مجلة ذا أتلانتيك الأمريكية: التعذيب هويتنا

مقال رأي

أعلن الرئيس أوباما، هذا الأسبوع، في رده على تقرير مجلس الشيوخ حول استجوابات "سي أي إيه" أن التعذيب "يناقض ما نحن عليه". وأضاف نائب ولاية ماين في مجلس الشيوخ، السيناتور أنجس كينج، أن "هذه ليست الولايات المتحدة. هذا ليس ما نحن عليه" وحسب كلام عضو الكونجرس عن ولاية كنتاكي، جون يارموث، "نحن أفضل من ذلك".

لا، في الحقيقة نحن لسنا كذلك. هناك شيء عجيب في أن يكون رد الفعل نحو الوثيقة البالغة 600 صفحة التي تصف بالتفصيل التعذيب الممنهج الذي مارسته حكومة الولايات المتحدة، هو إعلان أن أمريكا الحقيقية – تلك التي تملك قيماً جيدة - لا تمارس التعذيب. إنها تبرئة تتخفى في صورة غضب. تصور أن شخصاً يضربك ثم عند مواجته بالأدلة يعلن "هذا ليس حالي" أو "لم يكن هذا هو أنا الحقيقي". سيكون رد فعلك تنويعاً على "أقسم أنه بدا أنه أنت عندما بدأت في لكم أنفي". البلد كما الشخص هو ما يفعله. 

إن المعنى الضمني في تصريحات أوباما وكينج ويارموت هو أن هناك في أمريكا أساسيات أخلاقية وأن سي آي إيه قد لوثت نقائها. ولكن ذلك سخف. لم غزوا كائنات الفضاء الخارجي أمريكا يوم تسعة نوفمبر. في أوقات الخوف والحرب والضغط دائماً ما فعل الأمريكيون أشياء مثل هذه. في القرن التاسع عشر، اعتمدت منظومة العبودية في أمريكا على التعذيب وفي بداية القرن العشرين عندما كانت أمريكا تعمل على تجميع امبراطوريتها في الخارج مارست القوات المسلحة الأمريكية الإغراق بحق الفلبينيين خلال الحرب الأسبانية الأمريكية، وكجزء من برنامج فينيكس وهو محاولة لجمع المعلومات خلال حرب فيتنام فإن المحققين الذين دربتهم سي آي إيه صعقوا الأعضاء التناسلية لبعض الشيوعيين الفيتناميين واغتصبوا وجوعوا وضربوا آخرين. 

مارست أمريكا التعذيب عبر تاريخها وفي كل مرّة برر بعض الأمريكيين هذه الوحشية على أنها ضرورية لحماية البلاد من عدو متوحش بينما وصفها آخرون بأنها غير مجدية وغير أخلاقية. في لحظات مختلفة كان ميزان القوة بين الطرفين يتحرك. ولكن لا يتحدث أي من الطرفين نيابة عن "أمريكا الحقيقية" فأمريكا الحقيقية دائماً ما تتضمن الطرفين. أخلاقياً نحن في تعددية. 

لماذا يهم هذا الأمر؟ لأنه عندما تدّعي أن الولايات المتحدة أخلاقية بشكل جوهري وأن التعذيب بالتالي يمثل انحرافاً فإنك تقوض الحرب على تلك الممارسات. لا يوجد حس أخلاقي جوهري يدفع قيادات أمريكا لاحترام حقوق الإنسان. على العكس فإن النظام السياسي للولايات المتحدة مبني على إدراك أنه بما أن الأمريكين، مثل جميع البشر، مخلوقات خاطئة وستسيء استغلال السلطة فإن أفضل طريقة لوضع حد لهذا الانتهاك هو التأكد من أن السلطة مقسّمة ومتوازنة. في القرن العشرين، عندما ساعد رؤساء أمريكا على إنشاء عصبة الأمم أولاً ثم الأمم المتحدة كانوا يدركون أنه – وبشكل محدود أكثر بكثير - على الولايات المتحدة أن تستسلم للقوانين الدولية والمؤسسات التي تحد من قوتها خارج البلاد. وقد أتى ذلك جزئياً من الاعتقاد أنها بربط نفسها بأنظمة من القوانين المحلية والدولية فقط تستطيع الولايات المتحدة أن تتصرف بشكل يختلف عن الإمبراطوريات الشمولية التي تعارضها. أخطر جوانب الشمولية كما كتب أرثر شلسينجر في "المركز الحيوي" كان محاولتها "أن تسيل الحس المأسوي الذي يعطي الإنسان شعوراً بمحدوديته".

أكثر المفكرين حكمة صالحوا الرغبة الوطنية في الشعور بالتميز مع معرفة أن الأمريكيين مخطئين مثل غيرهم. 

إن كون الشخص سياسي أمريكي ناجح اليوم يتطلب أن يعلن أن أمريكا مختلفة ومباركة واستثنائية. وبالتالي عندما تمارس الدول الأخرى التعذيب فإن ذلك يعكس شخصيتها الأساسية. عندما نعذب فذلك ينتهك شخصيتنا. ولكن أكثر المفكرين الأمريكين حكمة وجدوا طريقة للتوفيق بين هذا الاجتياح لشعور الخصوصية مع إدراك أن الأمريكين كبشر هم خاطئين كما هو حال الآخرين. في منتصف القرن العشرين، قال أشخاص مثل شلسينجر ورينولد نيبهر إنه بشكل متناقض كلما أدرك أمريكيون أكثر أنهم خاطئين وحجموا ذلك داخل الأنظمة القانونية كلما أثبتت أمريكا تفوقها على الأنظمة الشمولية التي ترفض تلك القيود.

عندما كان جورج دبليوبوش يعلن، بعد 11 سبتمبر، أن الله وكل أمريكا كي تنشر الحرية حول العالم كانت حكومته تمزق القيود المحلية والدولية ضد التعذيب والتي بنتها عبر عقود، وتحقن المساجين بالطعام عبر فتحة شرجهم. تلك الأفعال لم "تناقض ما نحن عليه" بل كانت تجسيداً لما نحن عليه. وكلما اعترفنا بذلك كلما كانت فرصنا أكثر في أن نتحول إلى شيء مختلف في السنوات القادمة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب