هذا ليس احتجاجاً، بل انتفاضة

مقال رأي


قبل الثانية من ظهر يوم الأحد بقليل، سار أكثر من عشرة أشخاص على طريق سريع بالقرب من مبنى الكابيتول في واشنطن وشكلوا سلسلة بشرية. توقفت ثماني حارات مرور. وفي خلال ساعة الذروة، في صباح اليوم التالي، أغلق المتظاهرون جسر الشارع الرابع عشر، ثم نفق الشارع الثاني عشر، وهتفوا "إغلقوه من أجل مايك براون".

خلال أسبوع منذ رفض هيئة محلفين كبرى توجيه الاتهام إلى دارين ويلسون، ضابط الشرطة الذي قتل مايكل براون في شهر أغسطس، وقعت مظاهرات في أكثر من 150 مدينة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. في ولاية ميسوري، خرج المحتجون في مسيرة بطول 127 ميلاً من فيرجسون إلى مدينة جيفرسون، عاصمة الولاية. ما نتج عنه إغلاق مراكز التسوق ومحطات النقل العام والطرق الرئيسية في عدة مدن. وفي يوم الإثنين الساعة 12:01 مساءً – وهو الوقت الذي أطلق فيه النار على براون – خرج العمال والطلاب في جميع أنحاء البلاد من مكاتبهم ومدارسهم.

لم تمنع الأمطار الباردة، في واشنطن مساء الثلاثاء، الناس عن اجتماع البلدة في مقهى "باص بويز آند بوتس"، حيث كانت القاعة المحجوزة لهذا الحدث مملوءة تماماً بحيث أن من جاءوا متأخرين كان عليهم المشاهدة على شاشة عرض معلقة في غرفة الطعام الرئيسية. على مدى أكثر من ساعتين، تحدثت اللجنة والجمهور حول تسخير الطاقة والغضب الذين أطلقهما عدم توجيه الاتهام.

"هذا ليس احتجاجاً، بل انتفاضة" كما يقول كيمون فريمان، وهو فنان وناشط زار فيرجسون مؤخراً، وهو يعني: أن الناس على بعد آلاف الأميال من فيرجسون، لا يغلقون الشوارع فقط لأن دارين ويلسون قتل مايكل براون وأفلت من العقاب، ولأن رجال الشرطة حوّلوا البلدة إلى ساحة معركة، ولأن المسؤولين المحليين كانوا إمّا غير كفء أو أشرار، ولكن أيضاً لأن هناك تعبيرات مماثلة عن العنصرية في كل مكان، ويقول يوجين بيورير، وهو ناشط آخر في اللجنة، وكان مرشحاً في الانتخابات للحصول على مقعد في مجلس مدينة العاصمة في نوفمبر، أن "فيرجسون تمثّل أي حي في الولايات المتحدة الأمريكية".

في العاصمة، لطالما تلقت إدارة شرطة العاصمة الانتقادات بسبب التمييز العنصري؛ ففي جلسة مجلس المدينة في أكتوبر، حكى السكان عدداً من قصص تدل على ذلك، بينها قصة عن شرطي سأل مراهقاً ما إذا كانت دراجته سرقت لأنها تبدو باهظة الثمن، وأخرى عن اقتحام الضباط لحفلة شواء وإطلاق النار على كلب بعد ورود بلاغ عن استخدام الماريجوانا. وقال سالم أدوفو، منسق احتجاجات فيرجسون في العاصمة، في الاجتماع: "من اليوم الأول، جعلنا الحدث نتمحور حول القضايا المحلية هنا، والقدرة على أخذ طاقة الحركة الجماهيرية لمحلها الصحيح، بحيث نجعل شخصاً ما هنا في جنوب شرق العاصمة يريد أن يكونوا جزءاً من الحركة". أحد الإصلاحات التي تدعو إليها الجماعة في العاصمة هو إنهاء "حملات الانقضاض"، والتي يقوم فيها ضباط في سيارات لا تحمل علامات بتوقيف واحتجاز الناس في الشارع على غفلة.

وتضم الأجندة التي تقدّمت بها مجموعة النشطاء - التي أخذت اسم "مشروع الشباب الأسود 100" - عدداً من الإصلاحات الأخرى التي يمكن تنفيذها على المستوى المحلي، مثل إنشاء أو تعزيز مجالس مراجعة الشرطة المجتمعية (وهي هيئات منتخبة لها سلطة مستقلة للتحقيق في سوء سلوك الشرطة)؛ وإنهاء وجود الشرطة وسياسيات عدم التسامح في المدارس؛ وعدم تجريم الماريجوانا. وأخبرني آدم إنيانج - الذي يعمل مع مشروع الشباب الأسود في العاصمة - في مظاهرة الأسبوع الماضي أن المجموعة سوف تضغط على المسؤولين في المدينة للتحرك من أجل تنفيذ تلك التغييرات في الأشهر المقبلة، لا سيما بالنسبة لإنشاء مجلس المراجعة. قال إنيانج: "هناك الكثير من الناس يشعرون بالقلق من أن هذا الأمر برمته سينحسر، وسينتهي، ويموت مثل غيره من الأحداث. لكننا سنُصعد من أجل مواصلة تنظيم ودفع هذه النقاط إلى الأمام"، وأضاف: "هذا ما يمكننا أن نسعى إليه الآن".

أمّا ديراي مكيسون، وهو ناشط ممن كانوا في فيرجسون وتحدث في الاجتماع عبر الانترنت، فقد أوضح أن إغلاق الطرق والإجراءات التخريبية الأخرى كانت غاية في حد ذاتها. فقال: "ذلك هو معنى الاضطراب، صحيح؟ لقد اضطربت حياتنا بشكل أساسي عن طريق قتل إخواننا وأخواتنا وأطفالنا وأمهاتنا وآبائنا، ونحن نعمل بجد لنبث هذا الاضطراب مرة أخرى في حياة المدينة".

ومع ذلك، أثار الاجتماع في البلدة علامات الاستفهام حول الأهداف الأوسع للمظاهرات، وحول "الإصلاح مقابل الثورة"، كما يقول المنسق نافتا فريمان. وأشار بيورير أن الفجوة بين الاحتجاج والتنظيم طويل الأمد ما زالت تحتاج إلى سدها. وتسائل "في الوقت الراهن، حتى نكون صادقين، لدينا تكتيكات لكن ليس لدينا استراتيجية. إننا نفعل الكثير من الأشياء المثيرة للاهتمام والكثير من الأشياء المهمة... ولكن في نهاية المطاف، إلى أين تسير الأمور؟ ماذا نفعل؟ ما الذي نطالب به حقا؟" وأضاف: "نحن مستعدون لأن يلقى القبض علينا، وأنا أحب ذلك. إنني مستعد. ولكن هل نحن على استعداد لبناء مؤسسات؟".

جذبت الإصلاحات ضيقة النطاق - مثل التي تتطالب الشرطة بارتداء كاميرات الجسم - معظم الاهتمام من قبل السياسيين ووسائل الإعلام، لكن بيورير كان يتحدث عن التعبئة من أجل إحداث تغيير أكثر جوهرية، فيقول "إذا كنا نعترف أن النظام لا يعمل لصالحنا، فنحن بحاجة إلى نظام جديد". وأضاف: "إذا كنت ترغب في التخلص من هذا النظام، فإنك تتحدث عن التخلص من الرأسمالية. وأنا أعلم أن الناس يخافون من قول ذلك، لكنها الحقيقة".

الأمر الذي كان واضحاً في اجتماع "باص بويز" هو أن نشطاء العاصمة جاهزون للتصعيد، وليس التراجع. حيث قالت إريكا توتن، التي وصفت نفسها بأنها أم لأطفال يلعبون كرة القدم من الأسكندرية، بولاية فيرجينيا، "سنغلق بعض الأشياء، أعدكم بذلك"، وأضافت أنها تحاول حماية أطفالها.

أعرب العديد من المتحدثين عن إحباطهم بشأن رد الرئيس أوباما الفاتر، وخاصة التصريح الذي أدلى به بعد إعلان هيئة المحلفين، بأنه "لم يسبق له أن رأى قانون حقوق مدنية أو مشروع قانون رعاية صحية أو مشروع قانون الهجرة يتم إقراره نتيجة إحراق سيارة". حضر الاجتماع إليجا كامينجز، وهو ديمقراطي من ماريلاند وعضو كتلة النواب السود بالكونجرس، وتعرض هو وأعضاء آخرين في التجمع إلى انتقادات شديدة لعدم دعم مسعى، في مجلس النواب، لوضع حد لنقل المعدات العسكرية لقوات الشرطة المحلية من خلال برنامج 1033 للبنتاجون .

"سيدي الرئيس أوباما، هل تعرف؟! كان هناك أكثر من 100 يوم من الاحتجاج السلمي، لكننا لم نحصل على لقاء معك وقتها. ولكن الآن، عندما تحترق فيرجسون، عندما تقوم الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، يمكننا الحصول على اهتمامك فجأة"، كما قال الناشط وفنان الهيب هوب جاسيري إكس. "الآن بينما تحترق فيرجسون، فإنك تريد أن تتناقش حول وضع الكاميرات على الشرطة. حسناً، هل تعرف؟ كانت كاميرا فيديو هي التي أظهرت إريك جارنر بينما يتعرض للخنق بواسطة شرطة نيويورك ". (يوم الاربعاء رفضت هيئة محلفين كبرى، في ستاتن آيلاند، توجيه الاتهام إلى الضابط في القضية، رغم وجود دليل من الفيديو يظهر جارنر وهو أعزل يقول إنه لا يستطيع التنفس).

وأشار رونالد هامبتون، المدير التنفيذي السابق للجمعية الوطنية للشرطيين السود، أن "النضال من أجل الحقوق المدنية لم يكن صراعا هادئاً، ولم يكن مثل قول "هل يمكنك منحي ذلك؟" وتابع: "أنا لا أتغاضى عن العنف، ولكن أنا أقول لك أنا تعبت من القيام بذلك. أنا تعبت من القيام بذلك. لذا حان الوقت لأن نكون جادين حول ما ينبغي علينا فعله. ما يتطلب منّا أن  نكون في الشارع".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب