إسرائيل هي الجبهة الجديدة في الحرب السورية

مقال رأي

بعد ظهر يوم 28 يناير، قُتل جنديين إسرائيليين خلال هجوم صاروخي قام به حزب الله في مزارع شبعا - شريط من الأرض متنازع عليه في مرتفعات الجولان ومتاخم للجنوب اللبناني. قُصفت أيضًا قوات الدفاع الإسرائيلية المتمركزة بطول الحدود في جبل هرمون. في وقت مبكر من اليوم، عقب إطلاق هجوم صاروخي، يوم 27 يناير، على الجانب الإسرائيلي من الجولان، قصفَت القوات الجوية الإسرائيلية مواقع مدفعية سورية.

بعد الهجوم القاتل لحزب الله ردّت إسرائيل مرة أخرى وقصفت الجنوب اللبناني وقتلت بالخطأ أحد أفراد قوات حفظ السلام الأسبان. بالنسبة لبعض المحللين فإن احتمال صراع آخر بين حزب الله وإسرائيل، شبيه بما حدث عام 2006، أطل برأسه مرة أخرى. إلا أن القتال الحالي يُخفي تحركات أكبر على رقعة شطرنج الشرق الأوسط.

وتعود جذور الانفجار الحالي إلى يوم 18 يناير حين ضربت نيران مدفعية مروحية إسرائيلية، بجوار مدينة القنيطرة السورية، مرتفعات الجولان. وقد كانت الهجمة أشهر ضربة لحزب الله والمصالح الإيرانية في سوريا منذ اندلاع الحرب هناك. من بين ضحايا الهجوم جنرالًا إيراني وعدة قادة من حزب الله مما قيل أنه قد فاجأ إسرائيل نفسها. ألقت وفاة هذه المجموعة الضوء على الاسترايتجية الجغرافية لتآمر حزب الله كما أوضحت مدى القرب في العمل بين مليشيا المنظمة اللبنانية المسلحة وأسيادها الإيرانين.

من بين قيادات حزب الله قتل محمد أحمد عيسى، المعروف أيضًا بـ"أبو عيسى"، "القائد الشهيد" الوحيد الذي أعلن عنه حزب الله رسميًا. وحسبما جاء في جريدة النهار، فإن "أبو عيسى" كان عضوًا في حزب الله منذ 1985 خلال مراحل تطور المجموعة الأولى. هناك ادعاءات أيضًا أن "أبو علي طباتيبي" قد قتل في الهجوم. طباتيبي وصف بأنه إما إيراني أو قائد كبير في حزب الله ومسؤول عن واحدة من وحدات التدخل السريع/القوات الخاصة الكبرى المختصة بالعمليات داخل إسرائيل وسوريا.

ادعى حزب الله أن المجموعة كانت في "استطلاع ميداني" وكررت هيئة الإذاعة اللبنانية الادعاء. وقد اشتبكت عناصر متصلة بحزب الله اللبناني مع متمردين سوريين معتدلين ومجموعات جهادية سنية مثل جبهة النصرة. قيل إنه بين منتصف 2014 إلى نهايتها كانت بعض عناصر المتمردين قد قامت بهجوم في المنطقة. وقد كانت النصرة تحديدًا تتقدم باتجاه بلدة القنيطرة. في المناطق المتاخمة مباشرة للجولان والمعروفة عامة بـ "الجبهة الجنوبية"، أصبح تقدم المتمردين المعتدلين يوصف بشكل متزايد على أنه نموذج بديل محتمل لبشار الأسد أو للحكم الجهادي.

بالنسبة إلى حزب الله، كان تقدم المتمردين على الجبهة الغربية شوكة في جنب مهمة دعم الأسد وتأمين جبهة جديدة ضد إسرائيل. وتم التأكيد على أهمية هذه المنطقة بوجود الجنرال محمد علي عبد الهادي، من قوات الحرس الثوري، والذي قتل مع خمسة إيرانين آخرين في الهجمة الإسرائيلية يوم 18 يناير.

وقد وعدت طهران بالرد على الهجوم، فقبل الهجمة الانتقامية في 28 يناير بيوم واحد قيل إنها مرّت بـ "قنوات دبلوماسية" مع الولايات المتحدة مرّة أخرى كي تهدد إسرائيل بالرد. إن قتل قائد عسكري إيراني له رتبة كبيرة، كان يتعاون بشكل مباشر مع قيادات حزب الله، جاءت في أعقاب تقارير متزايدة عن أنشطة مفتوحة لقوات الحرس الثوري في لبنان. وقد كان الحرس الثوري نشطًا في الحملة السورية وينسق عمليات مع حزب الله ضد القوات المتمردة المعتدلة والجهاديين السنة، لكنهم استمروا في خسارة أعضاء في سوريا. في أغسطس 2012، قام متمردون سوريون باختطاف أكثر من 40 إيراني متصل بالحرس الثوري. وبغض النظر عن الخسائر فإن إيران وأتباعها لديهم أهدافًا استراتيجية أكبر من مجرد استعادة أراضي من المتمردين السنة والجماعات الجهادية.

كتيبة الشباب

أوضحت إصابة بعينها هذه الأهداف. أشهر أعضاء حزب الله الذين ماتوا في هجوم 18 يناير كان جهاد عماد مغنية، ابن العقل المدبر لرعب حزب الله عماد مغنية. والد جهاد، الذي يرجح أنه كان متورطًا في الانفجارات التي استهدفت قوات حفظ السلام الأمريكية والفرنسية في بيروت عام 1983، وتفجيرات الكويت عام 1983، والذي كان مطلوبًا في الولايات المتحدة لتورطه في خطف طائرة التي دبليو أيه 847، قتل في اغتيال مبهم عن طريق سيارة مفخخة في وقت مبكر من عام 2008. مثل والده من قبله، أقيمت جنازة جهاد مغنية في منطقة الضاحية التي يسيطر عليها حزب الله، جنوب بيروت، وحضرها الآلاف. هتف المشيعون "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل" بينما يحمل النعش العديد من مؤيدي حزب الله.

وقد كان نسب جهاد عنصرًا أساسيًا في صعوده داخل حزب الله، لكنه لم يكن العنصر الوحيد. وبينما كان لمغنية الصغير واسطة إلا أنه بدا وكأنه يتبع خطى مقاتلي حزب الله الآخرين. في طفولته، كان عضوًا في كشافة الإمام المهدي التابعة لحزب الله، وهي منظمة تعمل كحضانة للناشئة كي يصبحوا لاحقًا أعضاءً ومقاتلين في حزب الله. وقيل إن صورًا ظهرت على مواقع تواصل اجتماعي مرتبطة بحزب الله، أظهرت جهاد يشترك في مسيرات خاصة للمجموعة. لكن الادعاءات حول مهارته العسكرية تبقى مراوغة.

بينما لا يوجد سوى القليل من المعلومات المؤكَّدة فيما يخص تصعيد جهاد في صفوف حزب الله، إلا أن عددًا من التقارير التي ظهرت تدّعي أنه كان نشطًا في سوريا. وفي وقت متأخر من 2013، ادعت مصادر استخبارتية تابعة للجيش السوري الحر أن جهاد تسلم قيادة "ملف الجولان" الذي ما يزال يتطور.

ورغم صغر سنة - قيل إنه ولد في 1989 مما يجعله في منتصف العشرينيات - إلا أن جهاد يمتلك تاريخًا من الدعوة لحزب الله مع رعاة مشهورين. وفي سياق الترويج لمغنية الصغير كان يتم تصويره مع سكرتير عام حزب الله، حسن نصر الله، وقائد قوات فيلق القدس، قاسم سليماني، والجنرالات الإيرانين والدبلوماسيين وحتى المرشد العام الإيراني آية الله خامنئي.

وعقب اغتيال والده في دمشق، كان لجهاد صورة علنية أكثر من والده الراحل. كان نشطًا في الجناح الطلابي من حزب الله في الجامعة الأمريكية ببيروت، وكان يزيّن تلفزيون المنار التابع لحزب الله مادحًا الشهداء مثل والده. في خطبة عام 2008، ارتدى زيًا عسكريًا خلال احتفالية في ذكرى والده وقيادات أخرى من حزب الله وصعد على المسرح منشدًا "في خدمتك يا نصر الله". وخلال الذكرى السنوية للقادة الشهداء عام 2013 صعد جهاد مرّة أخرى إلى المسرح.

وبغض النظر، فإن جهاد مغنية - الذي قيل إن اسمه كتب على أجسام المدافع التي وجهت إلى مواقع إسرائيلية - كان أهم في موته عن كونه فاعلًا، وبالذات بالنسبة لشباب حزب الله. من الجدير بالملاحظة أن العديد من شخصيات حزب الله التي قُتلت مع جهاد كانت صغيرة مثله: علي حسن إبراهيم (قيل إنه ولد عام 1993) غازي علي ضاي (قيل إنه ولد عام 1988) ومحمد علي حسن أبو الحسن (قيل إنه ولد عام 1985). من المرجح أن جميع هؤلاء كانوا قيادات ميدان من مستوى منخفض في حزب الله، ومسؤولين عن وحدات صغيرة أو مناطق جغرافية في مرتفعات الجولان.

تحول في القوة عبر الحدود السورية

وبينما تمثل هجمات 18 يناير ملحمة أخرى في الحرب طويلة الأمد بين إسرائيل وحزب الله كما أنها تبرز تحولًا استراتيجيًا في القوة بين إيران ونظام الأسد. نجاح حزب الله في فتح جبهة في الجولان إنجاز كبير. مع تمكن أكبر من الجولان - أو على الأقل لأجزاء منه - سيكون لدى حزب الله منطقة جديدة غير لبنانية يمكن استخدامها لاستهداف إسرائيل. ويمكن أن يكون هذا هو هدف حزب الله الأساسي على طول الخط. من مدة طويلة قبل الحرب الأهلية الشرسة في سوريا كان حافظ وبشار الأسد هما من استخدموا لبنان، وكثيرًا حزب الله، كواجهة لتمكين أهدافهما العسكرية ضد إسرائيل. أما الآن فقد انقلبت الطاولة وحزب الله وأسياده في طهران هم من يستطيعون اختيار مناطق من سوريا لاستخدامها ضد إسرائيل.

بالنسبة لإيران ووكيلها حزب الله فإن هذا النجاح هو خطوة في عملية محاصرة الإسرائيلين عسكريًا. تعيد طهران الآن تعضيد علاقاتها مع حماس في غزة، متعاملة مع دفعه نحو جبهة جنوبية ضد القدس. إن احتاج الأمر فإن الظروف شبه الفوضوية يمكن أيضًا أن توفر لحزب الله إنكارًا مقبولًا (في الحالة غير المعتادة، في إنكار أنه كان له دورًا في مهاجمة الدولة اليهودية). جغرافيًا فإن السيطرة على أحوال الجولان شبه الفوضوية يمكن أيضًا أن تخلق منطقة يسيطر عليها حزب الله تمتد من البحر المتوسط وحتى الحدود الأردنية.

كان هناك توترات قد حدثت بالفعل بين حزب الله وإسرائيل في الجولان على الحدود الإسرائيلية اللبنانية.

من وقت مبكر في مايو 2013، أعلن بشار الأسد أن الجولان ستصبح "جبهة مقاومة". وقد تبع ذلك تهديدات من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة (PFLP-GC)، الوكيل الفلسطيني للأسد، مدعية أنها سترسل مقاتلين لقتال الإسرائيلين في المنطقة. كما تابع حزب الله نداءه "بتحرير الجولان السوري". في 5 مارس 2014، حاول مقاتلو حزب الله زرع متفجرات مرتجلة (IED) وهي عملية أفشلتها القوات الإسرائيلية. ولكن بعد أقل من عشرة أيام من هذه المحاولة، أعلن حزب الله مسؤوليته عن هجوم بالمتفجرات قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية أصابت أربعة جنود إسرائيلين في شمال الجولان. وحدث هجوم آخر بالمتفجرات مركزه لبنان، في أكتوبر 2014، واتهم حزب الله بتنظيمه.

ويقال إن حزب الله خلق مجموعات تابعة في المنطقة: حسبما قال جنرال إسرائيلي "يعطي حزب الله (هذه المجموعات) المتفجرات ويعطيهم الإيرانيون الإلهام". في وقت مبكر من عام 2014، ظهرت صور لـ"أبو شاهد الجبوري" قائد "لواء ذو الفقار"، ميليشيا عراقية شيعية تدعم حكم بشار الأسد، وتتمركز في الجولان بجوار الحدود مع إسرائيل. وقد ساعد حزب الله على تكوين "لواء ذو الفقار" وعمل مع المجموعة في سوريا. بالنسبة لإسرائيل يبدو أن هذا يكفي. في 18 يناير، كانت الهجمة الجوية على جهاد ورفاقه محاولة للتخلص من بعض أشهر المخططين لهذه الهجمات، ثم يمكن أن يشاهد قصف 28 يناير على أنه إشارة لدمشق وحزب الله وطهران: لن يتم تحمل فتح جبهة الجولان.

ومن المفهوم أن إسرائيل قلقة حول هذا التطويق. ولكن هذا التطور لا يقتصر على إسرائيل. مع إنتصار الحوثيين في اليمن وإزدياد التوتر في البحرين والملشيات الشيعية المتعددة التابعة لإيران التي تستعرض قوتها في العراق تواجه السعودية محنة أكثر إثارة للمتاعب ولكن مشابهة لمحنة الإسرائليين في قوس الجغرافي لتأثير طهران.

ولكن ليس من السهل إخافة حزب الله - وطهران - بسهولة. لقد أوضح هجوم 28 يناير الذي قتل جنديين إسرائيليين أن ثمن عدم الرد أكبر من مخاطر إشعال حرب حدودية إقليمية. لا يريد حزب الله أن يبدو وكأن يديه مغلولتين بمحاربة العناصر السنية في سوريا. مع إطلاق أربع صواريخ مضادة لدبابات داخل مزارع شبعا وهجمات بقذائف الهاون على جبل هرمون (وربما تكون منسقة مع هجمات الصواريخ يوم الثلاثاء) فإن حزب الله يبدو مصمما على الانتقام - والتوضيح لإسرائيل أن الدولة اليهودية لاتزال الهدف رقم 1.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب