لا تراهنوا على دفع «داعش» نحو الإفلاس، لكن في ما يلي وسائل لإفقار التنظيم

مقال رأي

تركز جهود الحكومة الأمريكية لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») على "خمسة خطوط مختلفة من الجهد تعزز بعضها البعض"، يهدف أحدها إلى وقف حصول تنظيم «الدولة الإسلامية» على التمويل والموارد المالية. غير أنّ هذه المهمة قد تكون صعبة ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الفروقات بين نماذج التمويل التي تستخدمها «داعش» و «جبهة النُصرة» أو غيرهما من الجماعات التي تدور في فلك تنظيم «القاعدة» - إلا أن المجتمع الدولي يملك القدرات الضرورية لمكافحة كافة هذه النماذج.  

وتشكل مكافحة تمويل «داعش» عنصراً هاماً في الحملة الدولية القائمة ضدّ التنظيم الذي يُعتبر الجماعة الوحيدة التي فاق تطرّفها المستويات المقبولة حتّى لدى تنظيم «القاعدة». ولقد ثبت أنّ أدوات مكافحة تمويل الإرهاب فعالة بشكلٍ فريد كوسيلة للحد من تدفق الأموال إلى الجماعات الإرهابية وكمصادر للاستخبارات المالية التي يمكن بالتالي الاستناد إليها لتحقيق نجاحات أكبر. وليس هناك شكّ أنّه في الحالات التي يعبر فيها تمويل تنظيم «الدولة الإسلامية» الحدود الدولية أو يستغلّ النظام المالي الدولي (وخاصة القطاع المالي الرسمي والمصارف، بل وحتى آليات التحويل المالية البديلة)، ستبقى مجموعة الأدوات التقليدية التي وُضعت في أعقاب هجمات 11 أيلول/سبتمبر وسائل فعالة لمكافحة تمويل «داعش». ويشمل هذا التمويل العائدات التي يحققها تنظيم «الدولة الإسلامية» من تهريب النفط غير الشرعي، والهبات التي يقدمها المانحون الأثرياء في دول الخليج وغيرها من البلدان، والمبالغ الناتجة عن الفدية المدفوعة مقابل تحرير المخطوفين، والجهود الساعية إلى الوصول إلى سوق الأثار السوداء لبيع التحف الأثرية المنهوبة، وغيرها.    

ولكن من غير المرجح أن تكون هذه الجهود كافية لـ "تفكيك" تنظيم «الدولة الإسلامية» بصورة تامة. فخلافاً لتنظيم «القاعدة» وغيره من الجماعات فإن «داعش» - التي كانت تُسمّي نفسها تنظيم «القاعدة في العراق»، والتي أعادت تسمية نفسها مؤخراً تنظيم «الدولة الإسلامية» وأعلنت إقامة الخلافة الإسلامية من جانب واحد - كانت مكتفية ذاتياً من الناحية المالية على مدى ثماني سنوات كجماعة إرهابية مؤلفة من متمردين قبل أن تدخل في مشروع إدارة شبه دولة. وعلى خلاف غيرها من الجماعات التي تعتمد على دول مانحة أو مانحين كبار أو التي تستغل الهبات الخيرية، كان تنظيم «القاعدة في العراق» مستقلاً ماليّاً بفضل انخراطه في مشاريع ذات نشاطات إجرامية ناجحة بشكلٍ هائل داخل العراق.

وتستمد «داعش» عائدات تمويلها اليوم بشكل أساسي من بيع النفط غير الشرعي، والفدية المدفوعة مقابل تحرير المخطوفين، والهبات السخية التي يقدمها عدد قليل من المانحين الكبار، ومن مجموعة واسعة من المشاريع الإجرامية مثل الابتزاز ونهب الآثار وسرقة المواشي. وتقدر وزارة الخزانة الأمريكية أنّ تنظيم «الدولة الإسلامية» يجني أرباحاً من مبيعات النفط بقيمة عدة ملايين من الدولارات في الأسبوع، بانخفاض من مليونين إلى 3 ملاين دولار في اليوم عندما كانت المبيعات في أوجها. أما مبالغ الفدية المدفوعة مقابل تحرير المخطوفين، فوصلت إلى 20 مليون دولار على الأقل هذا العام بينما قدّم المانحون الأثرياء بضعة ملايين إضافبة في العام، في حين عادت عمليات الابتزاز بعدة ملايين من الدولارات كلّ شهر.    

وصحيح أنّ المشاريع الإجرامية التي يقوم بها تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق هي اليوم بمنأى عن إنفاذ القانون التقليدي وتطبيق إجراءات تنظيمية. ولكن، رغم ذلك، سيؤدي التركيز على هذه المجالات التي تستهدفها مجموعة الأدوات المستخدمة حالياً إلى حرمان «داعش» فعلياً من الأموال التي تحتاج إليها للحفاظ على «دولتها الإسلامية» وإدارتها. وفي الوقت نفسه، في حين أن الأدوات العسكرية كانت ستُعتبر في ظروف أخرى آخر خيار من بين الوسائل المنطقية لمكافحة الجرائم، يبقى الواقع هو أنّ الضربات الجوية ضدّ «داعش» قد بدأت تقوّض بالفعل بعض نشاطات التنظيم الإجرامية، ويجدر بالضربات المستقبلية أن تستمر في هذا المسار.  

وإذا قررت الحكومة العراقية في مرحلة ما أن تعطي الأولوية مجدداً للحوكمة وسيادة القانون عوضاً عن الطائفية والفساد، علماً أنّ احتملات قيام إصلاح سياسي حقيقي في العراق تبدو ضئيلة اليوم، من الممكن أن تتمكن مؤسسات إنفاذ القانون المحلية في العراق - في مرحلة ما في المستقبل - التحقيق في مشاريع «داعش» الإجرامية وملاحقتها قضائيّاً كونها نشاطات إجرامية محلية. 

وتركز استراتيجية وزارة الخزانة الأمريكية لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» على فرض العقوبات المالية على أي جهة تقوم بالمتاجرة بالنفط الذي تسرقه «داعش»، وحثْ شركاء الولايات المتحدة في الخارج على وضع حدّ لدفع الفدية مقابل تحرير المخطوفين. كما تركز هذه الاستراتيجية أيضاً على استهداف شبكات المانحين الخارجية لفرض العقوبات عليها والحدّ من وصول تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى النظام المالي الدولي وفرض عقوبات ذات أهداف محددة على قادة «داعش» ومسهّلي أعمالها. وتشكّل هذه الاستراتيجية، أي استغلال الأدوات التي تمتلكها وزارة الخزانة في مجموعة أدواتها اليوم، خطوة أولى ذكية، لكن ما هي الخطوات التالية؟

ومع تطوّر الأحداث في المستقبل، نتوقّع أن تقوم وزارة الخزانة وشبكة وكالاتها الداخلية وشركاؤها الدوليون بتعديل الأدوات القائمة وتطوير أدوات جديدة بينما تتكيّف مع التهديد المالي غير الشرعي المتنامي الذي يشكله تنظيم «الدولة الإسلامية». وتبرعْ وزارة الخزانة في ذلك فعلاً، أي في التفكير بطريقة مبتكرة من أجل وضع الاستراتيجيات اللازمة للتعامل مع التهديدات المستقبلية. وهذا ما قام به تماماً فرع الاستخبارات المالية ومكافحة الإرهاب في وزارة الخزانة لمعالجة مسألة تمويل تنظيم «القاعدة» بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، علماً أنّ الوزارة حققت ذلك بطريقة أكثر جوهرية في الفترة 2005-2006 عندما طوّرت الأدوات والاستراتيجيات اللازمة لمكافحة تصرف إيران المالي غير الشرعي ودعمها للإرهاب وقيامها بنشاطات نووية. وقامت الوزارة بذلك مرة أخرى عندما أنشأت "خلية مكافحة التهديدات المالية في العراق" من أجل تحليل المعلومات المالية التي يحملها الأفراد والاستخبارات التي يتم جمعها في حملات مكافحة التمرد، ومن ثم استخدام هذه المعلومات الجديدة كبيانات تحدد أهداف الحملات التالية.  

ويقيناً، لا يوجد حل سحري لعرقلة تمويل «داعش»، ناهيك عن هزيمة التنظيم بأكمله. ويطرح تنظيم «الدولة الإسلامية» مجموعة من الظروف الفريدة التي ستؤدي بالتأكيد إلى قيام استجابة تضع باقة جديدة من الابتكارات في مجال مكافحة تمويل الإرهاب. لذا، بما أنّ «داعش» لا تعتمد حالياً على المانحين في الخارج بصورة كبيرة، لم تصنّف وزارة الخزانة حتى الآن سوى أربع جهات مانحة تتعلق بـ تنظيم «الدولة الإسلامية» (اثنين منها فقط استهدفت الممولين). أما في المستقبل، فنتوقع أن تتخذ الوزارة مقاربة مغايرة وتستخدم الاستخبارات لاستهداف الوسطاء والتجار وشركات النقل وأي شخص آخر يساعد على إنتاج النفط الذي تسرقه «داعش» أو تصفيته أو نقله أو بيعه. وفي الوقت نفسه، يمكننا أن نتوقع استمرار الحذر تجاه المانحين الكبار في دول الخليج، ليس فقط لأنهم يبقون المصدر الأكبر للعائدات لجماعات أخرى مثل «جبهة النُصرة»، بل لأن النجاح المستمر في استهداف النفط وغيره من الإيرادات سيدفع بالقائمين على أموال تنظيم «الدولة الإسلامية» باللجوء إلى المانحين الأثرياء للتعويض عن الخسائر. 

وفي غضون ذلك، هناك أدلة ظرفية تشير إلى أنّ المقاربة القوية والمتنوعة التي تعتمدها وزارة الخزانة لمحاربة «داعش» هي فاعلة بعيداً عن الحدود العراقية. لننظر في قضية جهادي يحاكم الآن في ألمانيا لانضمامه إلى مجموعة في سوريا متحالفة مع تنظيم «الدولة الإسلامية»، الذي كان قد واجه صعوبات في إرسال الأموال إلى الشرق الأوسط، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الإجراءات التي وضعتها وزارة الخزانة وغيرها من الهيئات. ووفقاً لصحيفة "التلغراف"، ترسم إجراءات المحاكمة والتقارير الإعلامية المحلية صورة جهاديين أُرغموا على إرسال أحد أعضائهم إلى أوروبا لتأمين الموارد، لأنه بات من الصعب جداً تحويل الأموال دون أن يتمّ تعقّبها. ولا يتوقف الوضع عند هذا الحد: فعندما أرسلت بعض الجماعات أموالاً حول العالم عن طريق شركة "ويسترن يونيون"، خشيت جماعات أخرى من استلام تلك الأموال خوفاً أن تكون التحويلات مراقبة. وفي الوقت نفسه، بينما تأتي أغلب أموال «داعش» من مبيعات النفط، نشهد نجاحاً في هذا المجال أيضاً، إذ تفيد التقارير إنّ عائدات تنظيم «الدولة الإسلامية» من النفط قد انخفضت بالفعل بنسبة الثلثَين تقريباً من حوالي 3 ملايين إلى مليون دولار يومياً.

ولا تزال النشاطات الإجرامية تشكّل جزءاً كبيراً من عائدات «داعش» في الوقت الحالي، متمّمة مصادر الدخل المربحة الأخرى؛ كما أن أدوات وزارة الخزانة ليست مستعدة بما يكفي لمواجهة هذا التحدي بالذات. غير أنّ النشاطات الإجرامية وحدها لا تكفي كمصدر للتمويل لجماعة لا تلتزم بالقيام بنشاطات إرهابية وتمردية فحسب بل تسعى إلى الاستيلاء على الأراضي والحفاظ عليها وإدارتها، مما يستوجب نفقات هائلة ويتطلب بالتالي التمتع بسيل كبير من العائدات.

وبالتالي، فإنّ التركيز على عائدات تنظيم «الدولة الإسلامية» من النفط والخطف مقابل الفدية والمانحين الكبار، بالإضافة إلى الجهود الموسَّعة الرامية إلى حرمان التنظيم من قدرته على تخزين الأموال ونقلها والوصول إليها ضمن النظام المالي الدولي، قد يؤدي إلى نجاح وزارة الخزانة في إضعاف تدفقات الأموال لـ «داعش» بقدرٍ كبير. وقد لا يؤدي ذلك إلى تدمير تنظيم «الدولة الإسلامية»، تلك الجماعة الإرهابية المؤلفة من متمردين، لكن سينجح بالتأكيد في تقويض شبه «الدولة الإسلامية». 

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy