لماذا تُعد مغادرة هيجل لمنصبه انتصاراً لصقور الحرب؟

مقال رأي

وصل تشاك هيجل لنهاية طريقه الأسبوع الماضي، وكان السلك الصحفي في واشنطن شديد الحماس حول كتابة نعيه. من حيث التغطية الإخبارية، قد لا يكون الحدث قد تلقى نفس التغطية التي تلقتها أحداث فيرجسون أو العاصفة الثلجية ذات عمق سبعة أقدام التي ضربت بافالو، نيويورك، ولكن الكم الهائل من التقارير الإخبارية التي تحدثت عن الأمر لا يستهان بها. هناك تغيير للمسئولين في واشنطن في زمن الحرب. لقد خسر ثالث وزير دفاع  يعينه باراك أوباما. بحسب ما قيل حتى الآن، لقد استقال هيجل "تحت ضغط". وداعا، تشاك!

في حالة من الإجماع تجاوزت الحدود السياسية، تظهر التقارير كما لو كان قد كتبها مراسل واحد. فكل التقارير حول الموضوع تحدثت تقريباً عن أنه: قبل عامين، عيّن الرئيس أوباما هيجل، وهو محارب قديم مرموق في فيتنام وسناتور جمهوري السابق، معروف عنه أنه حذر بشأن الاستخدام المفرط للقوة العسكرية الأمريكية، وذلك لإنهاء الحرب في أفغانستان، ولكبح جماح نقاد الجيش ووضع ميزانية للبنتاجون تقترب من تلك التي تُقرّ في وقت السلم. بعد الجراح الناتجة عن جلسة التصديق عليه في مجلس الشيوخ، وهي التي لم يتعاف منها أبداً، ثبت ضعفه في التعاطي مع سياسات الرئيس، وجمعته "علاقة مريبة" مع مستشارة الأمن القومي (وصديقة أوباما) سوزان رايس، وثبت ضعف أداءه كمدير في وزارة الدفاع، فضلاً عن كونه "الحلقة الضعيفة" في فريق الأمن القومي الذي شكله أوباما، ولم يتمكن أبداً من اقتحام دائرة الرئيس المتماسكة من المطلعين الذين - كما يتفق الجميع - يتمتعون بعادة سيئة هي "التدخل في التفاصيل الإدارية" للحروب الأمريكية (بدلاً من السماح للجيش بفعل ما ينبغي القيام به). في نهاية المطاف، فإن الرئيس "فقد الثقة" به. وكان فقدانه لعلمه "باتفاق الآراء" أو على الأقل تَقدم هيجل طواعية، إلى حد ما، نحو حافة الهاوية قبل أن يتم دفعه.

وأزهرت أيضاً فئة فرعية من التقارير الإخبارية التي تناولت هيجل، وهي التي تظهر أيضاً كما لو أنها تقرير واحد. وفيهم، يعرض مختلف الصحفيين والمعلقين تخمينات فورية عن الشخص الذي سيدعوه الرئيس لملء وظيفة هيجل. ويتصدّر "القائمة القصيرة" التي كتبها الجميع: عضو مجلس الشيوخ والمقاتل السابق في الجيش جاك ريد من رود آيلاند، والليبرالي والمقاتل والمسؤول السابق في البنتاجون "ميشيل فلورنوي (وهو محبوب جداً من قِبَل المحافظين الجدد والجمهوريين)، " مشتر السلاح " السابق بالبنتاجون والمؤيد للتدخل العسكري آشتون كارتر (وهو المرشح الأساسي). لكن لسوء حظ الصحافة، سخر ريد وفلورنوي سريعاً من الحكمة الجماعية للحظة الراهنة، مما يزيل أسمائهم بشكل قاطع من القائمة. وقد نشرت بوليتيكو رفض فلورنوي على هذا النحو: "يأتي انسحاب فلورنوي وسط تكهنات أن الرئيس باراك أوباما يبحث عن المرشح الذي سيبدي احتراماً إلى البيت الأبيض، الذي يبذل بدوره جهداً متزايداً للسيطرة على قرارات وزارة الدفاع". لا يمكن لأي شيء، على الرغم من ذلك، أن يوقف مسيرة الأخبار، التي حولت ببساطة تركيزها إلى مرشحين محتملين آخرين. لكن المثير للاهتمام هو حرص الصحفيين والنقاد المختلفين لأن يعملوا وكأنهم باحثين عن الموظفين في وكالة توظيف يفحصون نفس قائمة المرشحين التي يفحصها الرئيس بالضبط.

هذه الصحافة، بطبيعة الحال، هي مثال صريح على الاطلاع، وقد أدنّا ذلك سواء ضمنياً أو صراحة، لتتويج باراك أوباما بأنه "رئيس حرب" لمدة السنتين الأخيرتين من ولايته. إلا أنه في النهاية، تكتب وسائل الإعلام حول الأحداث بنسبة أقل من صنعها لتلك الأحداث. والنتيجة: أصبح سجلها مجتمعة، بكارثية وضع  واشنطن نفسها ما بعد 11 سبتمبر.

في هذه الأيام، كثير ما يشير المعروفون بأنهم منتقدي إدارة أوباما في واشنطن أن الأزمات تتعاظم، مثل ازدحام المرور وقت عيد الشكر عبر رقعة كبيرة من كوكب الأرض، وأن فريق الأمن القومي للرئيس قد أثبت "عدم كفاءته" عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع تلك الأزمات. إلا أنهم نادراً ما يعترفون أن الأزمة الأكثر أهمية ليست في أوكرانيا أو العراق أو سوريا أو أفغانستان أو إيران، لكنّها في واشنطن. هناك، فإن السياسة المفلسة البالغة من العمر ثلاثة عشر سنة حول الحرب في اتجاه الأفق لا تزال مهيمنة بشكل لا يصدق، كما تبدو "حمى الحرب" في تصاعد مرة أخرى.

وفي هذا السياق، فإنه من الغريب غياب أربعة جوانب حاسمة للحرب على الطريقة الأميركية عن طوفان التقارير الإخبارية حول هيجل. وهم كالتالي.

تصاعد حزب الحرب: من الأفضل دائماً أن تبدأ بما هو واضح، حتى لو كان الجميع يفضل تجاهله. لذلك دعونا نبدأ بحقيقة بسيطة وهي أن الانتخابات النصفية الأخيرة جعلت الجمهوريين يجتاحون مجلس الشيوخ بأرقام مهيمنة وعززت سيطرتهم القائمة بالفعل على مجلس النواب. من ناحية الحرب، فهذا له معنى واحد فقط: أن قطيعاً من الصقور الجديدة (والقديمة) متوجه إلى واشنطن. لكن في الحقيقة، هناك بالفعل طرف واحد فقط في عاصمة البلاد في مثل تلك القضايا، وهو حزب الحرب. بالإضافة إلى ذلك، إذا صدقت تعليقات واشنطن، فإن وزير الدفاع القادم سيكون وزيراً للحرب بشكل كامل. والتفسير البسيط لذلك هو عدم وجود أي أمل لمرشح آخر يرشحه رئيس ديمقراطي بأن يجرى التصديق عليه في عمليه يشرف عليها الرئيس الجديد المفترض للجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، أي جون ماكين. أضف إلى ذلك أن أحد موظفي المكتب البيضاوي قد استقال خلال حالة رئاسة الحرب ويمكنك أن ترى بالفعل الصورة الكبيرة القادمة.

وقد أكّدت التحركات الأخيرة أحدث مسارات الحرب. بمجرد انتهاء الانتخابات، ضاعف الرئيس من عدد المستشارين في العراق (مع تلميحات بوصول المزيد من القوات البرية، واحتمالية وصول قوات قتالية فعلية في وقت ما في المستقبل المحتمل). ثم وردت أنباء أن أولئك المستشارين يجري دفعهم إلى البلاد بسرعة مضاعفة. بعد فترة وجيزة، وردت أخبار أنه يجرى تحويل قوة جوية أكبر - عشر طائرات ورثهوجوطائرات بدون طيار من نوع ريبر - إلى مسرح العمليات في العراق/سوريا.

وفي الوقت نفسه، في انعكاس لموقف قد اتُخذ منذ فترة طويلة - وهو أن الدور القتالي الأمريكي في أفغانستان سينتهي هذا العام- أصدر الرئيس مؤخراً قراراً سرياً يعطي الضوء الأخضر لمثل هذا الدور، سواء على الأرض أو في الجو، خلال عام 2015. بعد فترة وجيزة، رفع الرئيس الأفغاني الجديد الحظر المفروض على "المداهمات الليلية" المثيرة للجدل التي تدعمها الولايات المتحدة في بلاده – وقد تم ذلك  تحت الضغط الأمريكي بوضوح - وبدأ تسرب التقارير التي تقول إن خطة الانسحاب على وشك الإلغاء، وسوف يجرى بعث قوات أمريكية أخرى لتضاف إلى مزيج القوات في أفغانستان في عام 2015.

وبعبارة أخرى، في منطقتي الحرب الأكثر نشاطاً بالنسبة للبلاد، يجرى بالفعل حاليا التصعيد والزحف فيها. وفي الوقت نفسه، لا ينفك يزداد ضغط صقور الحرب في الكونجرس عندما يتعلق الأمر بتخصص حكومة أوباما الوحيد، أي المبادرات الدبلوماسية التي لا تنطوي على حرب، وأمامها فرصة للنجاح: وهي المحادثات النووية الإيرانية. في نفس الوقت، ازداد الضغط للتصرف بشكل أكثر شراسة في أزمة أوكرانيا، بما في ذلك السماح للبنتاجون ببيع الأسلحة إلى جيشها.

وباعتراف الجميع، لدى حزب الحرب فصائله وخلافاته. وأعضاؤه قادرون تماماً على تقطيع بعضهم إرباً. (انظروا فقط إلى ما فعله السناتور مكين حيال تشاك هيجل في جلسات التصديق لمنصب وزير الدفاع، ثمّ ما فعله حيال الرئيس أوباما مدافعاً عن هيجل بعد إعفائه من منصبه). إلا أن هناك شيء واحد واضح: خلال فترة انحسار عهد أوباما، إن قوة حزب الحرب آخذة في الارتفاع، إلى جانب قوة دولة الأمن الوطني.

وحتى الآن، إننا نتحدث فقط عن الواقع الأساسي الظاهر في واشنطن. رغم كل شيء، منذ 11 سبتمبر يعتقد سياسيي المدينة أنهم في "حرب" أبدية. وبطبيعة الحال، ينطوي جزء من الحياة اليومية، في "عاصمة الحرب"، على نزاعات الجمهوريين والديمقراطيين لتحقيق مكاسب سياسية، من خلال الشجار إلى ما لا نهاية حول من هو متسرع ومن هو واهن عندما يتعلق الأمر بسياسة الحرب.

يصم الجمهوريون الرئيس بأنه غير كفء أو أسوأ من ذلك بكثير، في حين أن الرئيس (الرجل الذي قتل أسامة بن لادن) يشكر القوات دون توقف لبسالتهم وخدمتهم بينما يرتدي العباءة العسكرية للتأكيد على قوته وتصميمه. ولكن وسط كل تلك المناورة، يزدهر حزب الحرب. لا يمكنك  ببساطة أن تعمل في واشنطن دون أن تعلن الولاء بشكل ما لتفكير زمن الحرب وما يصاحبه  من قدسية الهواء الميت الذي يهيمن على ما بعد 11 سبتمبر. لا يوجد احتمالات بديلة، ولا يوجد خيارات أخرى مطروحة على "الطاولة" التي يقال أن عليها  "كل الخيارات" في عاصمة البلاد. وإذا لم تشترك في الأمر، ستواجه حالة من العزل تحت دعاوى  الأمن القومي. حيث إن "قواعد واشنطن" – كما يقول  أندرو باسيفيتش-  هي التي تتحكم في الأمر، في حين أن التفكير الجديد غير مرحب به.

أحد أمثلة هذا الأمر التي حدثت مؤخراً: بينما ينتهي نوفمبر، كان راند بول، وهو ابن القيادي الليبرالي الذي يؤمن بسياسة عدم التدخل، والرجل الذي يضع عينه بوضوح على البيت الأبيض، وجد نفسه مضطراً تقريباً إلى "إعلان الحرب" حرفياً على "الدولة الإسلامية في العراق وسوريا" من أجل أن يتعهد بالولاء لحزب الحرب.

وبشأن هذه المسألة، كما تشير التغطية الإخبارية حول موضوع هيجل، فواشنطن مكان خانق عندما يتعلق الأمر بأي فكر مستحدث. (بالمناسبة، متى كانت آخر مرة سمعت شخصاً في تلك البلدة يذكر كلمة "السلام"؟). في النهاية، هيجل الذي أصبح نادماً على صوته المتردد  لغزو العراق، ثبت أنه اختيار غير مناسب.

انتخابات 2016 باعتبارها شأن داخلي لحزب حرب: في أعقاب غزو العراق في عام 2004، كانت الانتخابات بين بوش وكيري يغلب عليها موضوع الحرب بطبيعة الحال. أمّا عام 2008، فقد حدث شيء نادر الحدوث، حيث كانت الانتخابات يغلب عليها أيضاً موضوع الحرب، لكن الأمريكيين اعتقدوا أنهم قد صوتوا لصالح المرشح المناهض للحرب (كما هو حال لجنة جائزة نوبل بالطبع، وهي التي – باستخدام عبارة سيئة الطابع - استبقت الأمور عام 2009 بمنح جائزة نوبل للسلام لباراك أوباما، بينما كان على وشك "زيادة الأعداد" رسمياً في أفغانستان). كانت انتخابات 2012 يغلب عليها الوضع الراهن وقتها، وبفضل عملية قتل بن لادن، حصّن الرئيس نفسه من اتهامات الجمهوريين له بأنه واهن، حتى في الوقت الذي يبدو فيه أنه يفي بالعهد الذي قطعه أثناء حملته الانتخابية بإنهاء الحرب في العراق.

تتشكل انتخابات 2016 على أنها انتخابات حول موضوع الحرب بشكل أساسي. وغني عن القول إن أي مرشح جمهوري يتم ترشيحه سيكون مؤيداً للحرب،  في حين أن المرشحة الديمقراطية الأهم في الوقت الحالي، هيلاري كلينتون، فهي ليبرالية تؤيد الحرب من الدرجة الأولى. ولا عجب أن فلورنوي - الذين رفض ترشيحه حالياً لمنصب وزير الدفاع – قيل أنه سيرغب في العمل مع إدارة كلينتون المستقبلية. والعلامة الواضحة الآن، هي أن  كلينتون تبدو بالفعل أنها تتلقى الدعم من مجموعة من المحافظين الجدد كانت لحظة ازدهارها في سنوات حكم بوش، ويأمل هؤلاء أن يعود زمنهم مرة أخرى. والآن، بغض النظر عمن سيفوز في عام 2016، يبدو أن الأفق في واشنطن يغلب عليه الحرب.

زيادة الحملات العسكرية زيادة قصوى: من أغرب جوانب التغطية الإخبارية لموضوع هيجل، هو الصورة المرسومة لعلاقة الجيش والبيت الأبيض في هذه الفترة. فعلى الرغم من ضخ الأموال المذهل منذ 11 سبتمبر والنمو المتسارع لدولة الأمن القومي، عند قراءتك أخباراً عن هيجل ستعتقد أن الجيش كان مجموعة عاجزة ومظلومة ومحبطة تقع تحت سيطرة بُلهاء ميؤوس منهم في البيت الأبيض. (ولم يشار أبداً أنه - من الناحية الدستورية - فهذا ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة، بغض النظر عمن يشغل المكتب البيضاوي كقائد عام).

في الواقع، هناك دلائل على أن الجيش رغم إحباطه – وكيف لا يكون محبطاً بعد السنوات الثلاث عشرة الأخيرة من الحرب الأمريكية وآفاق الصراع الأخير في الشرق الأوسط؟ - قد ارتفعت أسهمه أكثر من أي وقت مضى في عاصمة البلاد.

وفي هذا السياق، فإن الشخص الذي يجب التركيز عليه هو رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارتن ديمبسي. إذا فقدَ هيجل ثقة الرئيس - وفقاً لتقارير عديدة - فديمبسي هو الذي جناها. إذا كان هيجل لم يفهم سياسات الرئيس، فلا يمكن أن يقال المثل عن ديمبسي. لقد أدلى بشهادته وسط جو عاصف أمام الكونجرس وقال تعليقات هامة على سياسة الحرب في الشرق الأوسط. على الرغم من أنه رئيس "الأركان" فقط، فقد بدا على نحو متزايد وكأنه وزير الدفاع المدني الحقيقي، حيث تحدّث علناً حول قضايا السياسة الخارجية، بما في ذلك علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل وأهمية جعل القوات الأمريكية متاحة لمهام القتال الفعلي في العراق. (وهو، بطبيعة الحال، أمر قد استبعده الرئيس بشكل قاطع). لقد تحدث أيضاً بطريقة لم تكن معهودة بالنسبة للقادة العسكريين في نظام حكمنا المدني. لقد اختلف مع الرئيس بأدب في عدد من المناسبات. وينسب له أيضاً إقناع أوباما بإطلاق الضربات الجوية الأولى للحرب الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط.

ويبدو واضحاً أن القيادة العسكرية العليا قد كافحت مع هذا الرئيس حول سياسة الحرب منذ عام 2009، عندما برزت على السطح مجموعة شرسة من مواضع الجدل حول كيفية "زيادة الأعداد" تماماً في أفغانستان، وهو الصراع الذي سمّاه الرئيس "الحرب الصحيحة" في حملته الانتخابية. إلا أن الاعتقاد بأن الجيش المحبط بوضوح بسبب حروبه والقيادة العليا التي تخشى الآن حملة أخرى على الطريق في العراق وسوريا، يقع تحت سيطرة الرئيس وفريقه للأمن القومي الذي يتميز بالانعزالية، لهو خلط للخيال بالواقع. 

تجربة فاشلة في الحرب: قبل كل شيء، من العجيب أن هؤلاء الصحفيين والمعلقين الذي يكتبون حول الأمر لم يعربوا عن ذهولهم حول التفكير المقبول في واشنطن حول الحرب، على الطريقة الأميركية. كانت عاصمة البلاد تُجري تجربة في صنع الحرب لأكثر من ثلاثة عشر عاما: كانت هناك غزوات واسعة النطاق واحتلال، ونضالات لمكافحة التمرد استمرت سنوات، وعمليات اجتياح خاصة من كل نوع، وتطبيق القوة الجوية الساحقة بمجموعة متنوعة من الطرق، بما في ذلك التدخل الجوي في ليبيا، وحملات اغتيال بطائرات دون طيار عبر أراضي الشرق الأوسط الكبير، وإطلاق صواريخ كروز، بل وحتى الحرب الإلكترونية الأولى في التاريخ. جرى إنفاق تريليونات الدولارات. وتم نشر القوات الأميركية إلى مناطق الحرب مراراً وتكراراً. قُتل ما يقرب من 7 آلاف أمريكي (في حين أن الآلاف من جنود الخدمة الفعلية والاحتياط  قد انتحروا، في نفس الفترة)؛ وأصيب عشرات الآلاف من الأمريكيين في القتال، وقتل مئات الآلاف من المدنيين ومقاتلي العدو في مناطق الحرب تلك، وشُرّد الملايين من الناس وأرسلوا إلى منفى داخلي أو أجبروا على الخروج من بلادهم. وفي خلال كل هذا، تزعزع استقرار أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط الكبير- ومؤخراً أفريقيا - بطرق مدمرة.

يمكنك أن  تفكر في الأمر على أنه تجربة راديكالية تنطوي على ما سماه آخر رئيسين لبلادنا "أعظم قوة من أجل الحرية في تاريخ العالم" و"أفضل قوة مقاتلة عرفها العالم". وعلى الرغم من الحروب والعمليات الجارية في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن والصومال، وغيرها من الأماكن، التي تجرى فيها نتائج تلك التجربة، لا توجد أي حرب ، أو تدخل عسكري، أو صراع طفيف شارك فيه الجيش الامريكي في هذه السنوات قد  اقترب من تحقيق الأهداف التي وضعتها واشنطن، وأتى معظمه بكوارث محققة. بل تقريباً في كل هذه الحالات جعل التدخل العسكري – مهما كانت طريقته – الأمور أسوء حالاً، حيث زاد من حالة عدم الاستقرار في البلد أو المنطقة التي جرى فيهاـ وأدّى إلى خلق المزيد من المتطرفين والإرهابيين.

تخيّل للحظة مختبراً يدير سلسلة من التجارب لمدة ثلاثة عشر عاماً متتالية، في كل جانب تقريباً، وينتقل من كل فشل زريع إلى آخر، ثم يروّج للمجربين ويوافق على السماح لهم بتكرار العملية من بدايتها. هذا من شأنه أن يتحدّى المنطق في أي مكان سوى واشنطن.

والمختصر: إنّه بعد ثلاثة عشر عاماً، لا يزال حزب الحرب في تصاعد. فهو يسيطر على الكونجرس. وواضح أن الرئيس يضع رهانه على الحرب، حتى مع تردده المعتاد. وتظهر في الأفق نهاية كل المطالبات بخفض ميزانية البنتاجون بشكل كبير. وهناك المزيد من ذلك قادماً بلا شك، بغض النظر عمّن يفوز في انتخابات عام 2016.

تلك هي واشنطن "الجديدة". أمّا وقت السلم؟ فهو خيال خلقه اليساريون والليبراليون والبلهاء. والسلم؟ إنّها كلمة قذرة لا يستخدمها سياسي يحترم نفسه.

في الوقت نفسه، يتضرع صقور الحرب من أجل المزيد. ففي الوقت الحالي، تركز كل الضغوط في واشنطن على حروبها وأزماتها المتصاعدة. فحرب العراق الثالثة وحرب سوريا الأولى سيجرى التوسع فيهما. كما أن أفغانستان تبدو وكأن الحرب بها في التصاعد. ويتزايد الضغط لإشعال الحرب الباردة الثانية، ولضمان أن المفاوضات مع إيران حول صفقة نووية لن تكون مثمرة. حروب الطائرات بدون طيار جارية. وتنطلق غارات القوات الخاصة. بعد ثلاثة عشر عاماً، لا نزال نطفو على ما يبدو أنه مدّ متزايد – وليس منحسراً – للحرب، وأحد أهم صفات وزير الدفاع الجديد أن يكون محارباً ساخناً – وليس بارداً.

هذا هو التعريف العملي للسياسة المفلسة، إلا أنه يمكنك أن تقرأ حول التغييرات الأخيرة في مؤسسة الحرب في واشنطن حتى تمقق عينيك ولن تفهمها.

علينا تهنئة حزب الحرب إذن. في مواجهة ما يبدو واقعاً عنيداً، فقد اتقن ذلك الحزب  بطريقة أو بأخرى نظام دفع للحرب مثل الحلم (على الرغم من أن البعض قد يطلق عليه كابوساً). عندما يتعلق الأمر بالحرب، وبعبارة أخرى، فإن واشنطن معزولة تماماً عن الفشل. قد تكون هناك 17 فرقة استخبارات رئيسية متشابكة في المدينة، ولكن لنطمئن، ليس هناك أي استخبارات في الأفق. فلنحتفل!

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب