نهاية التوافق: ماذا تريد أوروبا من روسيا؟

مقال رأي

يعتقد الكثيرون في روسيا أن عقوبات الاتحاد الأوروبي ظهرت نتيجة للصراع الأوكراني ولضغوط واشنطن. ولكن الأسباب التي أدت إلى التدهور الحالي في علاقات روسيا مع أوروبا أكثر عمقًا بكثير. فتؤكد ألمانيا، التي تعتبر الزعيم الوحيد للاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي، على مسؤوليتها عن المنطقة الأوروبية بالكامل وإعادة إحياء الوقائع الجيوسياسية المنسية منذ وقت طويل حتى على حساب اقتصادها. فماذا ستفعل روسيا في ظل هذه الظروف الجديدة؟

ما تزال العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي مجمدة، مع عدم وجود فرص للتحسن في المستقبل المنظور. ومن المرجح أن يتم تمديد  العقوبات التي فرضت هذا الربيع وربما يتم تشديدها في مارس عام 2015. وعلى الرغم من التردد من جانب بعض الدول والخلافات داخل بعض الحكومات الائتلافية، ألمانيا على سبيل المثال، فإن الاتحاد الأوروبي يُظهر وحدة مذهلة بخصوص المسألة الروسية.

يميل الروس إلى تفسير هذه الوحدة بأنها الانضباط "الأطلنطي" وأن أوروبا غير قادرة على الصمود أمام ضغوط واشنطن. وإلى حد كبير يُعتبر هذا اعتقاد خاطيء. فبطبيعة الحال، في محاولاتها  للضغط على الكرملين فإن الولايات المتحدة مهتمة بدعم حلفائها في حلف الناتو، وسوف تتخذ جميع الخطوات اللازمة لتحقيق هذه الغاية. ومع ذلك، توجد أيضاً بعض العوامل الأوروبية البحتة التي تدعم سياسة العقوبات على الرغم مما يترتب عليها من خسائر للاقتصاد الأوروبي.

ويؤخذ في الاعتبار في المقام الأول الموقف الألماني تجاه روسيا. وقد تغير هذا الموقف بشكل جوهري خلال السنوات الثلاث الماضية، يرجع هذا التغيُّر في معظمه إلى خيبة الأمل العميقة من تطوير العلاقات مع روسيا. فقد تبددت الآمال التي وضعتها برلين والمستشارة أنجيلا ميركل شخصياً في دميتري ميدفيديف. وبدا واضحاً أن التوجه الأوروبي التدريجي لروسيا وصل إلى طريق مسدود. وقد دعت عودة فلاديمير بوتين إلى الكرملين إلى اتباع نهج مختلف.

وضعت الحملة القاسية لتشويه سمعة المدافعين عن روسيا وبوتين بين الساسة والمحللين التي اجتاحت وسائل الإعلام الألمانية في العامين الماضيين الأساس الأيديولوجي لهذا النهج. وأصبحت برلين بشكل متزايد الناقد بشكل علني وغير متهاود لسياسة روسيا الداخلية والخارجية، مشوهة من صورة المدافعين عن موسكو وطرقهم للمؤسسات الغربية التي انتعشت في وقت جيرهارد شرويدر وهيلموت كول. واستاءت الشركات الألمانية التي لديها حصص في السوق الروسية، لكنها غير قادرة على مقاومة هذا الاتجاه الجديد. فقد تم استبدال علاقات التقارب العملية التي صاغها الحزب الاشتراكي الديمقراطي منذ أكثر من نصف قرن بسياسة المباديء الأخلاقية والمصالح الجيوسياسية.

ويوجد أيضًا سبب آخر يمكن وصفه بـ"النهوض السلمي لألمانيا". ففي سياق أزمة منطقة اليورو الأخيرة، أخذت برلين على عاتقها مسؤولية إنقاذ العملة الأوروبية والمشروع الأوروبي بأكمله، وقد نجحت بشكل كبير في هذا المسعى. ونتيجة لذلك أصبحت ألمانيا الزعيم الوحيد في الاتحاد الأوروبي، في حين يقل دور فرنسا، والتي طالما كانت جزءاً من قيادة الاتحاد الأوروبي، لتصبح في منصب مساعد ألمانيا الأساسي. ومع ارتداءها لعباءة الزعامة الأوروبية، أعادت ألمانيا تقييم العلاقات مع حليفها الأساسي- الولايات المتحدة. ولم تكن فضيحة مراقبة وكالة الأمن القومي سوى ذريعة للسبب الحقيقي للفتور الواضح للعلاقات الالمانية الأمريكية. وفي الوقت نفسه، قررت برلين إعادة النظر في علاقاتها مع موسكو. جاء الصراع الأوكراني كحافز ولكنه ليس السبب الأساسي لهذا القرار.

ومن وجهة نظر الحكومة الألمانية، اعتبرت تصرفات روسيا في شبه جزيرة القرم ودونباس انتهاكاً "للنظام السلمي الأوروبي" الذي تسعى برلين إلى التمسك به. ورفضت ألمانيا إشارات الكرملين إلى التعبير عن إرادة الشعب في شبه جزيرة القرم واعتبرتها لا أساس لها، وكذلك المقارنة بين ضم شبه جزيرة القرم وإعادة توحيد ألمانيا. ومن المهم أيضاً في هذا الصدد أن نشير إلى أن كلاً من أنجيلا ميركل ويواخيم غاوك أتيا من الوسط البروتستانتي في ألمانيا الشرقية السابقة، حيث احتلت النزعة الأخلاقية مكاناً هاماً بشكل تقليدي.

كما أن القيادة الأوروبية، التي تحاول برلين النهوض بها، تضع في الاعتبار مصالح صغار الحلفاء وتمثيلهم. وهو ما يعني أن ألمانيا يجب أن تأخذ في الاعتبار، فيما يخص روسيا، أساليب التعامل التي تشجعها بولندا، ودول البلطيق، وغيرها من الدول التي لديها تخوفات أو حتى معادية لروسيا. في الوقت نفسه، فإن ألمانيا نفسها مراقَبة عن كثب من هذه الدول وأصدقائهم في الولايات المتحدة للتأكد من أن متلازمة مولوتوف-ريبنتروب لا يكرر أن تتكرر بأي شكل من الأشكال. وتتوقع واشنطن، التي وضعت ثقتها في الاتحاد الأوروبي وألمانيا للتحقيق العملي للسياسة الجماعية للغرب في أوكرانيا أن تكسب برلين هذه الثقة.

وتدعو القيادة بالنيابة عن أوروبا أيضًا إلى التنافس ضد النفوذ الروسي في منطقة المصالح المتضاربة. لا تشمل هذه المنطقة فقط أوكرانيا ولكن أيضاً مولدوفا وجورجيا ودول أخرى في القوقاز وآسيا الوسطى. لم يكن اقتراح ميركل الأخير بشأن بدء الحوار بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي يدور كثيراً حول إنشاء قناة أخرى للاتصال مع موسكو بقدر ما كان محاولة لدعم تطوير المشروع الأوروبي الآسيوي من خلال الحوار مع مينسك وأستانا، والتي لا تتطابق مصالهما ونهجهما مع موسكو دائماً.

علاوة على ذلك، تُراقب برلين المرشحين لعضوية الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وهم أرمينيا وقرغيزستان وطاجيكستان، وهؤلاء، من وجهة نظر بروكسل، يتأثرون بشكل كبير بموسكو.

وتسعى ألمانيا أيضاً للحد من تأثير روسيا على مصالح الاتحاد الأوروبي في منطقة البلقان، أولًا في صربيا وكذلك في البوسنة. وإلى جانب ذلك، تقاوم برلين نفوذ روسيا بين أعضاء الاتحاد الأوروبي وبخاصة جمهورية التشيك وبلغاريا والمجر. ويبدو أن الجغرافيا السياسية التقليدية البالية قد عادت إلى الحياة أمام أعيننا، وإن كان ذلك في تجسيد أيديولوجيا جديدة ومختلفة في مجالات مختلفة، وأولها الاقتصاد والمعلومات. ويمكن القول إن الإجماع الألماني الروسي الذي أقلق بلدان أوروبا الشرقية قد حل محله منافسات جديدة.
وبعد ربع قرن من إعادة توحيد ألمانيا، أصبحت أوروبا الموحَّدة تحت قيادة برلين ورعاية واشنطن السياسية والعسكرية خصماً أيديولوجيًا ومنافسًا جيوسياسيًا لروسيا، إضافة إلى كونها شريكها الاقتصادي. وهكذا، فإن العقوبات الاقتصادية ضد روسيا لم تظهر بشكل مفاجيء ولم تنجم عن الظروف الخارجية مثل ضغط واشنطن أو كارثة طائرة البوينج الماليزية.

كل هذا لا يعني أن هناك جبهة أخرى أوروبية قد تم فتحها اليوم في روسيا مع الغرب. نحن نتعامل مع التعاون والمواجهة بالتزامن مع اهتمام بالعنصر الجيوسياسي. ستضع برلين بمفردها وعن طريق بروكسل ضغطًا اقتصاديًا على موسكو لتجعلها تعود إلى عالم القانون الدولي، في الوقت الذي تواصل فيه حوارًا شاقا مع الكرملين. تستعد ألمانيا أيضاً لأخذ مصالح روسيا الأمنية في الاعتبار، وخاصة بشأن مسألة عضوية أوكرانيا في حلف الناتو.

لذلك فإن روسيا في حاجة لإبداء اهتمام أكبر بالاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء. ومن الواضح أن المواجهة الحالية بين روسيا والولايات المتحدة لا يمكن أن تختزل في أوكرانيا، ولن تتوقف حتى لو تم حل النزاع الأوكراني. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بعلاقات روسيا مع أوروبا، فإن الاستقرار النسبي للوضع في أوكرانيا قد يلعب دوراً إيجابياً. وقد أبرز الاقتراع الأخير في دونباس الحاجة لتحديث اتفاقيات مينسك، وتعزيز نظام وقف إطلاق النار على هذا الأساس، وإطلاق حوار سياسي بين دونباس وكييف. برلين هي الشريك الأساسي لموسكو في هذا الصدد.

سيثير التقدم المحتمل تساؤلات حول مباديء وأسس الأمن الأوروبي في ظل الظروف الجديدة، معايير وقواعد سلوك جديدة، وتدابير التحكم وبناء الثقة. ستشكل الذكرى الأربعون لوثيقة هلسنكي التي سيتم الاحتفال بها في مايو 2015 بداية الحركة إلى الأمام، والتي ستكتسب المزيد من الزخم من خلال رئاسة ألمانيا لمنظمة الأمن والتعاون في عام 2016. وينبغي أن يتم الاستعداد والتمهيد لهذا المشهد. بعد سقوط جدار برلين، تعامل الكثيرون في روسيا مع أوروبا باعتبارها سوق مورد للطاقة، ومكان لحفظ الثروات، ووجهة للعطلات. لقد مضى هذا الوقت، تحتاج أوروبا وبالأخص ألمانيا إلى الانتباه مرة أخرى.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب