من أين تنطلق الطائرات الأمريكية التي تهاجم داعش؟

مقال رأي

من على متن حاملة الطائرات الأمريكية كارل فينسون في الخليج العربي، تنطلق أكثر من عشر طائرات من طراز F/A-18 كل يوم لمهاجمة أهداف للدولة الإسلامية دعما للقوات العراقية لاستعادة الاراضي التي فقدتها لصالح المتشددين في يونيو.

ويواجه هؤلاء الطيارون مجموعة من المخاطر المميتة خلال مهماتهم التي تستغرق ست ساعات ذهابًا وإيابًا، فصواريخ أرض-جو وغيرها من نيران العدو تتخفى بالأسفل، بعد تأكيد نبأ إسقاط مروحية عسكرية عراقية في وقت متأخر يوم الجمعة. ما يزال حوالي 60 بالمائة من أطقم الطائرات يتعلمون طبيعة المهام في جولاتهم القتالية الأولى.

ارتجل التحالف بقيادة الولايات المتحدة كيفية طلب العراقيين للدعم الجوي: تتحدث القوات العراقية عن طريق الراديو إلى المراقبين الجويين الأمريكيين في مراكز القيادة العراقية، والذين يتحدثون بدورهم إلى طيارين البحرية للمساعدة في تحديد الهدف المراد ضربه. وقال عسكريون إن وضع راصدين امريكيين مع القوات العسكرية سيكون أكثر فعالية، ولكنهم لم يوصوا بعد بتلك الخطوة مع العلم أن الرئيس أوباما سيعارضها.

كانت القوات العراقية مترددة خلال الأسابيع الأولى من الحملة الجوية التي بدأت في شهر أغسطس. تعلم المقاتلون من الدولة الإسلامية،سريعًا ألا يتحركون في أعداد كبيرة لتجنب إصابتهم. ولذا فثلاثة من بين كل أربع مهمات للطيارين الأمريكيين يعودون مع قنابلهم لعدم وجود أهداف مؤكدة.

ولكن في الأيام الأخيرة، أحرز العراقيون تقدمًا مما اضطر داعش على القتال أكثر في العراء. تقطع الهجمات الجوية خطوط إمداد المسلحين، مما أسفر عن مقتل بعض كبار القادة وتقويض قدرات داعش على ضخ وشحن النفط الذي تسيطر عليه.

يقول إريك دويل (41 عامًا من هيوستن) وهو طيار لطائرة F/A-18 هورنيت "إن الأمور لم تكن تسير على ما يرام لفترة من الوقت، ولكن يبدو أن الزخم قد تحول لصالحنا". وقد طار دويل من قبل في مهام قتالية في حربي العراق وأفغانستان.

أقلعت نحو ربع الضربات الجوية البالغ عددها 1200 في سوريا والعراق من حاملة طائرات، والضربات الأخرى من قواعد في جميع أنحاء الخليج، وهي رمز دائم على قوة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وبعد أن تحرك مقاتلي داعش جنوبًا واجتاحوا الموصل قبل ستة أشهر مهددين بغداد، سارع البنتاجون إلى توجيه حاملة الطائرات جورج إتش دبليو بوش من سواحل باكستان إلى الخليج العربي، حيث كانت تقوم بمهمات جوية دعمًا للقوات الأمريكية في أفغانستان.

وخلال يومين، قامت حاملة الطائرات بإرسال مهمات للمراقبة والاستطلاع في كل من العراق وسوريا. كان ذلك قبل أسابيع من تسوية الولايات المتحدة لترتيبات مع الحلفاء الإقليميين للسماح للطائرات الرابضة على أرضها أن تقوم بضربات جوية. وحلت الحاملة "فينسون" محل الحاملة "بوش" منذ منتصف أكتوبر وستستمر حتى الربيع المقبل.

وقال نائب الأدميرال/ جون دبليو ميلر قائد القوات البحرية في الأسطول الخامس في البحرين: "لست ملزمًا أن تستأذن أي شخص للحصول على موافقة لاستخدام حاملة الطائرات، إنها خمسة أفدنة من أراضي الولايات المتحدة ذات السيادة."

تلك السفينة لديها تاريخ استثنائي في تاريخ الحملة ضد الإرهاب. فبعض أولى الضربات الجوية في حرب أفغانستان في أكتوبر عام 2011 قد انطلقت من "فينسون"، وبعد ما يقرب من 10 سنوات، جلبت قوات البحرية الأمريكية جثة أسامة بن لادن إليها بعد الغارة التي قامت بها في باكستان، ودفنتها في البحر بعد إقامة الشعائر الدينية في الطابق السفلي من الحاملة.

ويعد سطح الطيران المحور الصاخب في هذا الجسد العملاق الذي يعمل بالطاقة النووية، والتي تعد بيتًا لأكثر من 5200 من البحرة والضباط على مدى 10 أشهر في كل مرة. يرتدي البحارة، ومعظمهم في بداية العشرينات، خوذات خفيفة ونظارات واقية، ويتحركون مرتدين سترات وقمصان ذات أكمام طويلة تحدد ألوانها حسب وظائفهم، حيث القمصان الحمراء للتعامل مع القنابل، وقمصان بنفسجية للتعامل مع الوقود، وقمصان صفراء للتعامل مع الطائرات.

ترتفع حمولات من القنابل والصورايخ عن طريق المصاعد من الطوابق السفلية وسط ضجيج مروحيات البحث والإنقاد "إم إتش-60 سيهوك" وهي في طريقها للتحليق فوق البحر.

إنها مثل موقف مزدحم بالسيارات في إحدى الضواحي، عدا أن الطائرات الموجودة يبلغ ثمن الواحدة منها 57 مليون دولار وتحمل قنابل موجهة بالليزر تحت أجنحتها. أدنى خطأ حول هذه المقاتلات عالية الأداء وطائرات الدفع التوربيني قد يكون قاتلًا. ولهذا كتب على سطح السفينة بحروف صفراء كبيرة " حذار من انفجار المقاتلات والمراوح والمحركات" لئلا ينسي أي أحد.

إنه عمل خطر، حتى حين لا تكون السفن في حالة حرب. ففي سبتمبر أثناء التدريب في منطقة غرب المحيط الهاديء، اصطدمت طائرتين من طراز F/A-18 في الجو بعد وقت قصير من اقلاعهما. تم انقاذ أحد الطيارين في الحادث، بينما قتل الآخر ولم يتم العثور على جثته في مياه عمقها ثلاثة أميال.

ويتم تخصيص نحو 20 بالمائة من المائة رحلة اليومية لمهمات قصف في العراق وسوريا، والبعض الآخر مزيج من التدريب والتوريد والاستطلاع وغيرها من المهمات الأخرى، وعادة ما تكون في الوقت بين 10:30 صباحا وحتى 11 مساءا.

وبعد ارتدائهم زي الطيران يقوم طياري المقاتلات بإجراء الفحص الأخير على طائراتهم، قبل نحو ساعة من إقلاعها. يتم رسم قنابل سوداء صغيرة تحت قمرة القيادة لكل سلاح من الأسلحة التي تقوم الطائرة بقذفها. ويقوم مقلاع ضخم يعمل بالبخار بقذف الطائرة من على السفينة، بحيث تصل سرعتها إلى 125 ميل في الساعة من وضع السكون في أقل من ثلاث ثوان.  

في هذه الأثناء يكون الطيارون قد قاموا بدراسة مسالكهم، والطقس والأهداف المختارة من قبل مركز القيادة الجوية الأمريكية في قطر، وهي دولة خليجية صغيرة. وقد اختار المتخصصون قنابل كبيرة بما يكفي للقيام بالمهمة مع الوضع في الاعتبار تدارك الخطر على المدنيين.

وتعمل الطائرات الحليفة تحت بعض أكثر القواعد صرامة والتي تهدف لمنع وقوع ضحايا من المدنيين في الحروب الحديثة. وقال النقيب مات ليهي البالغ من العمر 44 عاما، خريج الأكاديمية البحرية الأمريكية في لويستون، والذي عمل تحت قيادته 2100 فرد و 63 مقاتلة  من جناح الطيران الجوي الخاص بالناقلات أنه "في حالة الشك لا يتم إسقاط الذخائر".

وقد أبحرت فينسون إلى الجزء الشمالي من الخليج لاختصار أوقات الطيران إلى أقصى حد ممكن، ولكنه لا تزال على بعد 450 كيلومتر من بغداد وأبعد من ذلك بكثير من سوريا. وتحتاج طائرات الـ F/A-18 إلى حرق 5700 غالون من الوقود في المهمة العادية، وبالتالي يجب تزويد الطيارين بالوقود في الجو من ثلاث إلى أربع مرات.  

وتطير الطائرات على ارتفاع أعلى من 20 ألف قدم بشكل كافي، لتصبح خارج نطاق معظم المدافع المضادة للطائرات. فلدى داعش صواريخ أرض-جو وقامت بإسقاط عدد قليل من المروحيات العراقية، لذلك لا يستطيع الطيار الطيران على إرتفاع منخفض يسمح له بالحصول على أفضل رؤية لهدفه. وقال القائد دويل أن أنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف تمثل تهديدا حقيقيا.

في بعض الحالات، يكون على الطيارين مهاجمة أهداف محددة ومخطط لها مسبقا، مثل مقرات القيادة، ولكن في أغلب مهمات "فينسون" تكون الأهداف وفقا للفرص أثناء قيامهم بحراسة القوات العراقية في الأسفل.

يقوم الطيارين بالتحليق فوق مناطق الشبكة المصممة، عادة ما تكون حول 60 ميلا مربعا. يتم البحث عن المقاتلين والمدفعية وغيرها من علامات العدو. ويتم تزويد الطيارين بالمعلومات عن طريق أسطول جوي من طائرات الاستطلاع يطلق عليها أسماء مثل النجوم المشتركة والرأس المشتركة والتي تقوم بتتبع حركات المسلحيين على الأرض والتشويش على اتصالاتهم الالكترونية.

"قد يكون الأمر مملًا جدا، وفجأة تشتعل الأمور وتجد لديك الكثير من العمل لتقوم به خلال 120 ثانية" قال القائد دويل، الذي قام بالطيران في ثمان بعثات حتى الآن، وأضاف "نحن نحاول العثور على الأشياء وقتلها".

ويقول الطيارون أن العمل مع المراقبين الجويين الأمريكيين في مراكز القيادة العراقية - جنود من القوات الخاصة على اتصال مع القوات البرية العراقية أو الكردية- تهدف إلى إضعاف آلة الحرب الخاصة بداعش، في معركة يحذرون  من أنها قد تستغرق شهورا أو حتى سنوات.

وقال الملازم آدم بريان (31 عاما) وهو طيار لطائرة F/A-18 سوبر هورنيت من شمال غرب ولاية كونيكتيكت "إننا نقوم بنزع قدرة العدو على التعزيز والتموين" واصفا الوضع بأنه "وضع شديد الحيوية".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب