مظاهرات البحرين المستمرة والمنسية

مقال رأي

في فبراير عام 2011، كانت دولة البحرين أكثر دولة من حيث عدد المتظاهرين بالنسبة لعدد السكان في دول الربيع العربي. وبالرغم من أن طوال العقد الماضي لم تكن المؤسسات الأمنية  – رغم اهتمامها بالسياسة –   تكاد ترى، إلا أن  في منتصف مارس عام 2011  كانت قوات الأمن – في غضون أيام –  قادرة على قمع هذه الأحداث والمظاهرات وضمان بقاء النظام.

كيف يمكن تفسير ذلك؟ وما هي العواقب النهائية لعودة أمن الدولة في البحرين؟ هذا ما سوف نراه.

بالطبع فإن خروج متظاهرين ضد النظام في البحرين وقمع تلك المظاهرات لا يعد ظاهرة غريبة. فلقد  شهدت البحرين عبر تاريخها الحديث العديد من التحركات المعارضة التي سرعان ما تسحق نتيجة القمع القاسي ومنح سلطات استثنائية للأمن تنهي فعالية تلك الدورات من الاحتجاج. في عام 1956 تم اعتقال ونفي وسجن في البيوت لقادة حركة “الإصلاح غير الطائفي” المتمثل في أعضاء اللجنة التنفيذية العليا. وفي عام 1965تم قمع انتفاضة واسعة تمثلت في إضراب عمالي كبير شل أجزاء رئيسية من الاقتصاد. وفي أعقاب ذلك، عينت الحكومة البريطانية ضابط شرطة استعماريًا اسمه أيان هندرسون، كرئيس لجهاز الأمن البحريني. وهو مشهور بأنه قد شارك في قمع تمرد الماو ماو في كينيا في خمسينات القرن الماضي، وهو الذي أشرف على إنشاء وحدة تحقيقات خاصة لتعقب المعارضين المحليين. وكانت هذه الوحدة الأساسية في حماية النظام الحاكم بعد أن هدم  الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة التجربة البرلمانية 1973-75، وألغى البرلمان.

حتى أواخر السبعينات من القرن الماضي فإن المعارضة الرئيسية للآل خليفة كانت تتركز في القوميين العرب الثوريين والشيوعيين، وإلى حد ما كان كلا الفريقين قاعدة عابرة للطائفية والعرقية – أي ليس لها قاعدة لا طائفية ولا عرقية – مع الأخذ في الاعتبار أن كل تجمعات المواطنين كانت تخضع للمراقبة.  ولكن مع أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، بدأ المد الشيعي يظهر بقوة في حركات المعارضة في البحرين، بدأت قوات الأمن والشرطة استهداف قرى الشيعة ومناطق  تواجدهم خارج المدن بصورة غير منتظمة، ثم تم تكثيف ذلك خلال انتفاضة 1994-99.  ولكن ما يثير الاهتمام والفضول، أنها كانت  الفترة الوحيدة التي سمح بها بالحراك السياسي الرسمي في البحرين والتي توقفت فيها الحملات الأمنية  ولم يطبق الأحكام العرفية. بدلا من ذلك، أدى وصول الملك حمد بن عيسى آل خليفة إلى العرش لعفو عام عن السجناء والمنفيين السياسيين، وإجراء إصلاحات سياسية محدودة. أما في السنوات الأولى من القرن الجديد  فقد اتخذت الأجهزة الأمنية  إجراءات الهدف منها أن تعمل بصورة أقل ظهورًا للعيان، وأن تقلل من التعذيب، والذي كان  ممارسة شائعة قبل عام 1999، بل وتوقف إلى حد كبير كإجراء عقابي ضد المعتقلين السياسيين.

لقد كان جواب النظام على انتفاضات 2011 واضحًا وصريحًا ألا وهو الحل الأمني مرة أخرى، بل لقد ارتفعت أصوات أعضاء الأسرة الحاكمة المتخذة الحلول الأمنية منهجًا. ونذكر أنه في 17 فبراير 2011وعلى ما يبدو فإن  قوات الأمن قد تراجعت وتركت الشارع البحريني للمحتجين. ولكن وبعد أقل من شهر، أعلنت حالة الطوارئ، ونقل مجلس التعاون الخليجي قوات أساسية من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، وبدأت قوات الأمن أكبر حملة في تاريخ الجزيرة. وفي الوقت الذي كان فيه  ولي عهد البحرين الأمير سلمان بن حمد آل خليفة يقوم  بمحاولة للتوصل إلى اتفاق عن طريق التفاوض مع المعارضة وأعضاء آخرين من عائلة آل خليفة، كانت الأجهزة الأمنية  تستعد للحل الأمني وقمع الاحتجاجات الواسعة  كما في عام 1956، 1965 و 1975، وبالفعل قبضت هذه الحملة وسجنت العديد من المنشقين والذين يشتبه في أنهم من النشطاء السياسيين في السجن، وتم نفي جيل جديد من النشطاء والأصوليين  حتى إن بعضهم بدأ في الدعوة إلى استخدام العنف كأداة ثورية.

 

إن عنف هذه الحملة على المعارضة  ممكن تفسيرها في إطار سيطرة الجناح المتعصب داخل الأسرة الحاكمة، لأنها شعرت أنه بدون ذلك الحسم الأمني فإن تلك الاحتجاجات من الممكن أن تهدد مكانتها داخل الأسرة. هذا الفرع المتعصب في الأسرة يتمثل في رئيس الوزراء خليفة بن سلمان، ومركز في فرع الخوالدة من عائلة آل خليفة، إن فرع الخوالدة ينبع من فرع آخر من عائلة آل خليفة مختلف عن فرع  الملك وولي العهد، إنهم أحفاد خالد بن علي آل خليفة ويشعرون أنهم  محرومون من وراثة العرش. في حكم البريطانيين تم تهميشهم ولكن بدأت أهميتهم تتزايد على مدى العقد الماضي واصبح أهم المناصب الرئيسية تحت إدارتهم مثل: وزير الديوان الملكي خالد بن أحمد آل خليفة، قائد قوات دفاع البحرين خليفة بن أحمد آل خليفة، وزير العدل خالد بن علي آل خليفة، كل هؤلاء خوالدة. وكانت استقالة  رئيس الوزراء خليفة بن سلمان – أحد الخوالدة الكبار – الذي ظل في منصبه منذ عام 1970 مطلبًا محوريًا من المحتجين الذين كانوا يطالبون باستقالته. في حين لم يكن هناك حديث عن الملك وابنه ولي العهد، بل كان متوقعًا أن يستمر بقاؤهم يعزز  في إطار صفقات التسوية السياسية، وذلك في مقابل إضعاف جبهة الخوالدة بعزل رئيس الوزراء. وبالتالي فإن “الحل الأمني” الذي فرض في وقت لاحق على البحرين، والذي أدى إلى نفي وسجن الآلاف من الناس، والمسؤول عن مقتل العشرات، كان في حقيقته نتيجة انقسام النخبة.

ومع ذلك فإن البحرين لا تستطيع أن تسير في طريق الحل الأمني بدون الدعم الخارجي، والذي لعقود دعم الأجهزة الأمنية، ووفر غطاءً سياسيًا لانتهاكات حقوق الإنسان والحكم الاستبدادي. لذا وعلى الرغم من أعداد المتكاهرين الكبيرة، فلا يمكن للمتظاهرين أن يصمدوا أمام حملة القمع التي شنتها قوات الأمن عسكريا. وعلى الرغم من أن النظام يدعي العكس، فإن الغالبية العظمى  منهم إن لم يكن جميعهم عزل. إن جغرافية الجزيرة الصغيرة مع عدم وجود مخابئ طبيعية لا تصلح للكفاح المسلح. بالإضافة إلى ذلك، العدد الرهيب من قوات الأمن بالإضافة إلى الآلاف الذي تم تعيينهم منذ عام 2011. وتكوين تلك القوات المعتمد أساسا على أجانب وضباط مجنسين، يجعلهم لا يشعرون نهائيا بالتعاطف مع المتظاهرين ويكون من الصعب عصيانهم للأوامر. وأيضا تعاون القوات الخاصة من الأردن عززت ذلك التوازن العسكري إلى أبعد مدى لصالح النظام. والنتيجة  عزز النظام الخطاب الطائفي والانقسامات الطائفية وقسم الجزيرة إلى أقلية وأكثرية معتمدًا على الطائفية، كفل ذلك الأمر أن غالبية السكان شعرت بالاغتراب، بالرغم من أن عددًا كبيرًا من المواطنين السنة دعم وقبل بذلك، أو على الأقل قبلَ ضمنيا ذلك.

بشكل حاسم، ظلت أي إدانة دولية لحملة القمع محدودة، بسبب الغطاء السياسي من قبل دول مجلس التعاون الخليجي والحلفاء العرب السنة وآخرين (مثل الأردن وباكستان)، فضلا عن شركاء الأعمال الغربين لدول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة القوة الاستعمارية القديمة بريطانيا، ضمنت  أن العقوبات أو أي عواقب وخيمة أخرى في الساحة الدولية لن تتحقق. وقد ساعد البحرين أيضا العدد الهائل من الأحداث التاريخية في العالم التي حدثت في فترة قصيرة من الزمن، لذا فقد تحول الاهتمام سريعًا إلى أماكن أخرى في مارس 2011. ولا سيما إلى ليبيا، حيث الانتفاضة ضد معمر القذافي قد ارتفعت وتيرتها  في الواقع، ونجد الاعتراف بذلك في مذكرات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون عندما قالت: “أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد هددت بالانسحاب من التحالف ضد القذافي إذا الولايات المتحدة اتخذت موقفا أكثر شدة”.

كما قامت قوات الأمن منذ عام بتعزيز الانشقاقات الطائفية في المجتمع عن طريق عزل مناطق سكنية وضربها بالغاز كل فترة كعقاب جماعي للساكنين، ثم محاصرة طرق كاملة وضرب نقاط تفتيش أمني عليها، وفصل بين المناطق الحضارية والمناطق الحديثة الجديدة و فصلها عن المناطق الريفية، والتفرقة بين المنطاق التي شاركت في الانتفاضة وبين المناطق الأخرى من حيث مستوى الخدمات، وأصبح ذلك هو الملمح الرئيسي في الجزيرة. إن هذه الممارسات هي نتيجة للتحولات الجغرافية الحضرية في البحرين على مدى العقود الماضية، التي شهدت استصلاح مناطق ضخمة من الأراضي في البحر والمضاربة العقارية التي تمت عليها. وكان لهذه التطورات تركات سلبية على القرى التي كانت في السابق عن طريق البحر وعلى نوعية الحياة في العديد من المجالات الأخرى مثل مستويات المياه الجوفية والتلوث وغيرها. في جوهرها فإن هذه “الثورة المكانية والديموغرافية” كما اصطلح على تسميتها، كانت المحرك الرئيسي للانتفاضة، لأن قوات الأمن  منذ عام 2011  كان لها رأي في استغلال التخطيط العمراني في قمع المتظاهرين وتعزيز الانقسامات المكانية.

 

منذ منتصف مارس 2011  اقتصرت الاحتجاجات على القرى والضواحي البعيدة على العاصمة (المنامة)، في حين أن المراكز الحضرية في المنامة والمحرق والمنطقة التجارية، منعت قوات الأمن بكل حسم أن يصل إليها المتظاهرون أو يتم تظاهر فيها، باستثناء الاحتجاجات الفلاش التي تحدث فجائية وتتفرق سريعا. لقد كان احتلال دوار اللؤلؤة محاولة ناجحة لفترة وجيزة في استعادة وجود مساحة مفتوحة عامة في بلد تهيمن عليه شركات التطوير العقاري الخاص والتجاري، ولكنه انتهى بتدمير نصب اللؤلؤة وإنشاء تقاطع مروري خاضع لحراسة مشددة. وبعد الحملة الثقيلة للشرطة التي تلت ذلك فإن المظاهرات أدت إلى مزيد من الانقسامات الراسخة في الجزيرة ودفعت بالاحتجاجات إلى أن تكون موضوعًا هامشيًا. ومع ذلك، فإنهم مستمرون بصورة يومية ودون أي حل سياسي في الأفق، ويبدو أنه من المرجح أن يستمروا في المتقبل المنظور.  وقد توقفت عملية الحوار التي شملت أجزاء من المعارضة، ويمكن القول لأن الأسرة الحاكمة لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة. وفي تطور مهم عزز الانقسام في الجزيرة الصغيرة فقد قاطعت المعارضة انتخابات  كل من المجالس البلدية ومجلس النواب.

يبدو أن شرطنة  البحرين على غرار العسكرة صعب أن تتراجع، وذلك لأنه يبدو أن هناك صراعًا بين فرع يحكم ولكنه يكافح لكي يسيطر وفرع آخر تفكيره أمني أكثر منه عقلاني لكنه مسيطر نتيجة الخوف الذي تحدثه المظاهرات. الآن الشيعة يتم تهميشهم  أكثر في مؤسسات الدولة الرئيسية، في حين أن تجنيس السنة مستمر. الشيعة الذين كانوا من دوائر صنع القرار للملك حمد وولي العهد في العقد الماضي، أصبحوا يوما بعد يوم أقل تأثيرًا في دعم الصراع الدائر على السلطة  داخل النظام. إن مؤسسات الأمن تعلمت أن تواجه بل وتتطور في مواجهة مظاهرات الدائمة والانتفاضات المستمرة. وهكذا الدافع للتوصل إلى حل سياسي  للمظالم التي أشعلت الانتفاضة في المقام الأول أصبحت أقل ثم أقل شدة، وخاصة في ظل الضغط الدولي المحدود على النظام.

 

 

مصدر الترجمة: 
Sasa Post