لماذا ستستمر الحكومات الإسرائيلية في التساقط؟

مقال رأي

سقطت الحكومة الثالثة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وستجري الانتخابات الجديدة في 17 مارس 2015. في الواقع، لم تستطع حكومته التي تكونت من أطراف لديها أجندات وأولويات مختلفة، بل وأحياناً متعارضة، أن تظل متماسكة. فعلى سبيل المثال، التزم حزب وزيرة العدل السابقة، تسيبي ليفني، (حزب هتنوعا) بعملية السلام وبدولة فلسطينية مستقلة، بينما عارض ذلك الحل بشكل صريح حزب "البيت اليهودي" الخاص بوزير الاقتصاد نفتالي بنيت وعدة أعضاء آخرين من حزب الليكود بالكنيست. وتصارع في ذات الوقت وزير المالية، يائير لابيد، الذي ينتمي لحزب "يش عتيد،" مع نتنياهو حول السياسة الاقتصادية.

لكن حل الحكومة الائتلافية ليس جديداً على المشهد السياسي الإسرائيلي. بل في الواقع ومنذ العام 1996، نجحت حكومة واحدة لنتنياهو (الحكومة الثانية: من 2009 إلى 2013) في إتمام فترتها كاملة دون حل. فالمشكلة عميقة جداً في نظام إسرائيل الانتخابي، ما يعني أنها لن تختفي بعد إجراء انتخابات جديدة.

تعمل إسرائيل انتخابياً كمنطقة واحدة؛ حيث تتم الانتخابات على 120 مقعد برلمانى على أساس أحد أفضل صور التمثيل النسبي في العالم. وتحتاج الأحزاب لتحقيق حد أدنى ضئيل من الأصوات – تم زيادته من 2 بالمئة إلى 3.25 بالمئة هذا العام – للحصول على مقعد. بينما يختار المصوتون من بين مجموعة من القوائم (تتكون من أعضاء الأحزاب المرشحين للكنيست أو أعضاء تحالفات انتخابية مكونة من حزبين أو أكثر). وهي قائمة مغلقة؛ فلا يمكن للمصوتين أن يغيّروا أسماء أو ترتيب أعضائها، والتي يحددها إجراءات حزبية داخلية.

يمكن تتبع النظام الانتخابي الإسرائيلي وصولاً إلى المنظمة الصهيونية العالمية، والتي تأسست في نهايات القرن التاسع عشرة. ففي تلك الفترة، شعر القادة الصهاينة بحاجة عاجلة لضم أكبر عدد ممكن من الجماعات اليهودية المتفرقة حول العالم إلى المنظمة، ولتحقيق ذلك اختاروا نظام التمثيل النسبي. فقد تبنّى الصهاينة، في المجتمع اليهودي في فلسطين قبل قيام الدولة، نفس الإجراءات عندما أسسوا مؤسساتهم السياسية. وعند قيام الدولة عام 1948، نقل قادتها ببساطة هذه القواعد المنظمة إلى الدولة الجديدة (في البداية كإجراءات مؤقتة، ثم أصبحت دائمة بعد ذلك).

وكانت النتيجة أن النظام السياسي لإسرائيل يتضمن مجموعة واسعة من المكاسب. فأصبح من الشائع أن يجري 30 حزباً أو أكثر حملاتهم الانتخابية معاً أثناء الانتخابات وأن يحصل 10 أحزاب أو أكثر على تمثيل برلماني في الكنيست. وهو ما يعني أن أياً من الأحزاب لم يحقق أغلبية المقاعد (61) أو كوّن حكومة بمفرده. فقد وجد حزبي العمل اليساري والليكود اليميني، وهما أكبر الأحزاب السياسية الإسرائيلية، مصاعب في تجاوز خلافاتهم الشخصية والسياسية، فسعى كل منهما للحصول على دعم الأحزاب الأصغر والأكثر تركيزاً كشركاء رئيسيين في الحكومة. وقد نوت تلك الأحزاب بشكل واضح أن تدعم أي حزب كبير يدفع ثمن طلبه.

لن تكون انتخابات 2015 مختلفة. رغم استحالة التنبؤ بنتيجتها في هذا المرحلة المبكرة، حيث لم تبدأ الحملات الانتخابية بعد، إلا أنه من المرجح أن تستمر نفس الاتجاهات العامة التي رجّحت كفتها في الأعوام الماضية.

يشير الاعتقاد السائد في تلك المرحلة إلى أن الحكومة القادمة سوف تكون أكثر يمينية. يرجح أن حزب الليكود  الخاص بنتنياهو سيحافظ علي أغلبيته النسبية من الأصوات. وبما أن الأحزاب الوسطية (مثل "يش عتيد" و"هتنوعا") لا تحصد الكثير من الأصوات، فيمكنه الاعتماد على حلفائه "الطبيعيين،" وهم الأحزاب اليمينية المتشددة مثل "يهودوت هتوراة" و"شاس،" في بناء الحكومة.

ولكن حتى عندما يفعل ذلك سيحتاج نتنياهو لضم أحزاب يمينية أخرى لتحقيق المعادلة، ومنها حزب "البيت اليهودي" وحزب وزير الخارجية أفيجدور ليبرمان "يسرائيل بيتنو-إسرائيل بيتنا." وهنا تبدأ المشكلة؛ فهناك خلافات كبيرة بين بنيت وليبرمان حول السياسات من ناحية ومع الأحزاب المتشددة من ناحية أخرى. فكلاهما يريد تقليل السيطرة المتشددة على الشؤون الدينية في البلاد، ويريد ليبرمان تقليل سيطرتهم على قوانين الأحوال الشخصية. وقد تؤدّي الخلافات المحتملة بين تلك الأطراف إلى انهيار حكومة أخرى.

إلا أن المصوتون الوسطيون يتطلعون إلى حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، أكثر من المشكلات الأمنية. لقد كانوا منفتحين تجاه السياسات اليسارية، لكنهم يرغبون أيضاً في دعم أحزاب الوسط ويمين الوسط، أو المزيد من الأحزاب بعرض المشهد السياسي، إن استطاعت تقديم حلول مختلفة. وهو ما يفسر ذلك الارتفاع المثير في دعم أحزاب "يش عتيد" و"البيت اليهودي" عام 2013، من هؤلاء الذين لا يشاركون الحزب هويته الدينية الصهيونية. كان يمكن لحزب "يش عتيد" أن يحصل على 19 مقعداً في تلك الانتخابات، ولكن نادراً ما تبقى الكتلة التصويتية الوسطية على وضعها. والأحزاب الجديدة بشكل عام ليس لديها دعم مؤسسي أو عميق، ويقودها أفراد حققوا شهرة في وقت ما. وعندما تنخفض شعبية هؤلاء الأفراد تنخفض معها شعبية أحزابهم. وحزب "كاديما" هو الحزب الوسطي الوحيد الذي حقق نتائج انتخابية مرضية في أكثر من انتخابات، فقد حصل على 29 مقعداً في انتخابات 2006، و28 مقعداً في انتخابات 2009 قبل أن يهبط إلى مقعدين في 2013.

في الانتخابات المبكرة، قبل انتخابات السنة القادمة، انخفضت شعبية حزب "يش عتيد،" بينما ارتفعت شعبية حزب وسطي جديد، حيث اقترعوا حول عشرة مقاعد. ويقود الحزب الجديد عضو الليكود السابق موشي كهلون. ويُعرَف كهلون، ذي الجذور السفردية، بتركيزه على المشكلات الاقتصادية ودعوته لتوزيع أكثر عدلاً للموارد، لكنه أكثر ميلاً نحو اليمين عند التعامل مع الصراع. ويشابه خطاب كهلون خطاب لابيد عام 2013؛ ما قد يؤدي لاجتذابه لأصوات الليكود، و"يش عتيد"، وحزب العمل، لكن يمكن توقع أنه سيشارك في حكومة الليكود إذا وجّهت له الدعوة. وستحقق مكاسبه المزيد من الإعجاب، إذا بدأت المخاوف الاقتصادية في التغلب على المخاوف الأمنية وسط قطاع أوسع من الإسرائيليين. حيث حدث ذلك بالفعل عام 2011، عندما أطاحت العدالة الاجتماعية بالمشكلات الأمنية في أجندة الحكومة. وقد يؤدّي اضطراب محلي مشابه لتكرار الوضع، في ضوء عدم تحسن الأوضاع الاقتصادية بالنسبة للطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل.

وعلى الناحية الأخرى، قد يساعد العنف الإسرائيلي الفلسطيني المتجدد أحزاب اليمين، وكذلك قد يساعدها اتفاق نووي أمريكي إيراني أو هجوم إسرائيلي على إيران. لكن هناك ضجر عام من نتنياهو والليكود، والذين كانوا في السلطة لعدة سنوات حتي الآن، وهو ما سيكون له تأثير أيضاً، بالإضافة إلى الصراع الداخلي في حزب "البيت اليهودي"، حيث كان الحزب نتيجة اندماج حزبين. وسيكون لاندماج حزب وسطي مع حزب يساري أو حدوث تغيرات في قائمة الليكود الانتخابية، كنتيجة للانتخابات التمهيدية القادمة، تأثيراته الخاصة. ولا يمكن التنبؤ إن كان الجمهور العربي سيصوت أم لا، وإن كان سيصوت فلمن. فمع زيادة الحد الأدنى للحصول على مقعد، أصبح على الأحزاب العربية الثلاثة أن تعمل معاً بشكل وثيق، وإلا ستخاطر بعدم الحصول على أية مقاعد.

العملية الانتخابية الاسرائيلية معقدة ومتقلبة، وهو ما يجعل متابعتها مثيرة، وكذلك التنبؤ بها إن أمكن. إلا أن طبيعة النظام وصعوبة إجراء إصلاحات انتخابات، بالإضافة إلى قوة الكتلة التصويتية الوسطية، يعني أنه أياً كانت نتيجة الانتخابات في مارس، سيتوجب على الحكومة أن تختلف عن حكومات السنوات الماضية حتى تُكمل مدتها دون حل.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب