هل سترتبط الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بالتحديات الإقليمية أو بزعامة نتنياهو؟

مقال رأي

في الثالث من كانون الأول/ديسمبر، صوت الكنيست الإسرائيلي على إجراء انتخابات مبكرة في السابع عشر من آذار/مارس، أي بعد مرور سنتين فقط على الانتخابات الأخيرة. وجاءت هذه الخطوة بعد إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حل ائتلافه الحاكم لأن شركائه السياسيين - بزعامة وزير المالية يائير لبيد من حزب "ييش عتيد" ووزيرة العدل تسيبي ليفني من "هتنوعا" - كانوا يتواطؤون وراء الكواليس مع جماعات المتدينين المتشددين لاستبداله. وأنكر الوزيران حتى أن يكون هذا الادعاء معقولاً كما وانتقدا خطوة الإعلان عن انتخابات مبكرة كمبالغ فيها. إن هذه السيناريوهات، وغيرها أخرى منافسة، قد لا ترسم معالم الحملة المقبلة فحسب، بل قد تحدد وجهة السياسة الإسرائيلية حينما يتم إقرار نتائج الانتخابات.

التوقعات المرتبطة بالانتخابات المبكرة زرعت بذور الانقسام

من غير الواضح ما هو تبرير نتنياهو للإنتخابات المبكرة، وهو أمر غير اعتيادي في بلد غالباً ما تستخدم فيه الأحزاب سقوط حكومة ما لاختيار مواقفها حول مسائل محورية قبل بدء الحملة الانتخابية. ومن الواضح أن ائتلاف نتنياهو لم يعمل بشكلٍ جيد في الأشهر الأخيرة - وأصبح رئيس الوزراء مقتنعاً بأن إئتلافه سرعان ما سيتفكك، لذا سعى إلى اكتساب المبادرة في اتخاذ الخطوة الأولى لمراوغة منافسيه. ونتيجةً لذلك، اتخذ عدة خطوات أسفرت عن تعزيز الانقسام ضمن الائتلاف وأدت إلى ردود فعل سلبية في الخارج.

فعلى سبيل المثال، يؤكد المحللون السياسيون أن نتنياهو لم يرغب في تمرير الميزانية هذا الشهر لأن ذلك كان سيسجّل إنجازاً لخصمه وشريكه سابقاً يائير لبيد. فوزير المالية كان يعتمد على ابتكارات الميزانية الجديدة، بما فيها المزايا المخصصة للطبقة الوسطى، لكي يُظهر أنه يلتزم بالوعود التي قطعها في الحملة الانتخابية الأخيرة. فبعد دعم أفكار لبيد في البداية، كإعفاء من يملك منزلاً لأول مرة من الضريبة على البيع التي تثقل كاهل الإسرائيليين، تهكم بها نتنياهو مؤخراً قائلاً إنها تفتقر إلى المنطق الاقتصادي. وسيصعب على لبيد مواجهة الناخبين من جديد، دون التصديق على ميزانية.

ووسط توقع هذا التفكك، سعى نتنياهو أيضاً إلى دعم أصدقائه القدماء على حساب لبيد وليفني. فقد بدأ بتقييم العمل مع شركائه المتشددين التقليديين خارج الائتلاف علماً أنهم كانوا غاضبين عليه حول ما يعتبرونه خيانة سياسية، ويقصدون بذلك بشكلٍ خاص قراره دعم قانون رفع الإعفاءات العسكرية لطلاب المدارس الدينية ["اليشيفوت"] الذي طرحه لبيد، والحد من إعانات الرفاهية الخاصة بهم وتقليل دعمه لمؤسساتهم. وإرضاءً لناخبيه، تخلّى نتنياهو عن تعهده لشركائه في الائتلاف بأن يخفف من وطأة قيود الحاخامية الكبرى على عمليات التحول من ديانات أخرى واعتناق الديانة اليهودية.

وبالإضافة إلى ذلك، واستباقاً للانتخابات الأولية المقبلة في حزب الليكود، سعى نتنياهو إلى تهدئة اليمين السياسي الأوسع، الذي لا يحبذ دعم رئيس الوزراء لحل الدولتين مع الفلسطينيين. ولتحقيق هذه الغاية طالب بأن تضيف الحكومة تفاصيل مثيرة للجدل إلى "القانون الأساسي"، وهو شبه الدستور الإسرائيلي. ويبدو أن هذا "المشروع المقترح الخاص بقانون الدولة القومية"، على الأقل بنسخته الأولية، يركز على الطابع اليهودي لإسرائيل والذي من الممكن أن يأتي على حساب طابعها الديمقراطي.

استراتيجيات مختلفة للحملة الانتخابية

على افتراض أن نتنياهو هو الفائز في الانتخابات الأولية لحزب الليكود، من المرجح أن يعود إلى الاستراتيجية الناجحة التي اتبعها في عامي 2009 و2013. ويعني ذلك التأكيد أنه متمركز في أفضل مكانة للاستمرار بقيادة دفة إسرائيل وسط بحر إقليمي هائج، وخاصة في ظل تهديد نووي إيراني فضلاً عن التهديد الذي تشكله «حماس». إلا أن منتقديه سيقولون إن انتخابات عام 2015 تشبه إلى حد كبير انتخابات عام 1999 التي اعتُبرت كاستفتاء حول قيادة نتنياهو واستبعدته عن الحكم بعد فترة ولايته الأولى.

وفي الواقع، هناك أوجه شبه. ففي عام 1999 شهد حزب الليكود مغادرة عدد من الوجوه البارزة في الساحة السياسية (دان مريدور، دافيد ليفي، إسحاق موردخاي...) الذين اختاروا أن يترشحوا ضد نتنياهو في أحزاب منافسة. والأمر نفسه يحصل اليوم. فأحد الشخصيات البارزة في حزب الليكود، وهو وزير الداخلية [السابق] جدعون ساعر، قد أعلن أنه سيأخذ استراحة من السياسة، وسط إشاعات بأنه سيتحدى رئيس الوزراء في الانتخابات الأولية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الخلاف بين نتنياهو وأفيغدور ليبرمان الذي يترأس حزب "يسرائيل بيتينو" يجعل هذا الأخير حزباً مرجحاً في أي معادلة ائتلافية. ويعزز دعم ليبرمان العلني المفاجئ لعملية السلام خلال ولايته الحالية كوزير خارجية، الفكرة بأنه ليس مرتبطاً ارتباطاً ملزماً بنتنياهو في اليمين الوسطي.

ومن أعضاء الليكود السابقين الذين تركوا الحزب نذكر موشيه كحلون. ومع أن هذا الأخير غير معروف إلى حد كبير خارج البلاد، إلا أنه اكتسب شعبية في إسرائيل بفضل أصوله الشرقية المتواضعة وتخفيفه للقيود المتعلقة بقطاع الاتصالات، مما أدى إلى هبوط الأسعار الاستهلاكية خلال ولايته كوزير اتصالات. وتشهد كل دورة انتخابية إسرائيلية تقريباً نجماً سياسيّاً محتملاً إذ تبحث هذه القاعدة الانتخابية أو تلك عن نجم جديد. وإذا ما اعتُبر الماضي تمهيداً للوضع الراهن، يميل هذا الشخص إلى الإفتقار إلى الخبرة السياسية وغالباً ما يكون قليل الوضوح في توصياته السياسية، لكنه يسطع في تحقيق الوعود.

وفي حين من المتوقع أن يشكل ليبرمان وكحلون اللاعبين المرجحين، سوف يأتي محور المعارضة لنتنياهو من زعيم حزب العمل، اسحق (بوجي) هرتسوغ، الذي أعلن في 10 كانون الأول/ديسمبر عن عقد صفقة وحدة مع ليفني تشمل اتفاقاً على المداورة في رئاسة الحكومة، إذا وصل ائتلافهما إلى الحكم في آذار/مارس. وينحدر هرتسوغ من عائلة سياسية بارزة ويريد لحزبه أن يعود إلى جذوره التقليدية في الأمن القومي بعد أن انحصر عمله بالمسائل الاجتماعية والاقتصادية أثناء ولاية خلفه. وفيما يبدو أن رئيسة الحزب السابقة شيلي ياخيموفيتش فخورة بميولها الاشتراكية، لا شك في أن هرتسوغ رأسمالي بامتياز.

ومن خلال جعل الحملة الانتخابية بمثابة استفتاء على قيادة نتنياهو، يأمل هرتسوغ وليفني أن فرصهما لكسب الأحزاب المرجحة ستكون أكثر احتمالاً بالمقارنة مع مجرد التنافس بين اليمين واليسار. إن ادعاءهما الأساسي هو أن نتنياهو يفتقر إلى توجه سياسي وهو منهمك في بقائه السياسي الشخصي، حتى إذا دفع به ذلك إلى أيدي المستوطنين من اليمين والمتدينين المتطرفين، الذين يخشى منهم ليفني وهرتسوغ من أن يزيدوا من عزلة إسرائيل، ويجعلوها دولة ثنائية القومية بحكم الأمر الواقع. فعلى سبيل المثال، أكد السياسي اليميني نفتالي بينيت في "منتدى سابان" التابع لـ "مؤسسة بروكينغز" في نهاية الأسبوع الأول من كانون الأول/ديسمبر الحالي، أنه ونتنياهو قد اتفقا على تشكيل كتلة مشتركة وسيمتنعان عن مهاجمة بعضهما البعض أثناء الحملة الانتخابية. ولا شك في أن هرتسوغ وليفني سيستغلان مثل هذه التصريحات لمصلحتهما.

ومن جهتهم، يعتمد منتقدو نتنياهو على عدة عوامل أخرى أيضاً. الأول هو التعب [الذي يعاني منه]، فإسرائيل لم تحظ يوماً برئيس وزراء خدم أكثر من ثماني سنوات متتالية. فدافيد بن غوريون، هو رئيس الوزراء الذي شغل المنصب أطول فترة في تاريخ البلاد وصلت إلى 13 عاماً غير متتالية في الحكم، ووصل إلى هذا الحد في الفترة بين 1955-1963. أما نتنياهو فيقارب قضاء تسع سنوات كاملة في الحكم وسيسجل قريباً ست سنوات متتالية كرئيس للوزراء ويمكن أن يتجاوز هذه الفترة ويصل إلى عشر سنوات إذا ما أُعيد انتخابه.

ثانياً، لم تحقق حملة نتنياهو الماضية نجاحاً باهراً. فقد فاز بالاستفتاءات مرة واحدة بعد بدء الحملة وكان ذلك عام 1996، وسط وقوع أربعة انفجارات إرهابية خلال تسعة أيام. وتتوقع الاستفتاءات الحالية فوز حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو بـ 22 مقعداً من المقاعد الـ 120 في البرلمان، وقد أظهرت ثلاثة استفتاءات جديرة بالثقة في الأيام القليلة الماضية أن "قائمة هرتسوغ – ليفني" تفوق ذلك العدد بمقعدين تقريباً. وإذا كان ذلك إشارة إلى التركيبة السكانية المنقسمة في إسرائيل أو متعلقاً بمسألة القيادة، لم يتمكن سوى رئيس وزراء واحد من الفوز بأكثر من 40 مقعداً في العقدين الأخيرين، وهو إسحاق رابين الذي فاز بـ 44 مقعداً عام 1992. أما عدد المقاعد الأكبر الذي حققه نتنياهو فكان 34 مقعداً في عام 1996 (مع أن ذلك جاء خلال اختبار انتخابي قصير خصصت فيه إسرائيل اقتراعاً منفصلاً لرئيس الوزراء مما أثّر على الأرجح على النتائج التي حققتها الأحزاب الكبرى). وفي الانتخابات الأخيرة التي خاضها مع ليبرمان، حاز نتنياهو على 31 مقعداً.

توحيد اليمين والاعتماد على النقاد؟

في الولايات المتحدة، تميل الأحزاب السياسية إلى أن تكون ذات توجه أيديولوجي أكبر خلال الانتخابات الأولية، ثم تستهدف الناخب الكامن في الوسط خلال الانتخبات العامة. غير أنه ليس من الواضح ماً إذا كان نتنياهو سيتبع هذه المقاربة، لأنه قد يريد وقف تدفق ناخبي الليكود لصالح نفتالي بينيت وحزبه "هابايت هايهودي" (البيت اليهودي). وبالتالي، قد يعتقد أنه من الأهم توحيد اليمين خلال حملة الانتخابات العامة، معتمداً على المتدينين المتشددين بأن يتخلوا عن شكاواهم ويدفعوه إلى النجاح في مفاوضات الائتلاف بعد الانتخابات.

أما جاذبية بينيت فتكمن في أنه قد وسع نطاق وصول حزبه بشكل كبير أبعد من جمهوره الديني. كما أن انتقاده المتشدد لنتنياهو والجيش لعدم تدمير حركة «حماس» خلال حرب غزة هذا الصيف لقي أصداءه بين البعض، على الرغم من أن الجيش قد أشار إلى أن مثل هذه المقاربة كانت ستكبد إسرائيل العديد من الضحايا. وأخيراً، إن نجاحه الاقتصادي في قطاع التقنية المتقدمة، وخلفيته في القتال، واستخدامه لوسائل التواصل الاجتماعي، ولغته العامية الإسرائيلية هي عوامل تجذب الناخبين الشباب، حيث أن عدداً كبيراً منهم يستجيب إلى الحلول البسيطة التي يقدمها لمشاكل معقدة، كضم 60 في المائة من أراضي الضفة الغربية دون أن يوضح كيف سيحدث ذلك. وتأتي هذه الجاذبية بشكل خاص في خضم الحديث عن فرض عقوبات أوروبية اقتصادية محتملة.

ومن أجل توحيد اليمين، سيشير نتنياهو على الأرجح إلى التهديد الناتج عن معارضة تعمل على جمع قواها. ويعني ذلك استخدام عملية الدمج التي قام بها هرتسوغ وليفني - إلى جانب التوقعات بأن ينضم إليهما لبيد بعد الانتخابات - للتأكيد أنه يجب على اليمين التحدث بصوت موحد. وبالفعل، يُعتقد بأن بينيت قال هذا الأسبوع أن حزبه قد يدرس إمكانية القيام بعملية دمج تكتيكية مع حزب الليكود إذا ما برز الوسط اليساري في استطلاعات الرأي.

وبالإضافة إلى توحيد قاعدته، قد يكون نتنياهو معتمداً على عوامل أخرى لأنه لم يعد يجد نفسه المرشح الأوفر حظاً للفوز في الانتخابات. وتقليديّاً، تؤدي العمليات الإرهابية الفلسطينية إلى تعزيز مكانة اليمين، وهو الأمر بالنسبة للمشاركة المتدنية في يوم الانتخابات. وإذا كانت التوقعات الانتخابية للاستطلاعات وأحداث العنف الأخيرة أي مؤشر، فقد يلعب العاملان دوراً في الأشهر المقبلة. بالإضافة إلى ذلك، إن وضع سقف أعلى للأحزاب السياسية للفوز بمقاعد برلمانية من شأنه أن يحبط عزيمة الناخبين العرب إلا إذا توحدت الأحزاب العربية.

ومن المفارقات، أن نتنياهو قد يكون معتمداً أيضاً على العمل الدبلوماسي الفلسطيني. فإذا توجه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى مجلس الأمن الدولي خلال فترة الانتخابات للمطالبة بدولة فلسطينية، علماً أنه قد قال بالفعل أنه سيقوم بذلك، لا شك في أن نتنياهو سيستخدم ذلك سياسيّاً عبر اتهام عباس بالالتفاف حول المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. ومن المقرر أن يلتقي وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونتنياهو لإجراء محادثات طارئة في روما يوم الأحد، ويقال إن موضوع المحادثات سيكون الخطوة الفلسطينية تجاه الأمم المتحدة. ومن المرجح أن يأمل رئيس الوزراء بأن يساعده هذا التحدي فضلاً عن التحديات الإقليمية الأخرى على التعامل مع خطابات منافسيه المتوقعة خلال الحملة الانتخابية. إن تحديد الخطاب المركزي للانتخابات قد يحدد نطاق الاحتمالات لمرحلة ما بعد الانتخابات.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy