو الاستثمار الأجنبي. حيث تعتمد معظم الدول المنتجة للنفط حالياً على شركات النفط الوطنية، والتي عادة ما تكون أقل كفاءة من الشركات الأجنبية.

يستطيع مصدرو النفط أن يحققوا مزيداً من الأرباح عبر خفض الاستهلاك المحلي، ما سيؤدي لإمكانية تصدير المزيد من النفط. ولخفض استهلاك النفط المحلي، يمكن بناء المزيد من الأنظمة القائمة على الغاز الطبيعي وتقليل الدعم المحلي على البنزين والديزل، لأنهما من أنواع الوقود المكلفة والمشجعة على الاستهلاك المسرف. كما ستفيد تلك السياسات الدول المنتجة للبترول في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وجعل الطاقة المتجددة أكثر تنافسية. 

تنويع الاقتصادات

إن فشلت الاستراتيجيات السابقة فمازالت هناك استراتيجية لديها فرصة جيدة للنجاح، فيمكن لمنتجي النفط أن ينوّعوا أساسات اقتصاداتهم للاستعداد لمستقبل ستتقلص فيه أسواق النفط بصورة ملحوظة. ووفقاً لبحث أجراه البنك الدولي، تتمتع الدول التي تنوع صادراتها بنمو طويل المدى، بينما يقل ذلك في الدول التي تعتمد على عدد محدود من المنتجات.

نجح القليل من مصدري النفط في إنهاء اعتمادهم على إنتاج النفط. حيث نجحت أندونيسيا وماليزيا في تنويع اقتصاداتهم كمصنعين، لكنهم لم يستطيعوا إنتاج نفس القدر من النفط أو الغاز للفرد الواحد مثل الذي تنتجه الدول الأعضاء في "أوبك." بينما جذبت دبي استثمارات أجنبية في البنية التحتية، والخدمات، والأعمال، لكن اعتماد دبي الشديد على العمالة والخبرات الأجنبية يجعلها نموذجاً فريداً للتنمية يصعب محاكاته.

يمكن أيضاً للدول الغنية بالبترول التي تنتج كماً أقل، وبالتالي تقلل من انباعاثات ثاني أكسيد الكربون، أن تطلب تعويضات في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتغيرات المناخية وبرتوكول "كيوتو". فالمادة 4.8 في الاتفاقية والمواد 2.3 و3.14 في البروتوكول تطالب الأطراف الموقعة عليها باتخاذ تدابير لتقليل الآثار الناتجة عن اجراءات تخفيض الانبعاثات على الدول المنتجة للنفط. وتقول الدول الأعضاء في "أوبك" إن هذه البنود يجب أن تتضمن التعويض النقدي عن خسائر عائدات النفط والمساعدة في تحقيق التنويع الاقتصادي. إلا أنه حتى الآن تم تجاهل نداءاتهم.

يجب دعم الاستغناء عن النفط بأي شكل ممكن. خصوصاً أنه من الناحية البيئية يبدو واضحاً بشدة أن نصيب الأسد من الوقود الحفري – إلى جانب جزء كبير من احتياطيات النفط – يجب تركه في باطن الأرض. تواجه دول المنظمة تهديداً اقتصادياً خطيراً، لكن إن اتجهوا لتنويع اقتصاداتهم، فقد يخرجون من تلك الأزمة أقوى.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب