ما يُخيف جيش الصين: حرب الخليج عام ١٩٩١

مقال رأي

في عام 1991، شاهد ضباط الجيش الصيني الولايات المتحدة وهي تفكك الجيش العراقي، وهي قوة تفوق جيش التحرير الشعبي إلى حد ما من حيث خبرة المعارك، والتطور التقني. انتصر الأميركيون بإصابات كانت تافهة بالمعايير التاريخية.

وأدى ذلك إلى مرحلة من البحث داخل الروح. لم يكن جيش التحرير الشعبى الصينى متروك دون زعامة خلال مرحلة ثمانينيات القرن العشرين، ولكن وتيرة الإصلاح في القطاع العسكري لم تواكب تلك في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الصين. وبالنظر إلى أداء جيش التحرير الشعبى الضعيف في الحرب الفيتنامية الصينية عام 1979، فضلا عن انهيار الاتحاد السوفياتي، كان لا بد لشيء ما أن يتغير. وقدمت حرب الخليج الحافز والتوجيه لهذا التغيير.

التعلُّم

لفهم لماذا يهم حرب الخليج جيش التحرير الشعبى الصينى، نحن بحاجة إلى إلقاء نظرة سريعة على النظرية التنظيمية. تتعلم الجيوش بعدة طرق مختلفة؛ مثل التجارب والخبرات والتطعيم (أي بتطعيم الجيش بأعضاء آخرين من منظمات مماثلة)، والتعلم غير المباشر والفحص.

في عام 1991، كان جيش التحرير الشعبى الصينى يفتقر إلى أي خبرة في الحروب الحديثة، منذ الحملة الكارثية ضد فيتنام في عام 1979. كان يفتقر إلى الأموال ووسائل السياسية لإجراء هذا النوع من التدريبات واسعة النطاق اللازمة للحرب الحديثة. كما إن التطعيم أمر بالغ الصعوبة بالنسبة للمنظمات العسكرية الحديثة، حيث أنه قد أصبح ببساطة أمرا غريبا توظيف رقباء وعقداء من دول أجنبية.

إذا يبقى التعلم غير المباشر والفحص، وكلاهما ينطوي على محاولة لمعرفة أكبر قدر ممكن من البيئة (الفحص)، ومن تجارب الجيوش الأخرى. في عام 1991، وضحت حرب الخليج ما يُنجح (جيش الولايات المتحدة) وما لم يُنجح (الجيش العراقي). ليس من المستغرب إذا، في هذا السياق، أن حرب الخليج كان لها مثل هذا التأثير الكبير على جيش التحرير الشعبى الصينى.

المعدات

برزت مشكلة واحدة كبيرة على جانب المعدات.

بحلول عام 1990، كان التطور التقني لجيش التحرير الشعبى قد تدهور إلى درجة تمتع القوات العراقية بأفضلية كبيرة على نظرائهم الصينيين. وضمت القوة الجوية العراقية طائرات من طراز ميج-23 وميج-25 وميج-29، في حين اعتمد سلاح جو جيش التحرير الشعبي طائرات مقلدة لطراز ميج-21 صينية الصنع، وكذلك الطائرات القديمة مثل ميج-19. وبالمثل، فإن نظام الدفاع الجوي العراقي، والذي فشل في تحمل ضرر كبير خلال موجات هجوم الطائرات الأمريكية، كان يماثل على الأقل للنظام الذي وفرته الصين من حيث تطوره.

اكتشف الصينيون أيضا، من خلال حصولهم على الدبابات العراقية التي استولى عليها الإيرانيون في حرب الخليج الفارسي، أن الدبابات من طراز T-72S العراقية - التي لم تبرز أي تحد على الإطلاق بالنسبة للجيش الأمريكي - كانت متفوقة بشكل كبير عن الدبابات الصينية الموجودة. على الرغم من أن حرب الخليج لم تشمل قتالا بحريا مهما، لم يكن من الصعب أن نستنتج معاناة القطاع البحري من مشاكل محتملة كذلك.

تبدل التوازن بين الجودة والكمية ذهابا وإيابا عبر التاريخ. في الحرب الأهلية الصينية وفي كوريا، استفاد جيش التحرير الشعبى الصينى من التفوق العددي والفعالية التكتيكية لهزيمة (أو على الأقل للتعادل مع) خصوم أكثر تطورا من الناحية التكنولوجية. وفي فيتنام، أدى استخدام أنواع من التكنولوجيا المضادة للدخول إلى إضعاف الهجمات الجوية الأمريكية. تاريخيا، كان جيش التحرير الشعبى الصينى يأمل في أن الميزة العددية من شأنها أن تساعده في وضعه على قدم المساواة مع إحدى القوى العظمى، ولكن التحالف بقيادة الولايات المتحدة تفوق على القوات العراقية المتفوقة عدديا كما يقطع سكين ساخن في الزبدة. أثبتت حرب العراق أنه، على الأقل عند القتال التقليدي، فإن التوازن قد تحول بشكل كبير لصالح التكنولوجيا.

وساعد هذا الفهم لحرب الخليج في دفع جيش التحرير الشعبى الصينى إلى التحديث. اتخذت الصين خطوات فورية لتحديث التكنولوجيا العسكرية، وخاصة في القوات الجوية والبحرية، من خلال شراء الأجهزة السوفيتية الأكثر تقدما. ولأن روسيا كانت في حاجة إلى المال، فقد كانت حريصة على عقد صفقات، ولم تقلق كثيرا بشأن العواقب بعيدة المدى لنقل التكنولوجيا. حاولت الصين أيضا الحصول على التكنولوجيا ذات التطبيقات العسكرية من أوروبا، ولكن العقوبات المرتبطة بمذبحة ميدان تيانانمين عرقلت هذه الجهود. وأخيرا، سرعت الصين من الجهود الرامية إلى زيادة تطور البحث والتنمية في القاعدة العسكرية الصناعية الخاصة بها.

العقيدة

إلى جانب التغيرات التكنولوجية، جاءت التغييرات في العقيدة والتوقعات لكيفية وقوع الحرب. بدأ جيش التحرير الشعبى الصينى في التأكيد على القوة الجوية أكثر من القوة البرية، وعلى وجه الخصوص، درس احتمالية وقوع ضربة موجهة بعيدة المدى. تاريخيا، لم يتح لجيش التحرير الشعبى الصينى أبدا الفرصة لتنفيذ ضربة مميزة وراء خطوط العدو، على الرغم من تعاونه مع تشكيلات الجماعات المسلحة خلال الحرب الأهلية. والواقع أن جيش التحرير الشعبى الصينى يفتقر حتى الى خبرة مناورة "المعركة العميقة" التقليدية، التي يمكن لاستغلال الاختراقات فيها أن يعطي قائد المدرعة القدرة على تعطيل قيادة العدو وخدماته اللوجستية.

رغم أن حرب الخليج لم تثبت أن القصف العميق يمكن أن يحسم الحروب الحديثة، فإنه أوضح بما لا يترك مجالا للشك أن الضربة الموجهة بعيدة المدى يمكن أن تساعد في عرقلة عمليات العدو. بدأ جيش التحرير الشعبى الصينى على الفور تطوير قدرته في هذا المجال. زادت أهمية بحرية جيش التحرير الشعبي وسلاح جو جيش التحرير الشعبي بالنسبة للقوات البرية لجيش التحرير الشعبى (على الرغم من هذا له علاقة كبيرة باختفاء التهديد السوفييتي وتراجع أهمية كوريا الشمالية، بالإضافة إلى علاقته بالفهم الجديد للتكنولوجيا)، وكلاهما بدأ التركيز على المنصات التي تتيح فرص ضربات طويل المدى. بدأ السلاحين أيضا في التحول إلى أن تكونا من أعداد أقل بأنظمة تكنولوجية أعلى.

الاستنتاج

هل بالغ الصينيين في رصد الآثار المترتبة على حرب الخليج؟ نعم، ولا. أوضحت المنح الدراسية المنقحة حول حرب الخليج أنه على الرغم من تأثير "الصدمة والرعب"، قام التفوق العسكري التقليدي للتحالف بتدارك الأمر. كانت للقوات الأمريكية والبريطانية مزايا فنية كبيرة، ولكن كان لديهم أيضا تدريبا أفضل بكثير من العراقيين، على الرغم من تجربة الحرب بين إيران والعراق. مهدت الحرب الجوية الطريق لانتصار التحالف، ولكن الائتلاف كان لا يزال في حاجة إلى أن يتفوق في حرب المناورة التقليدية من أجل تحقيق النجاح.

قدمت حرب الخليج لصناع القرار العسكريين والمدنيين في الصين مثال حي لما تبدو عليه الحرب الحديثة، بل وأعطت بعض الدروس حول كيفية القتال (وكيفية عدم القتال) في المستقبل. أصبح جيش التحرير الشعبى الصينى منظمة أكثر تطورا بشكل جذري – إلى جانب  فعالية أكثر بكثير في القدرة على التعلم- مما كان عليه في عام 1991. ولكن لا يزال علينا أن نرى كيف سيبدو الأمر في قتال حقيقي.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب