التركة الجزائرية

مقال رأي

منذ حدوث الهجمات على مجلة شارلي إيبدو ومتجر للأطعمة اليهودية في باريس، تعزز إجماع القادة الفرنسيين والعالم أن تلك الأعمال تمثل تصعيدًا في الحرب ضد الاسلام الأصولي العالمي. وليعبروا عن تصميمهم على مواجهة هذا التحدي مشترك، شارك 40 قائد دولة - من إيطاليا إلى مالي، ومن إسرائيل إلى فلسطين- في مسيرة من ساحة الجمهورية إلى ساحة الأمة يوم الأحد الماضي.

لا يمكن إنكار أوجه التشابه بين هذه المجزرة وبين محاولات سابقة لمعاقبة من يفترض اساءتهم للإسلام. ففتوى إهدار دم سلمان رشدي عام 1989، وقتل المخرج الهولندي ثيو فان جوخ عام 2002، ومحاولة اغتيال رسام الكاريكاتير الدنماركي كورت فيسترجارد عام 2010، قد استهدفت أيضًا الفنانين والكتاب. بل إن الجهاديين نفسهم يبدون مألوفين أيضا: شباب مهمشون ومحبطون يعيشون في بلد غربي، تواصلوا مع أحد مشاهير المتطرفين. يعمل كل هذا على ربط الأحداث في فرنسا بالحرب العالمية على الإرهاب. جاء عنوان صحيفة لوموند في اليوم التالي "11 سبتمبر الفرنسية،" وأوصل الفكرة ذلك الكاريكاتير الذي نُشر على نطاق واسع ويظهر طائرة تصطدم ببرجين على شكل قلمَي رصاص.

ولكن هناك مؤشرات الأخرى - مثل نطاق وكثافة الهجمات وإدراج هدف يهودي إلى جانب رسامي الكاريكاتير المسيء- تشير إلى أن أحداث الأسبوع الماضي قد تكون أيضا استمرارًا لفصلًا غير منته في التاريخ الفرنسي: الحرب الجزائرية.

إن استمرار هذه العلاقة بالجزائر لهو أمر مؤلم للبلدين المعنيين. فقبل الأخوين كواشي، شريف وسعيد، كان هناك إرهابي تولوز محمد مراح عام 2012، وقبله خالد كلكال من ليون عام 1995. أما مهاجمي يوم الاربعاء الماضي، فقد جندهم وساهم في تطرفهم فريد بن ياتو، وهو فرنسي آخر من أصل جزائري سُجن لفترة وجيزة على خلفية اتهامات تتعلق بالارهاب.

ولكن هناك لفتة تحذيرية مهمة في هذا الربط: لقد كان هؤلاء فرنسيين، وليسوا جزائريين. غادر كلكال الجزائر عندما كان في الثانية من عمره، أما مراح وبن ياتو والأخوان كواشي، فقد ولدوا جميعا في فرنسا، وذهبوا للمدارس الفرنسية، وكانت لهم حبيبات فرنسيات، وقضوا وقتًا في السجون الفرنسية. هذا هو السبب في إحجام السلطات الجزائرية عندما حاول الفرنسيون "إعادة" جسد مراح، بعد هجوم عام 2012. هذه المرة، أكد مراقبين جزائرين – لأسباب مفهومة- على تضحيات اثنين من الفرنسيين الجزائريين الضحايا - مصطفى أوراد، وهو مدقق لغوي في مجلة شارلي إيبدو، وضابط الشرطة أحمد مرابط-  حيث قَتل الإخوة كواشي الإثنين رميا بالرصاص ودفنوا في باريس هذا الأسبوع .

يعد هجوم يوم الاربعاء على شارلي إيبدو هو الحادث الإرهابي الأكثر دموية في فرنسا منذ عام 1961، عندما انفجرت قنبلة في قطار مسافر من ستراسبورغ الى باريس وقتلت 28 شخصًا. وقد كان لذلك الهجوم، أيضًا، صلات جزائرية. لكنه لم يكن عدوانًا جزائريًا. بدلًا من ذلك، زرعت تلك القنبلة مجموعة قومية فرنسية لم ترد أن تغادر فرنسا الجزائر، وتلك المجموعة هي منظمة الجيش السري. اغتالت تلك المنظمة المسؤولين الفرنسيين الذي شاركوا في التفاوض على الانسحاب من شمال أفريقيا وفجروا عشرات القنابل التي قتلت مئات من الجنود الفرنسيين والآلاف من المدنيين.

لكن في النهاية لم تحصل منظمة الجيش السري على مبتغاها بالطبع. أثناء انسحاب فرنسا الفوضوي من الجزائر، فر الملايين من الفرنسيين الذين كانوا يعيشون في الجزائر (ويطلق عليهم اسم الأقدام السوداء) إلى أراض الوطن الأم التي لم يعرفوها أبدا. بالنسبة لهم، ولأنصار آخرين للإمبراطورية الفرنسية، كان الاستقلال خيانة. وبالفعل، في العام الذي بدأت فيه منظمة الجيش السري هجماتها، أسس المرشح الرئاسي المستقبلي جان ماري لوبان "الجبهة الوطنية للجزائر الفرنسية".

ولكن سرعان ما تضاءلت الشهية الفرنسية للخوض في الشؤون الجزائرية ، وقصر لوبان اسم حزبه على "الجبهة الوطنية" بعد عقد من الزمن. وبحلول عام 1991، عندما كان الإسلاميون الجزائريون على شفا الفوز بنسبة 80 في المائة من المقاعد البرلمانية في الجزائر، ألغت الحكومة الجزائرية الانتخابات، واقتصرت انتقادات فرنسا على ملاحظة خفيفة الوقع حول ذلك القرار "غير الطبيعي إلى حد ما". ولكن كان هذا كافيا لإزعاج الجزائريين وإثارة غضب الإسلاميين. ولكن إذا كانت الحكومة الفرنسية قد فعلت أي شيء آخر، فلربما كانت قد اتهمت بإضمارها نوايا استعمارية جديدة.

وتبع ذلك حرب أهلية دامية في الجزائر خلال تسعينيات القرن العشرين. في تلك الأيام، سقط الكثير من أفضل الكتاب والفنانين والمطربين الجزائريين ضحية للمتطرفين المسلمين شديدي العنف. ويشابه التضامن الحالي الذي أبداه رسامي الكاريكاتير الجزائريين، الذين يتمتعون بمكانة كبير في الصحف اليومية في البلاد والتي يبلغ عددها نحو ثلاثين، مع موقف المثقفين الفرنسيين ضد ذبح الإسلاميين لزملائهم غير المقاتلين في الجزائر.

وكان هذا السياق هو الذي شهد ظهور أول إرهابي إسلامي محلي في فرنسا، وهو كلكال الذي ساعد في قتل ثمانية مواطنين في عام 1995 وجرح العشرات في هجمات منفصلة، بما في ذلك انفجار سيارة مفخخة خارج مدرسة يهودية في فيلوربان. وعندما وضع كلكال قنبلة على امتداد سكة حديد بالقرب من مسقط رأسه في عام 1995، كان يكمل من حيث انتهت منظمة الجيش السري منذ عقود.

أدت بصمات كلكال لتحديد القوات الخاصة لهويته وإلقاء القبض عليه بعد مطاردة امتدت لمدة يومين. لقد قُتل في بث تلفزيوني مباشر، وهو سيناريو عاشه الجمهور الفرنسي منذ ذلك الحين لمرتين أخرتين: في حالة مراح والأخوان كواشي.

ودفعت هذه الأحداث الرهيبة أكبر مسيرة للتضامن في التاريخ الحديث. لكن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند رفض دعوة الجبهة الوطنية، لذا عقد الحزب مسيرته المنفصلة الخاصة صغيرة الحجم يوم الأحد الماضي. كما فشلت تلك المسيرة أيضا في حشد جماهير كبيرة من أحفاد الإمبراطورية: أي شباب من أصل عربي يعيشون في بونليو.

هذه القيود الخفية لذلك العرض المبهر يوم الأحد تلخص بشكل جيد لأي درجة لا يزال القادة الفرنسيين في حيرة بشأن كيفية التعامل مع العواقب السياسية بعد أن فقدوا الجزائر: فهناك يمين متطرف مستمر وأقلية مسلمة كبيرة، لا هذا ولا ذاك يتمتع بأي تمثيل مناسب في البرلمان الفرنسي بعد مرور 50 عامًا.

وقد ساهمت تركة ثالثة أيضا في هذه الديناميكية المعقدة: وهي تشدد المجتمع اليهودي الفرنسي (السفارديم). بحلول السبعينيات، شكل الذين لهم أصول من شمال أفريقيا أغلبية اليهود الفرنسيين، وذلك بفضل هروب اليهود من المغرب العربي، مع التخلص من يهود الاشكناز الذين جرى ترحيلهم في ظل نظام فيشي. أدى ذلك إلى أن ورثت فرنسا العلاقة المتدهورة بين اليهود والمسلمين في العالم العربي. فقد فهم مئات الآلاف من اللاجئين اليهود – والذين كان منهم من لهم الحق في الجنسية الفرنسية- فهمًا عميقًا الحاجة إلى وجود دولة يهودية آمنة. أما اليمين المتطرف، الذي انتخب أول مسؤوليه المحليين في أواخر السبعينيات، فقد بدا مذعورا مع تنامي التوتر بين الأقليات التي كان ينبغي لها أن تبقى في الجزائر الفرنسية.

وصل الأمر إلى أن الأصوات اليهودية قد أصبحت مسموعة أكثر من المسلمين واليمينيين في الوزارات وأروقة السلطة الفرنسية، ذلك لأن تلك المؤسسات قد أنشئت أصلا من قبل – ولأجل– اليهود الأشكيناز: فالكنيس اليهودي الفرنسي قد أنشأه نابليون في عام 1807 واللوبي اليهودي المعروف باسم "الكريف" (المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية الفرنسية)، تأسس خلال الاحتلال النازي في عام 1943. وعلى الرغم من أصولهم البعيدة، جرى دمج الوافدين السفارديم الوافدين حديثًا في نهاية المطاف في هذه المؤسسات.

على الرغم من أن تشدد المثل الجمهورية الفرنسية قد ألهمت الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم لعدة قرون، كان الفضل للتكيف التدريجي لتلك المثل العليا مع الواقع الاجتماعي والديموجرافي - أولًا بالنسبة للسكان اليهود وفي المستقبل، ربما، بالنسبة للمجتمع الإسلامي أو لليمين- في الاستقرار السياسي الدائم في فرنسا.

قبول مؤسسات المجتمع الدينية، بما فيها تلك المخصصة للمسلمين، باعتبارها جزءًا من الحياة السياسية الفرنسية يعني السماح لنوع من الطائفية الناعمة: في مكان ما بين الضغط الأميركي الكاريكاتوري الذي يبغى"الحرية للجميع"، وإنكار الجمهورية الفرنسية التقليدي لأي روابط للمواطنين بخلاف الدولة. إن القواعد الانتخابية التي أبقت الجبهة الوطنية خارج البرلمان بين عامي 1988 و 2012، قد توجت باختيار 25 في المائة من الناخبين الفرنسيين لها لتمثيلهم في بروكسل في شهر مايو الماضي.

ويبدو أن هجمات الأسبوع الماضي قد ايقظت السياسيين الفرنسيين من هذا السبات. والآن بينما يولون كامل  انتباههم، فإنهم يحتاجون إلى إجراء توعية غير مسبوقة للدوائر المهمشة  بالجمهورية الخامسة، وهي الجمهورية التي أصبحت شرعيتها في حد ذاتها على المحك.

وكلما جرت مواجهة هذا التاريخ المعقد بصراحة ، وكلما كان التحالف الذي يسعى إلى الوحدة الوطنية في ذلك الوقت المرعب أوسع – يشمل ذلك جميع أولئك الذين يؤمنون بسيادة القانون، سواء كانوا مسلمين، أو يهود، أو من اليمين المتطرف- كلما وصلت فرنسا سريعًا لمسار للخروج من الأزمة الحالية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب