إلى متى يمكن أن يصمد محمود عباس؟

مقال رأي

 

كانت الأجواء غير اعتيادية لتقديم اعتراف مهم. قال محمود عباس أبو مازن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية لسياسيين ورجال دين وإعلاميين تجمعوا في كنيسة المهد في احتفال عيد الميلاد الأرثوذوكسي في بيت لحم يوم 6 يناير إن المبادرة الفلسطينية الأخيرة في مجلس الأمن قد جاءت بدافع اليأس: "لقد يئسنا من كل الخيارات الاخرى للوصول إلى حل".

قبل ذلك بأسبوع فقط، تواصل الفلسطينيون مع الخمسة عشر عضوًا في المجلس عبر الأردن، لوضع جدول زمني لانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة وإقامة دولة مستقلة.

فشل الاقتراح بفارق صوت واحد. وفي اليوم التالي، عقد عباس اجتماعًا طارئًا مع قادة الحزب وأعضاء آخرين من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقعوا فيه على طلب للانضمام إلى نظام روما الأساسي، والذي يمهد الطريق أمام الفلسطينيين للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، الهيئة القانونية الموجودة في لاهاي والتي تحاكم في قضايا جرائم الحرب. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، استخدم مسؤولون فلسطينيون التهديد بالانضمام للمحكمة الجنائية الدولية ومقاضاة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب كورقة رابحة، فقط ليستخدموها كملاذ أخير. وفي عشية رأس السنة، تم توقيع الأوراق أخيرًا، مما يسمح بالانضمام إلى المحكمة في 1 أبريل 2015.

وقال مسؤولون فلسطينيون أن هذا الإجراء قد اتّخذ بعد استنفاذ جميع الخيارات. توقفت المفاوضات غير المثمرة التي تقودها الولايات المتحدة في أبريل 2014، مع عدم استعداد واشنطن لاستثمار المزيد من الوقت في جهود دبلوماسية حتى الانتخابات الإسرائيلية في مارس 2015. وكما صرح رياض منصور السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة مجلس الأمن في 30 ديسمبر  "لم يعد الشعب الفلسطيني والعالم قادرين على الانتظار".

ولكن قد يكون السياسيون الفلسطينيون وليس الشعب الفلسطيني، هم من لم يعودوا يطيقون الانتظار. دفعت من المجموعة من العوامل مجمود عباس للاتجاه إلى المحكمة الجنائية الدولية. حدد استطلاع رأي حديث شعبيته في قطاع غزة بـ35 في المائة، انخفاضًا من 50 في المائة قبل الحرب على غزة في الصيف الماضي. توقفت إعادة إعمار قطاع غزة وسط اتهامات بالفساد وسوء الإدارة. إنه مقيد بالمجتمع الدولي، والذي يمول حكومته تحت رعاية التنسيق الأمني مع إسرائيل. الكثير من الأحزاب الفلسطينية الأخرى، إضافة إلى البعض من داخل صفوف حركة فتح، فقدوا الثقة في عباس. وتستمر إسرائيل في أن تكون الشريك المتعنت، بتقديم القليل لعباس في مقابل مفاوضات طويلة. ويكشف قرار حكومته الأخير باستخدام ما قد يكون قوتها الأخيرة عن اختيارات عباس الآخذة في القتامة.

وقال رمزي بارود الكاتب الفلسطيني والمعلق السياسي المقيم في بريطانيا "إن الغرض من خطوة المحكمة الجنائية الدولية هو ضمان بقائه .. إنه يعرف جيدًا أن لا أحد مقتنع بلعبته القديمة (العودة للمفاوضات) وإطلاق تهديدات بالانسحاب. إنه يحتاج لشيء مثير للغاية، إشارة من نوع يؤكد لأنصاره أن هناك شيئًا مختلفًا وجديدًا، وأنه يجب أن يكسب بعض الوقت".

كان عقاب الحكومة الإسرائيلية الأخير ردًا على خطوة المحكمة الجنائية الدولية في رام الله هو تجميد عائدات الضرائب التي تجمعها بالنيابة عن الفلسطينيين . يمكن أن يؤثر ذلك على رواتب ما يقرب من 160 ألف موظف في السلطة الفلسطينية. ومع سيطرة إسرائيل الكاملة على أكثر من 60 في المائة من الضفة الغربية، فإن الفلسطينيين غير قادرين على الاعتماد على قطاعات مثل الزراعة والتصنيع، مما يؤدي بالكثيرين للاعتماد في دخولهم على السلطة الفلسطينية المدعومة بالمنح.

ولجعل الأمور أكثر سوءًا، لاحقت عباس شائعات تدهور صحته وتمت مواجهته من قبل خصومه السياسيين سواء داخل أو خارج حزبه. وقال بارود " يعرف عباس أن هناك منافسين جدد قد ظهروا. بعد الحرب على غزة، ارتفعت أرقام حماس في الاستطلاعات؛ ويحاول محمد دحلان العودة، ويجاول آخرون أن يقدموا أنفسهم كبدائل لعباس". بعد أن كان دحلان "53 عامًا" في وقت من الأوقات رجلًا مؤتمنًا ومقربًا من عباس، تم طرده من فتح  الحزب الحاكم في الضفة الغربية والذي يرأسه الرئيس الفلسطيني. جاء هذا الطرد بعد سيطرة حماس على قطاع غزة في عام 2007، والذي انتزع السيطرة على القطاع من قوات دحلان. ويواجه دحلان أيضًا اتهامات بالفساد.

يعيش دحلان الآن في دولة الإمارات، ولكن على الرغم من إقامته خارج فلسطين لأكثر من أربعة أعوام، فإنه ما يزال يلقي بظلال طويلة على الساحة السياسية الفلسطينية. وفي يوم 12 يناير كشف على صفحته على فيسبوك أنه أمَّن افتتاح معبر رفح الحدودي من خلال محادثات مع السلطات المصرية. إذا تم فعلًا افتتاح هذا المعبر الحدودي بين غزة ومصر بعد شهور من الإغلاق، فهذا إنجاز من شأنه الإشارة إلى أن دحلان يمكن أن يحقق ما فشل فيه عباس.

وعلى الرغم من أن دحلان يوصف في الحقيقة كخليفة محتمل لعباس، فإنه ليس الاسم الوحيد في الجعبة. أحد الأسماء هو رئيس الوزراء السابق سلام فياض، الاقتصادي الذي تلقى تدريبه في الولايات المتحدة والموظف السابق في صندوق النقد الدولي، والمعروف بجهوده الضخمة التي يبذلها في إصلاح السلطة الفلسطينية، وبخاصة في قطاعيها الاقتصادي والأمني. ويعد فياض رجلًا محبوبًا في المجتمع الدولي، وسيستقبله المانحون الغربيون والدبلوماسيون بسرور كقائد فلسطيني جديد. وفي عام 2012، قال فياض لواشنطن بوست إنه قد يسعى للرئاسة في أحد الأيام.

ويبدو أن عباس قد أحاط علمًا بما قاله المنافس المحتمل. ففي أغسطس 2014، قامت قوات الأمن الفلسطينية باستجواب اثنين من الموظفين الذين يعملون لحساب منظمة غير ربحية أسسها فياض. جرى الاستجواب في توقيت غريب. في أوج الحرب الإسرائيلية في غزة. وتم سؤال الموظفين أيضًا ما إذا كانت المنظمة التي تسمى "المستقبل نحو فلسطين" لها أي طموحات سياسية.

وتأتي هذه الأحداث في الوقت الذي يتهم فيه بعض الفلسطينيين الرئيس بتضييق الخناق على المعارضة. وذكر استطلاع حديث للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسي والمسحية، إن 30 في المائة فقط من الفلسطينيين قالوا إن هولاء الموجودين في الضفة الغربية أحرار في انتقاد السلطة الفلسطينية. ولم تقم السلطة الفلسطينية بالكثير لتبديد هذه المخاوف. ففي 6 نوفمبر 2014، تم حظر أكير نقابة عمالية في الضفة الغربية تمثل نحو 40 ألف من الموظفين الحكوميين، بعد سلسلة من الإضرابات تدعو إلى تحسين الأجور. وتم سجن اثنين من كبار المسؤولين في النقابة لمدة أسبوع. وقال مجلس الوزراء في السلطة الفلسطينية والذي قام بحظر النقابة، إن النقابة لم تكن مسجلة بشكل رسمي أبدًا، وإن هذه الإضرابات المستمرة تشل المؤسسات الحكومية. ولكن تم استقبال الحملة الأمنية بشكل سيئ من قبل الجمهور: ووصفه 65 في المائة من المشاركين في نفس الاستطلاع بـ"غير المقبول أو غير القانوني".

وقال خليل شيكاكي مدير المركز "يؤثر ذلك على شعبية السلطة الفلسطينية" وأضاف "يؤثر على مستوى قبول عباس وأيضًا على دعم فتح التي يرأسها عباس"

سرعان ما وجد المدافعون عن رئيس النقابة بسام زكارنة أنفسهم في مياه عكرة. في 2 ديسمبر حاصرت قوات الشرطة الفلسطينية البرلمان، والذي لم يعقد جلساته منذ عشر سنوات تقريبًا، لمنع أمينه العام المطرود إبراهيم خريشة من دخول المبنى. وقال منتقدون أن عباس أعفى خريشة من منصبه في نوفمبر الماضي بعد أن أعرب الأخير علنا عن دعمه لزكارنة.

وقالت نجاة أبو بكر عضو البرلمان عن حركة فتح "هناك حالة من التفرد في صنع القرار على أعلى المستويات .. بدلًا من استخدام منتدى عام للتعامل مع المشاحنات الشخصية، ينبغي بذل جهود لإحياء البرلمان، وإلا ينبغي حله".

ولكن التعامل مع مسألة البرلمان الفلسطيني يمكن أيضًا أن يخلق نقاشًا سياسيًا أكثر انفتاحًا، مما يساعد على إعطاء اعتبارات وصوت لمن قد يخلفوه. ولا يوجد لعباس (79 عامًا) وريث واضح، وهو ما غذى المناورات المحمومة على السلطة لملء الفراغ عندما يتنحى في النهاية أو يمرض.

في داخل حركة فتح توجد أصوات ناقدة للرئيس، لعل أبرزها مروان البرغوثي. ظل زعيم حركة فتح، الذي يقضي خمسة أحكام بالسجن المؤبد في سجن إسرائيلي لدوره في الانتفاضة الثانية، ناشطًا سياسيًا، وأصدر عدة بيانات ينتقد فيها سياسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولا يزال البرغوثي يتمتع بتأييد واسع في الشارع الفلسطيني على الرغم – إن لم يكن بسبب – موقفه من فتح ووجوده في السجن.

دخلت السياسات الداخلية المشحونة أيضًا في محاولات فتح لعقد مؤتمرها الحزبي السابع. كان من المقرر أن يعقد في الأصل في 17 يناير، وتم تأجيل المؤتمر بسبب النزاعات الداخلية وفقًا لما قاله عضو من الحركة على دراية بالإجراءات. ومن المفترض أن تجري فتح انتخابات داخلية قبل المؤتمر. ومع ذلك، عقدت الانتخابات الداخلية فقط في الضغة الغربية وليس غزة. ولم تتحقق بعد المحاولات لعقد هذه الانتخابات في القطاع في الأسابيع الأخيرة بسبب الصراع الداخلي. وقال عضو حركة فتح "في كل مرة يتقرر إجراء انتخابات في غزة يبدأ مؤيدو دحلان ومؤيدو عباس في الشجار .. لا يمكننا عقد المؤتمر في ظل هذا الانقسام".

ونفى أمين مقبول أمين سر المجلس الثوري لحركة فتح، الهيئة الرقابية للحركة، في مقابلة مع صحيفة "القدس" ومقرها القدس، أن ئتكون السياسة الداخلية قد لعبت أي دور في اتخاذ القرار، قائلًا إن الأسباب كانت لوجستية. ولكن قال عضو فتح أيضًا إن المؤتمر تم تأجيله لتجنب الجدل. موضحًا أن "هناك الكثير من القضايا الخلافية ستثار، ومن بينها مسألة ترشح عباس لقيادة فتح. ضع في اعتبارك الحكمة التقليدية التي تقول أن من يقول فتح يقود أيضًا السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية".

ويأتي الصدام الداخلي في فتح في وقت تحتفل فيه الحركة بالذكرى الخمسين لإنشائها. نزل أعضاء الحركة إلى شوارع رام الله في 31 ديسمبر - وهو نفس اليوم الذي وقع فيه الفلسطينيون للانضمام للمحكمة الجنائية الدولية- ليحضرون للاحتفال، مع ملصقات تحمل شعار الحركة والعلم الفلسطيني. ومن بين مجموعات اللافتات كان صور بطبقة بنية داكنة لياسر عرفات في شبابه، وملصقات تقول "فتح: 50 عامًا من المقاومة والبناء".

يبدو ذلك الشعار منفصلًا بشكل متزايد عن الزمن. جاءت مسيرة نهاية ديسمبر بعد ما يقرب من 10 أعوام على انتخاب عباس ( وست سنوات على انتهاء ولايته) و20 سنة منذ بدء عملية السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، مما يلقي الضوء على الوضع الراهن المتصلب للسياسة الفلسطينية. يجب أن تحاسب فتح على هذه السنوات العشرين من المفاوضات الشاقة والتي شهدت ارتفاع عدد سكان المستوطنات الإسرائيلية إلى ما يقرب من نصف مليون، والانقسام الذي حرض الفلسطينيين على بعضهم البعض لما يقرب من ثمان سنوات.

تثقل وطأة الواقع عندما ننظر إلى الوراء على إرث عباس وإلى الأمام على أي خليفة محتمل. مع تجمع الغيوم في الأفق، تضاءلت خيارات عباس، وكل ما تركه هو تدويل الصراع، والحفاظ على تفكك السلطة الفلسطينية، ووقف التنسيق الأمني مع الإسرائيليين. ومع ذلك، فإن الاعتماد على الدبلوماسية سيتم مساءلته من الأحزاب الأخرى، ومن الجماهير الفلسطينية، وحتى من أعضاء حزبه مثل مروان البرغوثي الذي دعا في نوفمبر إلى "المقاومة". ومع ذلك، أعلن الرئيس الفلسطيني أنه سيسعى لإعادة طرح إقامة دولة فلسطينية في مجلس الأمن، حتى بعد أن فشلت في المرة الأولى.

وقال بارود المعلق السياسي "من الصعب أن تصدق أن عباس القريب من عمر الثمانين عامًا، قرر أن يقرر أن يجري تغييرًا جوهريًا لمساره" في النضال من أجل الاستقلال الفلسطيني.. "الأمر كله يهدف لكسب الوقت وتشتيت الانتباه، ولكن هل هذه استراتيجية نحو نهاية محددة؟ لا أعتقد ذلك".

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب