لماذا قد ينخفض سعر النفط إلى ٢٠ دولار للبرميل

مقال رأي

يطرح الهبوط في أسعار النفط إلى النصف تساؤلين هامين، أين سيتوقف الهبوط؟ وإلى متى سيستمر؟ وبينما يصعب الإجابة على السؤال الأول بشكل مؤكد، إلا أن إجابة السؤال الثاني شديدة السهولة.

سيستمر الهبوط في أسعار النفط إلى أن يحدث أحد أمرين؛ أولهما، والذي يتوقعه معظم أصحاب الأعمال والمحللون، أن تعيد السعودية تأسيس قوة منظمة أوبك الاحتكارية بمجرد تحقيق أولي للأهداف الجغرافية السياسية أو الاقتصادية التي دفعتها لإحداث الهبوط. أما ثانيهما، والذي أوضحته في مقالة منذ حوالي أسبوعين، هو أن يتحرك سوق النفط العالمي نحو أوضاع تنافسية طبيعية حيث تحدد تكاليف الإنتاج الهامشية الأسعار، وليس السلطة الاحتكارية للسعودية أو لمنظمة أوبك. قد يبدو ذلك تصوراً بعيد الاحتمال، ولكنه كان بالفعل طريقة عمل سوق النفط لمدة عقدين منذ العام 1986 وحتى العام 2004.

أياً كان ما سيضع حداً أدنى للأسعار يمكننا أن نكون متأكدين أن الأمر لن يستغرق وقتاً طويلاً حتى تتكشّف حقيقته. ومن غير المعقول أن عدة أشهر من هبوط الأسعار ستمثل وقتاً كافياً للسعوديين لكسر المحاور الإيرانية الروسية أو لمقاومة النمو الإنتاجي للنفط الصخري الأمريكي. وكذلك يصعب تصديق أن سوق النفط سوف يتحول سريعاً من الخضوع لسيطرة أوبك إلى سوق تنافسي طبيعي. فعلى الأرجح سيخيب ظن مستثمري النفط المتفائلين الذين مازالوا يتوقعون أن ترتد الأسعار سريعاً لمستويات ما قبل الانتكاسة. لكن أفضل ما قد يتطلع إليه عمالقة النفط هو نطاق تداول جديد ومنخفض بشكل أساسي حتى تنتهي الحروب عديدة السنوات للسيطرة على الشرق الأوسط وحصص سوق النفط.

لكن السؤال الأهم الآن هو مدى اقتراب السعر الحالي (حوالي 55 دولار للبرميل) من نطاق التداول الجديد. يقدم تاريخ أسعار النفط المعدلة وفقاً للتضخم، حسبما يحددها مؤشر أسعار المستهلك، بعض الإشارات المثيرة للاهتمام. حيث يمكن تقسيم السنوات الأربعين التي تلت أول تحرك احتكاري لمنظمة أوبك إلى ثلاث فترات بارزة. أولها من العام 1974 إلى العام 1985، حين تذبذب مؤشر "ويست تكساس إنترميديات" الأمريكي بين 48 دولار و 120 دولار بالتناسب مع قيم عملات اليوم. ومن العام 1986 إلى 2004، تراوح السعر بين 21 دولار و48 دولار (بعيداً عن انحرافين أثناء الأزمة الروسية والحرب الإيرانية العراقية عام 1991). ومنذ العام 2005 حتى العام الحالي، حيث يتراوح سعر النفط مجدداً بين حوالي 50 دولار إلى 120 دولار، مثلما كان بين العامين 1974 و1985، مع استبعاد الارتفاعين الوجيزين للغاية أثناء الأزمة المالية العالمية بين العامين 2008-2009.

ما يميز الفترات الثلاث أن نطاق التداول خلال السنوات العشر الأخيرة كان مشابهاً جداً للعقد الأول لسيطرة منظمة أوبك بين العامين 1974-1985، لكن السنوات التسع عشرة بين 1986 و2004 مثلت نظاماً مختلفاً تماماً. حيث يبدو معقولاً أنه يمكن شرح الفرق بين هذين النظامين عن طريق انهيار سلطة أوبك عام 1985 والتحول من التسعير الاحتكاري إلى التسعير التنافسي خلال السنوات العشرين التالية، ثم أتبعها عودة التسعير الاحتكاري عام 2005 مع استغلال أوبك لارتفاع الطلب الصيني.

وعند استعراض تلك المراحل التاريخية، يبدو خط التماس بين النظامين الاحتكاري والتنافسي، عند مستوى أقل من 50 دولار بقليل، تقديراً معقولاً لنطاق التداول الجديد طويل الأجل. لكن هل سيمثل سعر 50 دولار حداً أدنى أم أقصى لسعر النفط في السنوات القادمة؟

هناك عدة أسباب لتوقع نطاق تداول جديد يتراوح بين 20 دولار إلى 50 دولار، مثلما كان في الفترة من 1986 إلى 2004. فالضغوط التكنولوجية والبيئية تخفض من طلب النفط على المدى البعيد وتهدد بتحويل الكثير من النفط عالي التكلفة الذي يوجد خارج الشرق الأوسط إلى أصول غير مستخدمة مثل احتياطيات الفحم الضخمة غير المرغوب فيها. وتتضمن الضغوط الإضافية من أجل خفض أسعار النفط رفع العقوبات المحتملة عن إيران وروسيا وإنهاء الحروب الأهلية في العراق وليبيا، وهو ما سيوجد احتياطيات نفطية إضافية في الأسواق العالمية أكبر من الخاصة بالسعودية.

ربما تمثل ثورة النفط الصخري الأمريكي أقوى برهان على عودة التسعير التنافسي. رغم أن النفط الصخري مكلف بشكل نسبي إلا أنه يمكن إيقاف وإعادة تشغيل إنتاجه بشكل أسهل وأقل تكلفة من حقول النفط التقليدية. وهو ما يعني أن المنقبين عن النفط الصخري سيحتلون موقع الصدارة في أسواق النفط العالمية بدلاً من السعوديين. ففي سوق تنافسي حقيقي سينتج السعوديون والمنتجون الآخرون منخفضي التكلفة أقصى ما يمكن إنتاجه بشكل دائم، بينما سيتوقف إنتاج النفط الصخري عند ضعف الطلب ثم سيعود إلى الانتاج عند قوة الطلب. ويقترح الأسلوب التنافسي أن تُمثل التكاليف الهامشية لإنتاج النفط الصخري - وتتراوح عادة بين 40 دولار و50 دولار - حداً أقصى لأسعار النفط عالمياً، وليس حداً أدنى.

ومن ناحية أخرى، هناك أيضاً براهين جيدة على أن تسعير أوبك الاحتكاري سيعاد تأسيسه بمجرد الوصول لقاع هذا الهبوط. فلدى أعضاء أوبك مصلحة قوية في عدم عودة التسعير التنافسي ويمكنهم تعلم العمل كمنظمة فاعلة مجدداً. ورغم أن تثبيت الأسعار يصبح أكثر صعوبة مع زيادة المنتجين الأمريكيين لحصتهم السوقية، إلا أن منظمة أوبك يمكنها أن تحاول فرض "نظام تسعير" إن استطاعت هزيمة العديد من منتجي النفط الصخري خلال العام القادم. ويمكن للتأثير الاقتصادي الكلي لهبوط الأسعار على النمو العالمي أن يساهم في هذا السعي عبر زيادة النشاط الاقتصادي وطلب الطاقة.

إذن أي التوقعين سيتحقق: نطاق التداول المتواضع بين 20 دولار و50 دولار على أساس التسعير التنافسي؟ أم يتحقق التوقع المتفائل بنطاق يتراوح بين 50 دولار و120 دولار على أساس استمرار هيمنة منظمة أوبك؟

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب