الأزمة في اليمن

مقال رأي

منذ 22 يناير، منيت حكومة اليمن بأزمة لا حل لها تقريبًا. بعد صراع على السلطة استمر لعدة أيام، تنحى الرئيس، عبد ربه منصور هادي، مع رئيس الوزراء، خالد بحاح، وحكومته كلها. تقدم ماري كريستين هاينز نظرة فاحصة على الأزمة الحالية وآثارها الأوسع.

استولى المتمردون الحوثيون على العاصمة صنعاء، في سبتمبر 2014، وبدا أنهم يعملون على تعزيز قوتهم هناك في الأيام التي سبقت استقالة الحكومة. وقد كان السبب في الأزمة الحالية هو عرض مشروع الدستور يوم السبت 17 يناير.

المادة 391 من مسودة الدستور تنص على تقسيم الدولة اليمنية الاتحادية في المستقبل إلى ست مناطق فيدرالية، وهو التقسيم الذي رفضه الحوثيون. إنهم لا يرفضون تطبيق نظام فيدرالي في حد ذاته، ولكنهم يرفضون تقسيم منطقة شمال البلاد التي يرغبون في السيطرة عليها إلى ثلاث مناطق فيدرالية مختلفة.

في اليوم الذي قدمت فيه مسودة الدستور، خطف الحوثيون أحمد عوض بن مبارك، مدير مكتب الرئيس عبد ربه منصور هادي. وفي الأيام التي تلت ذلك، تصاعد الوضع في صنعاء بعنف وقام المقاتلون الحوثيون باحتلال القصر الرئاسي. وعند قيامهم بذلك حصلوا على دعم من الوحدات العسكرية الموالية للرئيس السابق، علي عبد الله صالح، الذي كان يدعم الحوثيين منذ العام الماضي.

يوم الأربعاء 21 يناير، توصل الرئيس هادي إلى اتفاق مع الحوثيين، ويتضمن هذا الاتفاق - إلى جانب أمور أخرى - إعادة النظر في مسودة الدستور، وأن يحصل بعض الحوثيين المعينين على وظائف في الوزارات في مقابل الإفراج عن أحمد عوض بن مبارك وانسحاب الحوثيين من القصر الرئاسي.

ومن المهم أن نلاحظ هنا، رغم ذلك، أنه ليس فقط خطأ الحوثيين والرئيس السابق أن الوضع في اليمن قد تصاعد إلى هذه درجة بحيث أصبح الحوثيون قادرين على بناء مثل هذه السلطة التي أجبرت الرئيس هادي إلى إعلان تعيين نائب رئيس، ونائب رئيس وزراء، ونائب وزير عدل من بين صفوفهم قبل وقت قصير من استقالته. بل يجب توجيه اللوم أيضًا للرئيس هادي والمجتمع الدولي، الذي دعم العملية الانتقالية في اليمن في السنوات الأخيرة، وقد فعل ذلك في كثير من الأحيان بنية سليمة.

 عبد ربه منصور هادي، الرئيس السابق لليمن، استقال في 22 يناير، بعد أيام فقط من وصول الحوثيين المتمردين إلى القصر الرئاسي بالقتال. وقد أدت استقالته هو وحكومته بأكملها إلى إغراق البلد العربية غير المستقرة في الفوضى بشكل أعمق.

دول مجلس التعاون الخليجي وأولوية الاستقرار

يمكن أن نرى جذور الفوضى التي نشهدها اليوم في مبادرة مجلس التعاون الخليجي، التي وقّعها علي عبد الله صالح في نوفمبر عام 2011. أولًا، لم يشارك في المفاوضات التي أدّت إلى هذه المبادرة اللاعبون المعنيون في اضطرابات عام 2011 - مثل الحراك الجنوبي، والحوثيين والشباب المستقلين. ثانيًا، منحت مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي علي عبد الله صالح وأسرته الحصانة في مقابل استقالته. واستمرّ منذ ذلك الحين في لعب دور كبير في شؤون البلاد، مثل رئاسة الحزب الحاكم السابق، والمؤتمر الشعبي العام، الذي تقاسم السلطة مع حزب المعارضة السابق، الإصلاح، بعد استقالة صالح.

إن عدم اشتراك اللاعبين الأساسيين في اضطرابات عام 2011 في التفاوض على مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي جاء نتيجة أولوية الاستقرار، الذي يواصل المجتمع الدولي وضعه قبل المشاركة والتفاوض في تعاملاته في جميع أنحاء العالم. وتشترك عضو لمجلس التعاون الخليجي الأقوى، السعودية، في حدود مع اليمن بطول 1800 كم وبالتالي فهي مهتمة بشكل خاص في الحفاظ على مستوى ما من الاستقرار هناك. وعلاوة على ذلك، فإن وجود تنظيم القاعدة في البلاد وموقف اليمن الجيوستراتيجي على واحد من أكثر الممرات المائية ازدحامًا في جميع أنحاء العالم، باب المندب، يعني أن اللاعبين الغربيين مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية يميلون إلى النظر لليمن من خلال عدسة الاستقرار.

وقد أدّت أولوية الاستقرار تلك إلى حقيقة أن الحوثيين حققت مطالبهم في الوقت الذي كان يجب أن تظهر فيه بعض القيود. خلال عام 2014، تقدم الحوثيون من محافظتهم صعدة - التي تقع على الحدود مع المملكة العربية السعودية - إلى المناطق المجاورة، واستولوا على صنعاء من خلال استراتيجية تصعيد متطورة في سبتمبر 2014. وقد أعطى اتفاق السلم والشراكة الوطنية - الذي تفاوض بشأنه مبعوث الأمم المتحدة، جمال بن عمر، في وقت لاحق - شرعية لاستراتيجية التصعيد العسكري الخاصة بهم. ولمرة أخرى فإن بن عمر الآن في خضم عملية التفاوض مع الحوثيين.

التقدم عسكري الحوثي يقع لومه على هادي بشكل أساسي

ومع ذلك، فإن التقدم العسكري للحوثيين في العام الماضي، والذي استمر منذ ذلك الحين فيما ما بعد صنعاء إلى مزيد من المحافظات جنوب العاصمة، هو خطأ الرئيس هادي بشكل رئيسي. عندما استولى الحوثيون على محافظة عمران شمال صنعاء، كان يجب أن يضع حدًا لذلك بمساعدة الجيش. بدلًا من ذلك، تركت الوحدات العسكرية التي تقاتل الحوثيين في عمران للقتال دون مزيد من الدعم والتحصينات. وعندما استولى الحوثيون على صنعاء، بدا واضحًا أن الرئيس هادي كان يستخدم تقدمهم لتخليص نفسه من اللاعبين الآخرين ذوي النفوذ على الساحة السياسية في اليمن. وقد تحقق ذلك بنجاح لكنه ترك هادي، الذي لا يتمتع بأي تأييد تقريبًا في الجيش الشمالي، من دون أي شخص على استعداد وقدرة على احتواء الحوثيين.

إن السهولة التي تمكنوا بها من السيطرة على العاصمة وعلى عدد متزايد من المؤسسات الحكومية مثل البنك المركزي ووسائل الإعلام التي تديرها الدولة في الأسابيع والأشهر التي تلت ذلك جاءت بمثابة مفاجأة للحوثيين أيضًا. بل إنهم يبدون أكثر مفاجأة باستقالة الرئيس هادي والحكومة يوم الخميس الماضي لأنهم توقعوا منهم التمسك بالسلطة.

لقد أثبت خطاب عبد الملك الحوثي، في يوم الثلاثاء الماضي، أنه لا يمتلك حلًا للأزمة الحالية. كما أصبح من الواضح بشكل متزايد أنه يبدو أنه قد فقد السيطرة على بعض من المليشيات والجماعات المسلحة المختلفة التي تعمل تحت مظلة "الحوثيين". تتصرف هذه الجماعات في كثير من الأحيان من خلال مصالحها الخاصة ولا تبدو دائمًا تحت سيطرة صعدة.

يبدو أن التقارير تشير إلى أن اختطاف أحمد عوض بن مبارك لم يحدث نتيجة لأوامر من عبد الملك الحوثي، ولكن كان ذلك عملًا من جانب واحد قامت به مجموعة مسلحة تابعة للحوثيين. ويؤيد ذلك حقيقة أن إطلاق سراحه يوم الثلاثاء جرى التفاوض عليه بين زعماء القبائل في مسقط رأسه في منطقة شبوة. ويبدو أنه قد أتى دون شروط.

لم يعد عبد الملك الحوثي يتمتع بالسيطرة الكاملة

يبدو أن عبد الملك الحوثي الآن لا يعرف تمامًا ما يجب عليه القيام به حيال الوضع الذي ساعد في إحداثه، شأنه شأن باقي اللاعبين السياسيين (الدوليين) في صنعاء. هذا أمر مؤسف لا سيما وأن الحوثيين كانت لديهم القدرة على إحداث تغيير فعلي وإيجابي في شمال البلاد.

فقد أوضحت رؤيتهم "للدولة التشاركية" - التي أثيرت في مؤتمر الحوار الوطني الذي انتهى في يناير 2014 وكان للحوثيين فيه دورًا بناءً - رفضهم التام للفساد، وأفكارهم بشأن العلاقة بين القبائل والدولة وكذلك استعدادهم لمحاربة تنظيم القاعدة، وكان ذلك من شأنه أن يساهم في إحداث تغيير إيجابي في اليمن. ولقد أدى طرد بعض النخب الفاسدة من صنعاء في أعقاب نصرهم في سبتمبر 2014 إلى ظهور بعض الأمل. ومع ذلك، يبدو الآن كما لو أن الحوثيين قد أصبحوا أسوأ عدو لأنفسهم.

سيكون أسهل وأفضل حل للأزمة الحالية أن يوافق الحوثيين على الانسحاب من صنعاء والمحافظات التي تقع جنوب العاصمة التي استولوا عليها منذ سبتمبر الماضي. وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى عودة الحكومة وكذلك الرئيس هادي، وبالتالي "استقرار" الوضع كما يريد المجتمع الدولي أن يكون. ولكن حتى لو رأى عبد الملك الحوثي ذلك باعتباره خيارًا قابلًا للتطبيق، فهو على الأرجح لن يكون قادرًا على تنفيذ ذلك حيث إنه يفتقر إلى السيطرة على بعض المليشيات الخاصة به. في خطابه يوم الثلاثاء 27 يناير، دعا إلى مزيد من المظاهرات في صنعاء يوم الجمعة وإلى تجمع عام للتفاوض على حل للمشكلة في نفس اليوم.

 

 مقاتل حوثي يحمل بندقية مع ملصقًا عليه أحمد علي عبد الله صالح، الابن البكر للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح. وفقًا لماري كريستين هاينز، حصل المتمردون الحوثيون على دعم من الوحدات العسكرية الموالية للرئيس السابق، علي عبد الله صالح، الذي كان يدعم الحوثيين منذ العام الماضي.

 

صالح ينتظر فرصة للقفز على السلطة، ولا يزال يستخدم علاقاته

إن الشريك الحالي في لعبة السلطة السياسية، علي عبد الله صالح، ربما يود أن يرى البرلمان يقبل استقالة هادي والحكومة. وهذا يعني أن يحيى الراعي، رئيس البرلمان المقرّب من صالح، سوف يصبح الرئيس الانتقالي. وما هو أكثر من ذلك، فإن البرلمان الحالي الذي انتخب عام 2003، يسيطر عليه المؤتمر الشعبي العام، الذي يتزعمه صالح. لا يبدو أن الحوثيين يفضلون مثل هذا الحل لأن عودة صالح إلى (وكالة) السلطة سيضعف موقفهم. يبدو أنهم يفضلون "مجلس رئاسي" يتكون من مجموعة متنوعة من اللاعبين السياسيين من أجل التوصل إلى حل تشاركي.

ومع ذلك مثل هذا المجلس لن يكون جيدًا بالنسبة لليمن لأنه لن يملك الشرعية ولا القوة السياسية. إلى جانب أن كفاح الجيش للسيطرة على الأراضي الواقعة خارج العاصمة والوصول إلى الموارد سوف يستمر. تتصاعد هذه الصراعات حاليًا في محافظة مأرب، التي تمتلك النفط والغاز والتي تحاول مليشيات الحوثيين حاليًا السيطرة عليها.

وتجمعت قبائل مأرب لمكافحة هذا التسلل، ويبدو أنها تمكنت مؤخرًا من الوصول إلى بعض المركبات والأسلحة الجديدة. وهناك تكهنات بأن المملكة العربية السعودية قد تكون هي من تقدمهم من أجل وضع حد لمليشيا الحوثيين الشيعية التي تزداد قوتها على حدودها الجنوبية. ولكن حقيقة أن المملكة العربية السعودية قد فقدت حاكمها في نفس المساء الذي استقال فيه الرئيس اليمني والحكومة من مناصبهم، يبدو أنها قد أدى إلى هدوء مؤقت في تأثيرها على الأحداث في اليمن.

وهكذا فإن صنعاء تتجه الآن على الأرجح الى حل وسط كريه آخر يهدف إلى ضمان الاستقرار ولكنه لا يحل شيئًا في نهاية المطاف. ومع ذلك، فإن مثل هذه التسوية ستكون معجزة تقريبًا. في هذه الأثناء، يواصل تنظيم القاعدة في النمو، كما أنه قادرة على تصوير نفسه على أنه اللاعب الوحيد الذي على استعداد لقتال الحوثيين.

وقد أدت الفوضى في صنعاء أيضًا إلى حقيقة أن الحراك الجنوبي المتباين قد يبدو قادرًا على التوحد تحت قيادة مشتركة للمرة الأولى منذ ظهوره في عام 2007. قام الحوثيون بمد يد نحو الحراك الجنوبي في الأشهر الأخيرة بهدف إدراجه في المفاوضات السياسية في صنعاء من أجل الحفاظ على وحدة البلاد. وإذا أعلن الجنوب الانفصال في أعقاب الأحداث الأخيرة، فإن الحوثيين أيضًا يتحملون بعضًا من المسؤولية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب