هل يهتم الأمريكيون بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟

مقال رأي

تعيش إسرائيل في خضم الاضطرابات السياسية مع تصويت الكنسيت على حل نفسه والدعوة لانتخابات جديدة في شهر مارس، في حين يبدو أن معظم الإسرائيليين والفلسطينيين قد فقدوا أي أمل للتوصل إلى حل الدولتين. إلا أن الأكثر أهمية من الانتخابات الجديدة هو "قانون الجنسية" المقترح والمثير للجدل، والذي قد يجعل إسرائيل تميل كثيراً نحو اليهودية على حساب الديمقراطية. والفلسطينيون على وشك طلب الاعتراف بهم كدولة من الأمم المتحدة، مما يجبر إدارة أوباما على اتخاذ قرارات كانت تريد تجنبها. ولكن كيف يشعر الرأي العام الأمريكي حيال هذه القضايا؟ هل يهتم الأمريكيون أصلاً؟

كشف استطلاع رأي أجري بين 14 و19 نوفمبر على عينة تمثيلية وطنية من 1008 أمريكي (أُجري ميدانياَ بواسطة معهد جي إف كيه للأبحاث GFK) أن في غياب حل الدولتين في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن 71 في المئة يفضلون ديمقراطية إسرائيل على يهوديتها. وينسحب ذلك، بدرجات متفاوتة، على الخطوط الحزبية: 84 في المئة من الديمقراطيين و68 في المئة من المستقلين و60 في المئة من الجمهوريين.

في الواقع، ينسحب ذلك أيضاً على الأمريكيين اليهود في العينة المحدودة في الاستطلاع ( نحو 5 في المئة من إجمالي العينة البالغة 1008) حتى بين المجموعة ذات الصلة السياسية – هؤلاء الأمريكيون الذي يضعون الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إمّا كأولوية قصوى أو بين أهم ثلاث قضايا- 54 في المئة يفضلون الديمقراطية، و42 في المائة يفضلون اليهودية. في الواقع، المجموعة الوحيدة من العينة التي تفضل اليهودية على الديمقراطية قليلاً هم أولئك الذين يعرّفون أنفسهم كمسيحيين إنجيليين/مولودين من جديد ( 50 في المئة إلى 47 في المئة، والتي هي ضمن هامش الخطأ).

منذ كتبت عن استطلاع آخر، في "فورين بوليسي" في وقت سابق من العام، يوصي عدد أكبر من الأمريكيين بأن تدفع حكومتهم نحو الدولة الواحدة كحل للصراع. ظلّت نسبة هولاء الذين يرون حل الدولتين كهدف للدبلوماسية الأمريكية ثابتة منذ عام مضى عند 39 في المئة، ولكن هؤلاء الذين يريدون دولة واحدة قد زادوا من 24 في المئة إلى 34 في المئة. وبين هؤلاء الذين يدافعون عن حل الدولتين، هناك ثلثان سيدعمون حل الدولة الواحدة إذا لم يعد حل الدولتين خياراً ممكناً، مقارنة بنتائج استطلاع العام الماضي.

بماذا يوصي الأمريكيون إذا أخذ الفلسطينيون قضية الدولة إلى الأمم المتحدة؟ أكثرية من 45 في المئة تؤيد الامتناع عن التصويت، 27 في المئة تؤيد التصويت ضد القرار، و25 في المئة تدعم التصويت لصالحه. تبقى الاختلافات الحزبية كبيرة مع عدد أكبر من الجمهوريين يؤيدون معارضة القرار، ولكن لا يزال أقل من النصف ( 46 في المئة).

من يهتم بالقضية الإسرائيلية الفلسطينية؟

تمشياً مع السنوات السابقة، يريد أغلبية الأمريكيين (64 في المئة) ألا تميل الولايات المتحدة نحو أحد طرفي الصراع، بينما يريد 31 في المئة أن يكون الميل نحو إسرائيل. لكن هناك فارق كبير بين الديمقراطيين والمستقلين من جهة وبين الجمهوريين من جهة أخرى. بين الديمقراطيين، يريد 77 في المئة ألا تميل الولايات المتحدة نحو أحد طرفي الصراع، و17 في المئة يريدون أن تميل نحو إسرائيل، و6 في المئة نحو الفلسطينيين؛ وبين الجمهوريين، هولاء الذين يريدون أن تميل الولايات المتحدة نحو إسرائيل يتجاوز هولاء الذين يريدون ألا تميل الولايات المتحدة نحو أحد الطرفين، بنسبة 51 في المئة مقابل 46 في المئة.

من المعروف جيداً أن مستوى تعاطف العامة حول القضايا يختلف، وهؤلاء الذين يهتمون كثيراً بالقضية هم أكثر من يهم صانعي السياسات. وعموماً، فإن الأمريكيين الذي يضعون القضية الإسرائيلية-الفلسطينية ضمن أهم ثلاث قضايا يريدون للولايات المتحدة أن تميل أكثر نحو إسرائيل. لكن ليس هذا بالضرورة مؤشراً واضحاً على ما ينبغي أن تكون عليه السياسة، وذلك في جزء منه بسبب قضية أخرى يضعها الأمريكيون في مرتبة عالية ضمن أولوياتهم: حقوق الإنسان.

إنها حقوق الإنسان ياغبي

غالباً ما تقاس المواقف الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بكم اهتمام المواطنين بأحد طرفي الصراع، أو بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة. ولكن في عصر حيث المصالح الأمريكية ليست على هذا القدر من الحيوية، يميل الكثيرون إلى النظر للقضية من منظور حقوق الإنسان. في هذا الاستطلاع، النسبة الأكبر من الأمريكيين (31 في المئة) يقولون إن حقوق الإنسان هو الشاغل الأول لهم حين يُفكّرون في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، أكثر من المصالح الأمريكية (24 في المئة) والمصالح الإسرائيلية (14 في المئة).

يضع ربع الأمريكيين حقوق الإنسان باعتبارها الأولوية الوحيدة الأكثر أهمية  في السياسة الخارجية الأمريكية ( مقارنة مع 9 في المئة للقانون الدولي، و5 في المئة للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي). هؤلاء الذين يضعون حقوق الإنسان في المرتبة الأولى ضمن أولوياتهم يميلون لوضع الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في مرتبة أعلى مقارنة بغيرهم من الأمريكيين.

الأهم من ذلك، أن التوصيات السياسية لهذه المجموعة تميل للاختلاف عن بقية الشعب، على الأقل في الدرجةـ ولكن أحياناً أكثر من ذلك. هذا ينطبق، بشكل خاص، على المواقف تجاه بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. في حين يعارض معظم الأمريكيين بناء المستوطنات، تعارض الأغلبية أيضاً اتخاذ أي إجراء ( أبعد من الكلمات الصارمة) ضد إسرائيل. ولكن بين الربع من الأمريكيين الذي يضع حقوق الإنسان كأولوية قصوى، توصى الأغلبية بفرض عقوبات أو تدابير أشد قسوة.

عواقب السياسة

يبقى الافتراض صحيحاً بأن تلك الشرائح من الشعب التي تهتم أكثر بقضية معينة من الأرجح أن يكون لها الأثر الأكبر. هؤلاء الذين يضعون القضية الإسرائيلية – الفلسطينية في مرتبة عالية ضمن أولوياتهم، يريدون أن تميل الولايات المتحدة نحو إسرائيل أكثر من باقي السكان، وعلى الرغم من أن معظم الأمريكيين يريدون من الولايات المتحدة أن تبقى محايدة نسبياً. لكن هذا الاستنتاج هو فقط نقطة بداية للتحليل؛ هناك ثلاثة عوامل مهمة تؤثر تأثيراً كبيراً على عواقب السياسة.

أولًا، حقيقة أن الناس يوصون بالميل نحو إسرائيل ليس في حد ذاته دليلاً واضحاً للسياسة. يختلف الناس حول ما يعنيه ذلك ويمكننا أن نرى ذلك في بعض النتائج، كما يتضح من شريحتين تضعان هذه القضية في مرتبة عالية ضمن أولوياتهما: الإنجيليين واليهود الأمريكيين، ومواقفهما من يهودية إسرائيل مقابل ديمقراطيتها. وحتى بشكل عام، من بين أولئك الذين يضعون هذه القضية ضمن أهم ثلاث أولويات لهم، يوصي 44 في المئة فقط بالتصويت ضد إعلان الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة.

ثانياً، القياس المباشر لترتيب القضية الإسرائيلية – الفلسطينية ضمن أولويات الأمريكيين لا يروي القصة بأكملها. كما اتضح، فإن الكثير من الأمريكيين يرون هذه القضية أساساً من منظور حقوق الإنسان، والذي يضعه الأمريكيون في مرتبة أعلى كثيراً من الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. في حين يُمكن للمرء أن يستنتج أن الاستعداد العام لعدم اختيار "أي من الطرفين" هو نتيجة نقص الاهتمام والتعاطف، يشير التركيز على حقوق الإنسان إلى خلاف ذلك: الأمريكيون الذي يضعون حقوق الإنسان في مرتبة عالية ضمن أولوياتهم يتبنون بشغف مبدأ الحياد. وبالتأكيد، يميل المدافعون عن حقوق الإنسان إلى دعم ديمقراطية إسرائيل فوق يهوديتها، ويميلون إلى التوصية بردود أفعال أكثر حدة تجاه بناء المستوطنات أكثر من بقية المواطنين.

ثالثاً، من وجهة نظر صناع القرار الأمريكيين، بات الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني صراعاً استقطابياً للغاية في السياسة الأمريكية مع وجود خلافات كبيرة بين الجمهوريين والديمقراطيين على وجه الخصوص. على سبيل المثال، حتى بين الأمريكيين الذي يضعون القضية في مرتبة عالية ضمن أولوياتهم، فقط 24 في المئة من الديمقراطيين و29 في المئة من المستقلين يوصون بالتصويت ضد إعلان الدولة الفلسطينية في الأممم المتحدة، في مقابل 66 في المئة من الجمهوريين. وبالنسبة لإدارة أوباما تحديداً، عند النظر لمواقف الشعب، المواطنون المهمون انتخابياً هم أول مجموعتين وليست الثالثة. وقد يكون هذا هو الحال لمرشحي الرئاسة الديمقراطيين المتفائلين الذين يجب أن يكونوا معنيين في الأغلب بالديمقراطيين والمستقلين.

في المدى القريب، فإن إدارة أوباما لديها فسحة عامة كبيرة في سياستها تجاه إعلان إقامة دولة فلسطينية في الأمم المتحدة. وهناك أيضاً عدم ارتياح عام سائد في ظل تفضيل إسرائيل ليهوديتها على حساب ديمقراطيتها، والانفتاح الغريب تجاه حل الدولة الواحدة في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، بغض النظر عن كون ذلك ممكناً أو عملياً. من الواضح أن الرأي العام هو عنصر واحد فقط في السياسة، وحتى آراء أولئك الذين يهتمون اهتماماً بالغاً إزاء القضية؛ تبرعات الحملات الانتخابية وسياسات الكونجرس الفاشلة غالباً ما يطغوا على أي شيء آخر. ولكن إلى حد أن سياسة الولايات المتحدة بشأن هذه القضية تبدو مشلولة في هذه اللحظة، ولا ينبغي لأحد استخدام الرأي العام كذريعة.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب