يجب مقاضاة ممارسي التعذيب بوكالة الاستخبارات المركزية

مقال رأي

تحتوي المعاهدة الدولية الأساسية ضد التعذيب - وهي اتفاقية مناهضة التعذيب التي صدقت عليها الولايات المتحدة في عام 1994- على اثنين من المتطلبات الرئيسية؛ أولاً، يحظر التعذيب، من دون أي استثناء، وكذلك غيره من ضروب المعاملة اللاإنسانية، ثانياً، يجب ملاحقة التعذيب قضائياً.

كان الرئيس أوباما حازماً في منع التعذيب. في اليوم الثاني من ولايته، أمر بوضع حد لـ"أساليب الاستجواب المبالغ فيها" التي اتبعتها إدارة بوش - كناية عن التعذيب - وبإغلاق مراكز المعتقلات السرية الخاصة بوكالة الاستخبارات المركزية، حيث يجري التعذيب.

لكن أوباما فشل تماماً في تنفيذ المطلب الثاني. فقد رفض التحقيق في التعذيب رفضاً قاطعاً، ناهيك عن مقاضاة المسؤولين عنها. وكان الاستثناء الوحيد هو تحقيق محدود في أي من استجوابات وكالة الاستخبارات المركزية التي تجاوزت ما كان مصرحاً به، ولكن حتى عندما يحدث ذلك، لا يقابل المحققون الضحايا، ولا يتوجب عليهم توقيع اتهامات. وينبغي أن يدفع تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الرئيس إلى إعادة النظر في هذا الرفض.

التفسير الذي قدمه أوباما عن هذا النقص في المُساءلة هو رغبته في أن "يتطلع إلى الأمام، وليس الى الوراء". ولكن الماضي يقود حتماً إلى المستقبل. فإذا كان أوباما قد أتاح الإفلات من العقاب على جريمة خطيرة كالتعذيب، فهو يشجع الرؤساء في المستقبل على التعامل مع التعذيب على أنه خيار سياسي يمكن اتباعه عندما يظهر التهديد الأمني الخطير القادم لا محالة. كما أنه يصعب استخدام الولايات المتحدة لنفوذها في جميع أنحاء العالم للمطالبة بمحاكمة منفذي التعذيب.

ومما لا شك فيه أن جزءاً من تردد أوباما يتمثل في الخوف من مدى الانقسام الذي تثيره الملاحقات القضائية. فبسبب أن الملاحقات القضائية من المرجح أن تشمل كبار المسؤولين في إدارة بوش الذين وافقوا على التعذيب، ومن المتوقع أن حلفائهم في الكونجرس سيبدون اعتراضهم وقد يثيروا العقبات أمام أجندة أوباما التشريعية.

إلا أن عزوف أوباما (عن الملاحقة القضائية للتعذيب) لم تؤد بأن يكون الكونجرس متعاوناً معاه. في مجالات أخرى، مثل إصلاح قوانين الهجرة وحماية البيئة، فقد الرئيس الأمل تقريباً في أن يجد أرضية مشتركة عبر الجانبين، وبدأ يفعل ما يعتقد أنه الصحيح كلما كان لديه سلطة التصرف من تلقاء نفسه. ينبغي أن يؤدي به هذا النهج نفسه إلى الالتزام بمبادئه، وبالقانون الأمريكي، وبمتطلبات اتفاقية مناهضة التعذيب، والسماح بالتحقيق والملاحقة القضائية لمنفذي التعذيب في عهد بوش.

يقدر أوباما بلا شك صعوبة ملاحقة الجلادين، بالنظر إلى أن مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل في عهد بوش قد أعلن أن الاستجوابات التي تنطوي على الأذى لا تزال قانونية. وتقول وكالة الاستخبارات المركزية أنه سيكون من الظلم مقاضاة وكلائها، لأنها اعتمدت بحسن نية على هذا الحكم.

لكن تقرير لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ أظهر أنه لم يكن هناك اعتماد بحسن نية على نصيحة. بل وجد أن كبار المسؤولين، في وكالة الاستخبارات المركزية، يعرفون منذ البداية أنهم كانوا يعذبون المشتبه بهم وخرجوا لشراء حماية قانونية. وعندما رفض القسم الجنائي في وزارة العدل استبعاد الملاحقة القضائية، ذهبت وكالة الاستخبارات المركزية إلى مسؤولين أكثر استعداداً في البيت الأبيض ومكتب المستشار القانوني لتأمين إصدار "مذكرات التعذيب" سيئة السمعة، والحكم بأن "أساليب الاستجواب المبالغ فيها" لا تعد تعذيباً. وقد اعترف أوباما نفسه بذلك. ومما جعل الأمور أسوأ أن وكالة الاستخبارات المركزية قد كذبت حتى في حديثها إلى المحامين الذيون يتولون إعداد تلك المذكرات، مما يجعل تصديق حجج مثل "الاعتماد على حسن النية" أكثر صعوبة.

أمّا بالنسبة للمحامين الذين قالوا رأيهم في مذكرات التعذيب، فقد جاهدوا لتبرير ما لا يمكن تبريره. في الواقع، لقد أساءوا استخدام مناصبهم لتوفير غطاء قانوني لفعل غير شرعي بشكل صارخ. وفي حين أن الصف الأول، من منفذي التعذيب، ربما لم يعرف تلك الإشكالات القانونية، فإنه من الواضح أن كبار المسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية والبيت الأبيض قد عرفوا. لدى الشعب الأميركي اهتمام قوي بالتبرؤ من هذا النوع من التمويه القانوني للجريمة.

وأخيرا، قد يكون أوباما مترددا لأنه يتذكر الفزع االذي شعر به العديد من الأميركيين بعد هجمات 11 سبتمبر عام 2001، ولا يريد أن يحمل وكالة الاستخبارات المركزية خطأ جهودها الرامية إلى الحماية من مزيد من الهجمات. ولكن كما أشار أوباما نفسه، فالناس سوف يقولون أي شيء تحت التعذيب. يظهر تقرير لمجلس الشيوخ أنه بالرغم من جهود وكالة الاستخبارات المركزية اليائسة لتصوير التعذيب على أنه ذو قيمة، لم ينتج عنه سوى القليل من المعلومات الاستخبارية، إن وجدت، في حين أنه يؤدي إلى تشتيت المحققين بمعلومات كاذبة. كما اعترف أوباما في الوقت نفسه، بأن التعذيب قد شوه سمعة الولايات المتحدة، وعرّض القوات الأميركية في الخارج للخطر، وقوض سيادة القانون، وأصبح صيحة استنفار لتجنيد الإرهابيين. لذا فمحاكمة منفذي التعذيب يصب في مصلحة أميركا.

لم يفت أوان أن يغير أوباما رأيه بعد. فبموجب القانون الفيدرالي، لا تسقط بالتقادم جرائم التعذيب التي تؤدي إلى وفاة أو إصابة خطيرة متوقعة، وهو ما فعلته أساليب وكالة الاستخبارات المركزية الوحشية. أتاح تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ لكل واحد منّا فرصة إعادة تقييم هذا الفصل المؤسف في تاريخ الولايات المتحدة. يجب على الرئيس استخدام هذا التقرير لإعادة النظر، والرجوع في رفضه السماح بملاحقة هذه الجرائم.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب