الجزائر وبارقة الأمل

مقال رأي

يثير الهبوط الشديد في أسعار النفط - واستبعاد إمكانية أن تتجاوز من جديد عتبة المئة دولار للبرميل الواحد - قلق السلطات الجزائرية بسبب اعتماد البلاد الشديد على عائدات المواد الهيدروكربونية التي تشكّل، بحسب البيانات الرسمية، نحو 97 في المئة من مجموع عائدات التصدير، أي نحو 30 في المئة من إجمالي الناتج المحلي و60 في المئة من العائدات الحكومية.

لكن بإمكان الجزائر أن تلتقط أنفاسها. فالدين العام لايتجاوز حالياً ثمانية في المئة من إجمالي الناتج المحلي، ويبلغ مجموع احتياطيات العملات الأجنبية 185 مليار دولار أميركي، الأمر الذي سيتيح للحكومة الجزائرية، في ظل الظروف الحالية، تمويل كل واردات البلاد لمدة ثلاث سنوات. فضلاً عن ذلك، الدين الخارجي صغير نسبياً مع 3.6 مليارات دولار، وتملك الحكومة صندوقاً لتنظيم العائدات يحتوي على 60 مليار دولار. سوف تساهم هذه العوامل مجتمعةً في التخفيف من العبء المترتب عن انخفاض أسعار النفط.

لكن الأهم هو أن أسعار النفط المنخفضة تطلق حقبة جديدة في الاقتصاد الجزائري. سوف تعاني الموازنة من عجوزات بنيوية على الرغم من أن البلاد عرفت مرحلة من الفوائض استمرت 15 عاماً. وحتى لو تعافت أسعار النفط، سيستمر العجز. فعائدات الصادرات الهيدروكربونية في الجزائر استقرت عند مستوى معيّن (نحو 60 مليار دولار في العام 2014) في حين ازداد الإنفاق على البضائع المستوردة بنسبة تفوق الستة في المئة بسبب الطلب المتزايد على السلع الأجنبية (59 مليار دولار في العام 2014). من جهة، أتاحت الفوائض السابقة للسلطات الجزائرية تسديد ديونها الخارجية بصورة استباقية، وإنشاء صندوق لتنظيم العائدات، وامتلاك احتياطي كبير من العملات الأجنبية. لكن لم تتم الإفادة كما يجب من مرحلة الفوائض لناحية التعجيل في الإصلاحات التي كان من شأنها أن تمهّد الطريق لتنويع الاقتصاد الجزائري الذي يشكّل حاجة ماسة بالنسبة إلى البلاد. وقد فشلت الحكومة، على وجه الخصوص، في إنشاء سوق مالية كان من شأنها أن تساهم في دعم القطاع الخاص والتنمية الاقتصادية. وعمدت بدلاً من ذلك إلى التركيز على تشييد البنى التحتية وسياسة الدعم العام للأسعار، ماتسبّب بزيادة النفقات التشغيلية من دون تغيير طبيعة الاقتصاد الجزائري.

من الواضح أن النموذج الاقتصادي الحالي أصبح غير قابل للاستدامة، ولم يعد أمام الجزائر من خيار سوى إجراء إصلاحات هيكلية. وعلى الحكومة أن تبادر سريعاً إلى تطبيق هذه الإصلاحات كي تتفادى الانزلاق المحتوم في أزمة سوف تترتّب عنها عواقب وخيمة إذا لم تتم معالجتها في المدى الطويل.

 

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center