إستراتيجية النفط السعودي تجاه ثورة الطاقة الأمريكية: جمّد ولا تقتل

مقال رأي

تغرق أسعار النفط إلى مستويات لم نرها منذ ركود 2008 -2009. ومع أن هناك جدل واسع حول سبب حدوث ذلك إلا أن هناك نقطة واحدة واضحة: سيكون هناك وقع محسوس حول الكوكب. بالنسبة للذين يعتمدون بقوة على الواردات من النفط فالواقع واضح – تحفيز ضخم لإقتصادهم. بالنسبة لمن يحرك النفط إقتصادهم – مثل روسيا والسعودية– يوجد مشاكل كبيرة في المستقبل.  وبالنسبة لأمريكا- أمة تستهلك كميات ضخمة من النفط وهي الآن طرف في إنتاج النفط والفضل لثورة الصخر الزيتي- فبالتأكيد سنكتشف.

لتبين هذه الأسئلة الهامة قام رئيس التحرير التنفيذي لTNI  هاري كازيانيس بإجراء مقابلة مع أين برمر المحرر المساهم في TNI ورئيس مجموعة يوروأسيا عن إلى أين ستأخذ أسعار النفط الأقل دولًا مثل روسيا وأمريكا وآخرون.

كازيانيس: يبدو أن أسعار النفط تنخفض مع كل يوم يمر. أن التبعات الجيوسياسية والإقتصادية أيضًا تبدو مهولة. من هو الرابح الأكبر عندما نتحدث عن إنخفاض الأسعار؟

برمر: إن المستفيد الفردي الأكبر الوحيد في العالم هو الرئيس الصيني شي جين بينج. وبينما يكون إنخفاض أسعار النفط موضوع إقتصادي جيد يعمل كإنخفاض مباشر في الضرائب للمستهكلين عند مكينة الضخ إلا أن في الصين هناك تبعات سياسية إيجابية بشدة. إنخفاض أسعار النفط يولد بالفعل زيادة في النشاط الإقتصادي بإزدياد الدخل المنزلي القابل للصرف وتسهيل الإستثمارات التجارية في نطاق من القطاعات من التصنيع وحتى الأمور اللوجيسية. وهذا يساعد على تقليل الإحتياج إلى محفزات أكثر عنفا لتحفيز الإقتصاد ويوفر لشي جين بينج الوقت كي يطبق أجندته للإصلاح وهو الأمر الأهم.

لقد قام شي جين بينج بتحول درامي: اعاد توازن الصين نحو نموذج إقتصادي يقوده المستهلك وأجبر في نفس الوقت على فاعلية ومرونة أكبر من مشاريع الدولة التي لا تتمتع بالكفاءة. يعطي الإنخفاض الدرامي في أسعار النفط لشي دفعة كبيرة وفي وقتها حيث تحاول حكومته أن تصحح من حجم المشاريع الكثيفة الإستهلاك للطاقة وغير الفعالة المملوكة للدولة. وبالتالي يمكن لشي أن يرفع من الجمارك ويراجع خطوط التمويل لكبار الأطراف الإستراتيجية الحكومية بدون تعريض ربحيتهم النسبية للخطر. وعلى جانب المستهلك لا يمكنه أن يتجاوز كليا عن المنافع الإقتصادية للنفط الأقل سعرا للمواطنين- يمكنه أن يحجم من إنخفاض الأسعار نوعا ما موجهًا الفارق إلى زيادة فاعلية الطاقة والمجهودات الموجهة لمكافحة التلوث.

كازيانيس: هناك قطعا بعض الخاسرين الكبار عندما يأتي الأمر لانهيار أسعار النفط- تحديدا الدول المنتجة. إحدى الدول التي تتأثر هي روسيا. وبالإضافة إلى العقوبات القاسية بسبب أزمة أوكرانيا فإن موسكو تبدو وكأنها متجهة إلى صعوبات في 2015 ما لم تبدأ أسعار النفط في الإرتفاع. إذا بقيت أسعار النفط على معدلها الحالي إلى العام القادم مثلا ماذا سيكون وقع ذلك على روسيا؟ هل يمكنهم على سبيل المثال أن يستمروا في ضخ المليارات من الدولارات في إعادة بناء قوتهم العسكرية التقليدية؟ هل سيكون هناك إحتياج إلى استقطاعات ضخمة من الميزانية؟

برمر: الوقع الإقتصادي على روسيا سيكون حادا – لا شك في ذلك. ولكن الأهم أنه سيؤدي إلى تصعيد من جانب فلاديمير بوتين يتعلق بالسياسة الخارجية. لقد إرتفعت معدلات شعبيته على ظهر أزمة أوكرانيا التي خطط لها وبسبب شيطنته الناجحة للغرب. كليهما لعبا دورا جيدا بشكل فائق على المستوى الداخلي. وهو ليس على وشك الإستسلام تحت الضغط الإقتصادي. كلما زاد مقياس "الخسارة" في الإقتصاد يحتاج هو إلى "ربح" في مقياس السياسة الخارجية.

إن إستمرت الأسعار في الإنخفاض طوال العام سيكون من الضروري القيام بإستقطاعات من الميزانية مع أنه من الصعب تصور إستقطاعات على الإنفاق "الوطني" مثل الإنفاق العسكري قرب نهاية الفترة الرئاسية. الجزء الأخر من الأحجية الذي لا يلقى الإهتمام الكافي هو أن الصدمة الكبيرة للروبل يمكنها بالفعل أن تساعد بوتين عندما يصل الأمر إلى التكيف مع النفط الأرخص وإعادة توازن الميزانية. إن تسعير النفط يكون بالدولار ولذا فعندما يقوى الدولار أمام الروبل يخف تأثير إنهيار أسعار النفط وتحدي إعادة توازن الميزانية. بالطبع فإن إنخفاض قيمة العملة يأتي بقضايا أخرى خاصة به: سيزيد من إرتفاع الأسعار الذي سيؤذي المستهلك الروسي.

كازيانيس: فلننظر أبعد فيما يخص روسيا، ماذا سيحدث إذا أستمر إنخفاض أسعار النفط عامان أو ثلاثة؟

برمر: لا يوجد عدم إستقرار سياسي في المدى القريب – بوتين لديه سيطرة قوية ومعدلات تأييد أعلى من 80 % (مع أن هذا الرقم إنخفض عندما بدأت بعض التأثيرات الإقتصادية التي ناقشناها تصيب عامة الشعب) ولكن إستشرافا لـ2018 يمكننا أن نرى بدايات تململ إجتماعي. وسيؤدي هذا إلى حملة قمع داخلية قاسية وسياسات تسهل تضيق الحلقة المحيطة ببوتين. من المتوقع أن يتضمن ذلك القبض على/ طرد الصحفيين الأجانب وقيود داخلية وضربات للمعارضين والجمعيات الأهلية وصدمات أخرى من نفس النوع.

على الصعيد الدبلوماسي، ستتوجه روسيا بشكل أكثر هلعا ورسمية إلى الصين كشريك أصغر. ويمكن أن تأخذ شكل حليف إستراتيجي مباشر. عندها سيمكننا رؤية البلدان وهما يعملان على تقويض المعايير الأمريكية "الدولية" المتعلقة بالتمويل والإتصالات: أشياء مثل قوة الدولار الأمريكي والإنترنت المفتوح بالإضافة إلى المعاملات المالية المفتوحة والأمنة.

كازيانيس: دولة أخرى ستشعر بوقع إنخفاض أسعار النفط هي السعودية. يبدو أنهم قد اتخذوا قرارًا واعيًا بالحفاظ على إنتاج النفط  بمعدله الحالي ويتكهن البعض أن النصيب من السوق ومحاولة قتل نصيب الولايات المتحدة من ثورة طاقة الزيت الصخري هي خطة أفضل على المدى الطويل. في رأيك ما هي إستراتيجية السعودية عندما يتعلق الأمر بعدم خفض الإنتاج وتجاوز موجة الأسعار المنخفضة؟ إلى متى يمكنهم إبقاء هذه الإستراتيجية؟

برمر: بالنسبة للسعودين أظن أن الإستراتيجية هي "جمّد ولا تقتل". إنهم لا يريدون تحمل الضرر في الميزانية للحفاظ على الأسعار بهذا الإنخفاض لمدة ممتدة من الوقت - بدلا من ذلك يريدون فقط أن إبطاء إيقاع مخزونات الزيت الصخري في الولايات المتحدة. هناك منافع إضافية للسعوديين. الأسعار الأقل من الممكن أن تلسع الرياض ولكنها تشوي بعض أكبر منافسيهم: إيران وروسيا. لدى السعوديين إحتياطيات تمكنها من إحتمال العاصفة على المدى القريب. ولكني أعتقد أن السعوديين متفاجئين من إنخفاض الأسعار للمعدل الحالي... خاصة مع الأخذ في الإعتبار التحديات الجيوسياسية في ليبيا والتهديد بمزيد من العقوبات على إيران. للتوازن أتوقع أنهم سيقومون ببعض الخفض في الأنتاج في النهاية لخلق توازن أكبر في الأسعار.

كازيانيس: لقد قيل الكثير عن التأثيرات المحتملة لثورة الزيت الصخري الأمريكية. ولكن ماذا يحدث في الثورة التي تصيب نصف الكرة الأرضية في مجال إنتاج الموارد الطبيعية والتي تحدث عبر أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية أيضا؟ هل، على سبيل المثال، ستبدأ مشاريع النفط الكندية في النضوب؟ هل يستبدل نصف العالم ما يقرب من الإستقلال في مجال الطاقة بأسعار طاقة أقل؟

برمر: سيحتاج السوق في نهاية الأمر إلى تلك البراميل الأكثر تكلفة. السؤال الحقيقي هو كم سيحتاج النمو أن يبطئ وكم من الوقت ستسغرق الأسعار حتى ترتفع. ليس من المعقول قتل النفط غير التقليدي في أمريكا الشمالية بشكل حاسم ودائم.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب