من يدير السياسية الخارجية الأمريكية؟

مقال رأي

من يدير السياسية الخارجية الأمريكية؟ خلال العام الماضي، بينما كان الرئيس باراك أوباما يصارع سلسلة من الأزمات الخارجية - من الاحتلال الروسي للقرم إلى صعود داعش- كانت الإجابة على هذا السؤال لغزاً. ولكن بعد الإطاحة بتشاك هيغل ثالث وزير دفاع في ست سنوات، أصبحت كل الأسهم تشير إلى سوزان رايس. إنها مستشارة الأمن القومي للرئيس وأحد أقرب حلفائه. ولكن البعض يتساءل هل لديها المقومات الاستراتيجية لهذه الوظيفة؟

مع حضورها الضئيل والقيادي في الوقت ذاته في البيت الأبيض، اشتبكت رايس في كثير من الأحيان مع هيغل، وخصوصاً في الأشهر الأخيرة عندما انتقد السيناتور الجمهوري السابق من ولاية نبراسكا سياسة أوباما في سوريا، وبدا غير متعجل في التوقيع على نقل المعتقلين من مستوى منخفض من السجن الأمريكي في خليج جوانتانامو. وقد كان  إغلاق جوانتانامو أحد أولويات الرئيس، ولكن تباطؤ هيغل - أراد التأكد من أن أي سجين لن يشكل تهديداً بعد خروجه - أغضب رايس كثيراً وقيل إنها أصدرت مذكرة عنيفة تأمره فيها بإسراع وتيرته في نقل المعتقلين وتقديم تقرير كل أسبوعين عن تقدمه.

وإذا كان هناك أي شكوك حول وضع رايس فإن أوباما قد بددها. لم يمض وقت طويل بعد إعلان خروج هيغل من منصبه، وإذ بالرئيس يحضر اجتماع مجلس الأمن القومي الذي تديره رايس، ويذكر إنه على مدى العامين المقبلين سيعول على هذه المجموعة لدعم خطط سياسته الخارجية. وذلك لسبب وجيه؛ رايس ذكية ذكاءً خارقًا ومؤهلة بشكل بارز. فهي خريجة ستانفورد  وباحثة في رودس مع دكتوراة في العلاقات الدولية، وعملت مساعدة لرئيس مجلس الأمن القومي ووزير الخارجية في عهد إدارة كلينتون. وقبل أن تصبح مستشارة الأمن القومي لأوباما في يوليو 2013، عملت رايس كسفيرة له لدى الأمم المتحدة وهو أحد أرفع المناصب الدبلوماسية في البلاد.

ولكن رايس أيضاً حالة من التناقضات، يقول مطلعون إنها عادة ما تملأ ملاحظاتها بكلام بذيء، مما يثير تساؤلات حول طباعها ويصدم بعضاً من زملائها ومن المبعوثين الأجانب. الواقعة الأشهر كانت في لقاء بين أوباما والرئيس الفلسطيني محمود عباس في البيت الأبيض. رفض الفلسطينيون اقتراحًا أمريكيًا للتحرك إلى الأمام، وهو ما هدد بإحدث انهيار في عملية السلام. بعد ان انتهت المقابلة، ذكر شاهد عيان أن رايس وبخت صابر عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، قائلة: "أنتم الفلسطينيون الملعونون لا ترون أبداً الصورة الكبيرة اللعينة".

لغة رايس البذيئة ليست مثار انزعاج الجميع. قال مارتن إنديك، المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط والذي حضر الاجتماع في تصريح لنيوزويك، " لم أجفل، لقد وجدتها صريحة بشكل ممتع وكذلك وجدها عريقات"، وأضاف "ولكن يمكنني تصور أن البعض قد يستغربها ويراها حادة اللهجة".

وقد اعتبر آخرون فظاظتها بمثابة مشكلة، فبعد أن ذكرت رايس كلمة "ابن العاهرة" خلال اجتماع مع عدد كبير من المسؤولين الألمان في 2013 لكسب الدعم في العملية العسكرية ضد سوريا، وقيل إن نظيرها الألماني، كريستوف هيسجين، قال إنها كانت أسوأ مقابلة في تاريخه المهني.

ومع ذلك، فإن رايس ليست غريبة عن الجدل والمواجهة. على مر السنين، تفوقت على مجموعة من شخصيات السياسة الخارجية المرموقة. من بينهم ريتشارد هولبروك، الممثل الخاص في أفغانستان وباكستان. وكان كبرياؤه وتنمره أسطورياً، وكسفيرة في الأمم المتحدة تجرأت رايس على سؤاله حول مقترحاته السياسية. وقال وليام جونسون، المسؤول السابق في وزارة الخارجية، "هذان الاثنان يكرهان بعضهما البعض تماماً".

وفي النهاية، تسيدت رايس، قال جونسون "إحدى الطرق التي يمكن أن تعرف من خلالها مدى أهمية شخص ما في وزارة الخارجية هو مدى قربه من الطابق السابع" في إشارة إلى جناح مكاتب وزارة الخارجية. وأضاف "كان هولبروك قريباً جداً من الطابق السابع في البداية، ولكن بعد عام من وجود أوباما في منصبه، كان هو في الطابق السفلي، في آخر القاعة من الكافيتريا، لقد تجاهلوه تماماً".

بعد وفاة هولبروك غير المتوقعة بتمزق في الشريان الأورطي في ديسمبر 2010، ألغت الإدارة وظيفته، وتولت رايس دوراً أكبر في سياسة البلاد تجاه أفغانستان، وتمكنت أيضاً من التفوق والبقاء على حساب زملاء بارزين آخرين. بما في ذلك وزيرة الخارجية السابقة هيلاري رودهام كلينتون، ووزراء الدفاع السابقين روبرت جيتس وليون بانيتا، وقد احتجوا جميعهم على سيطرة البيض الأبيض اللصيقة على السياسة الخارجية.

ويأتي تأثير رايس من علاقتها الوثيقة بأوباما. تعود علاقتهما إلى عام 2006، عندما عملت مع حملته الرئاسية الأولى كمستشار للسياسة الخارجية. وهي اليوم جزء من مجموعة صغيرة من قدامى الحملة في البيت الأبيض، والتي تضم رئيس موظفي البيت الأبيض دنيس ماكدونو ومستشار السياسة المحلية فاليري جاريت ونائب رايس بنجامين رودس.

وقال موظف سابق في مجلس الأمن القومي تحدث عن السياسة الداخلية للبيت الأبيض شريطة عدم ذكر اسمه: "هناك سبب لولاء أوباما الشديد لسوزان. في عام 2006، كان يمكن أن تذهب بسهولة إلى معسكر هيلاري، ولكنها خاطرت مخاطرة مهنية كبرى من خلال الانضمام لحملته. إنها بمثابة أخت بالنسبة له".

وأضاف الموظف السابق أن أوباما كان يفكر جدياً أن تكون رايس وزيرة خارجيته في فترة رئاسته الثانية. لكن رايس أثارت جدلاً سياسياً عندما أدلت بتصريحات خاطئة حول الهجوم الإرهابي على البعثة الأمريكية في بنغازي في ليبيا عام 2012. وقد تعاطف معها الرئيس عندما انسحبت من الجدل.

كانت نكستها مؤقتة فقط. اليوم، تمتلك رايس قوة هائلة، ولديها مكانة أعلى بكثير من مستشاري الأمن القومي السابقين مثل هنري كيسنجر وبرنت سكوكروفت. في حين كانا ينصحان رئيسيهما بهدوء، وينفذان في تحفظ مهام حساسة بالنسبة لهم، فإن بيانات رايس ورحلاتها الخارجية تعطي إشارة للزعماء الأجانب إلى من يستمع إليه الرئيس.

وبطبيعة الحال، ليست رايس العضو الوحيد المؤثر في فريق أوباما للسياسة الخارجية. لقد ظلت على اتصال وثيق بوزير الخارجية جون كيري، الذي يشارك بعمق في المفاوضات حول الاتفاق النووى الإيراني، وهي وريث محتمل للسياسة الخارجية بالنسبة للرئيس. مع تمديد الموعد النهائي حتى يونيو، ستتمكن رايس من الاقتراب عن كثب من جون كيري، فيما يتولى أنتوني لينكن نائبها السابق المنصب الثاني في وزارة الخارجية. ومن التوقع على نطاق واسع أن يفوز أشتون كارتر، مرشح أوباما لمنصب وزير الدفاع، بموافقة مجلس الشيوخ في مطلع العام المقبل. لكن نجاحه يتوقف أكثر على اتباع قيادة رايس أكثر من تشكيله لمساره الخاص. وقال جونسون المسؤول البارز السابق في وزارة الخارجية "إن سوزان رايس ستستمر في إدارة الوزارة".

وبينما تتطور المحادثات مع إيران وغيرها من القضايا الدولية المهمة، يقول البعض إن رايس تفتقر إلى الرؤية الصحيحة لتوجيه السياسية الخارجية الأمريكية. وقال ديفيد روثكوف الخبير في شؤون الأمن القومي ومؤلف كتاب "غياب الأمن القومي: القيادة الأمريكية في عصر الخوف" الصادر حديثاً: "إن مجلس الأمن القومي يجب أن يكون استراتيجياً، ورايس والرئيس تكتيكيون للغاية".

واتفق معه سفير متقاعد يعرف رايس وعلى علم بطريقة عمل مجلس الأمن القومي، لافتاً إلى تدخل الولايات المتحدة في ليبيا عام 2011. أثناء خدمتها كسفيرة لدى الأمم المتحدة، كانت رايس واحدة من الأصوات القوية في الإدارة التي حثت أوباما بقوة على منع القوات الموالية لمعمر القذافي من ذبح قوات المتمردين في بنغازي. في ذلك الوقت، قالت إن موقفها تأثر بفشل الولايات المتحدة في منع الإبادة الجماعية في رواندا. وأضاف السفير: "لكن لم يتم التفكير كثيرًا في حقيقة أن الولايات المتحدة ليس لديها الكثير من المصالح في ليبيا، ولا توجد خطة لكيفية التعامل مع هذا البلد بعد سقوط معمر القذافي واليوم ليبيا في كارثة"، وتابع السفير الذي طلب عدم الكشف عن هويته ليناقش أداء رايس بصراحة: "سوزان ذكية، ولكن الذكاء ليس الميزة الوحيدة التي يحتاجها مستشار الأمن القومي".

في الواقع، يقول المنتقدون إن في العام ونصف العام الذي خدمت فيه رايس في منصبها الحالي، ترنحت إدارة أوباما من أزمة إلى أخرى خارج البلاد، يصارعون لاستباق الثورات والحروب في الشرق الأوسط، والعدوان الروسي في أوكرانيا، وتداعيات فضيحة وكالة الأمن القومي وصعود داعش. وقال روثكوف "هناك تأثير متتابع من عدم وجود مسار حقيقي، هل نلوم على سوزان أم نلوم على الرئيس؟ لا أعرف، ولكن من الواضح أن في كل حالة من الحالات، هناك دور لمستشار الأمن القومي ومجلس الأمن القومي يجب أن يلعب للمساعدة في ضمان ألا تحدث هذه الأمور".

ويقول المدافعون عن رايس إنها ذكية وعملية وتهتم بالنتائج. ومع اندلاع الأزمات من الموصل إلى موسكو، يشيرون إلى أنها تواجه تحديات سياسية معقدة مثل مكعب روبيك، سبق لقليل ممن سبقوها مواجهة مثلها. وعلى الرغم من مطالب الجمهوريين، فإن داعميها أضافوا أنها ستبقى، عن حق، متشككة من مزيد من الانخراط في الحرب الأهلية السورية، وإمداد أوكرانيا بالسلاح لمواجهة الإنفصاليين المدعومين من روسيا. وعلى الرغم أنه كان يمكن لرد فعلها أن يكون أسرع ضد ظهور داعش، لكن داعميها يشيرون إلى أن سياساتها قد ساعدت في احتواء التهديد.

وفي النهاية، بطبيعة الحال، إن ما يريده الرئيس هو ما يملي على رايس كيفية إدارة المصالح الأمريكية في الخارج. وباستثناء التوصل لاتفاق نووى مع إيران، فإن أوباما أشار إلى أنه سيتبنى الحد الأدنى من العلاقات الخارجية في العامين الأخيرين له. قال الرئيس في أبريل: "ربما تحرز نقطة أو نقطتين، ولكن نادراً ما تضرب الكرة خارج حدود الملعب".

وفي وقت لاحق اختصر عقيدته السياسية الخارجية إلى نصيحة تحذيرية بسيطة: "لا تفعل اشياءً غبية". 

يبدو هذا كشيء تقف خلفه رايس، وربما شيء قد تقوله هي بنفسها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب