الجيل التائه في مصر

مقال رأي

لدى مصر العديد من المؤسسات المختلّة وظيفيًا، ولكن قد يكون نظامها التعليمي هو الأسوأ بينها. فهناك عدد مذهل من تلاميذ المدارس الابتدائية المصرية، الذين تتراوح أعمارهم بين11 و12 سنة، لا يزال جاهلًا بكيفية القراءة أو الكتابة. تشير دراسة أجرتها مؤخرًا هيئة كير مصر، وهي منظمة غير حكومية تتعاون مع وزارة التربية والتعليم، أن معدلات الأمية في بعض المدارس تصل إلى 80 في المئة. وتقول أميرة حسين، مديرة برنامج التعليم بالمنظمة، إن لديها تخوفات حول مستقبل هؤلاء الأطفال: "مع وصولهم إلى المدارس الإعدادية، سيتسرّبون من التعليم وينضمون إلى صفوف الأميين".

ليست الأمية هي المشكلة الوحيدة. إذا تحدثت مع الأطفال المصريين في سن المدارس الثانوية، سيشكون دائمًا من المعلمين غير الأكفاء، والكتب المدرسية السيئة، والحاجة إلى حفظ كميات كبيرة بشكل مستحيل من المواد. على الرغم من أن معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية تفوق 95 في المئة، يمكن مشاهدة الأطفال يجوبون الشوارع خلال ساعات الدوام المدرسي (ويُفترض أن المدارس تسجل التلاميذ الذين لا يحضرون بالفعل)، أمّا في المدارس الإعدادية، فمتوسط معدلات الالتحاق بالمدارس نحو 85 في المئة، بينما يقل العدد كذلك بالنسبة للمدارس الثانوية. بعد ذلك هناك مشكلة التمويل.

على الرغم من أن نظام التعليم العام في مصر هو الأكبر في المنطقة، إلا أنه يمتلك واحدًا من أدنى معدلات الإنفاق العام. في عام 2011، أُنفق على التعليم 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، أي ما يقرب من 9.5 مليار دولار،  وهو المبلغ الذي يُترجم إلى نحو 300 دولار لكل طالب سنويًا. وتشير تقديرات أخرى إلى أن الرقم أقل من ذلك بكثير، أي بين 250 دولار لأقل من 129 دولار. في عام 2013، ارتفع الإنفاق على التعليم إلى 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع وعود بزيادات إضافية المستقبل.

وفي الوقت نفسه، يحصل المعلمون العاملون في المدارس الحكومية على أجور غير صالحة للمعيشة، مما يقودهم إلى زيادة دخلهم من خلال تقديم دروس خصوصية. وبسبب أن الكثافة في الفصول الدراسية في المناطق الحضرية قد تصل في بعض الأحيان إلى 100 طالب وطالبة في كل فصل، ما يحفّز المعلمين على عدم التدريس بشكل جيد، غالبًا ما يلجأ الآباء الذين يستطيعون تحمل النفقات إلى هذا النوع من التعليم التكميلي. يجب ألا يفاجئنا أن المعلمين المصريين، في كثير من الأحيان، ينزلون الى الشوارع للتظاهر للمطالبة بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل - وهي الاحتجاجات التي استمرت حتى بعد أن قام الرئيس السابق، حسني مبارك، بزيادة الأجور كجزء من حملته الانتخابية عام 2005. وفي الآونة الأخيرة، أعرب كل من أولياء الأمور والطلاب عن غضبهم بشأن سلسلة من الوفيات الناجمة عن حوادث مدرسية بسبب تدهور البنية التحتية.

وليست المشكلة مقتصرة على التعليم الأساسي. فتشتهر الجامعات المصرية، التي تعاني من مشاكل لا تعد ولا تحصى، باحتضانها للكثير من السخط. ووسط احتجاجات مستمرة، تم القبض على أكثر من 300 طالب منذ بداية الفصل الدراسي في الخريف، كما قُتل 16، على الأقل، على أيدي قوات الأمن في جامعة القاهرة وحدها خلال عام 2014.

تأتي ذكرى مرور أربع سنوات من بداية الثورة المصرية، فى 25 يناير، وسط توترات متصاعدة. في عام 2014، بدأ الفصل الدراسي الجامعي للخريف في 11 أكتوبر، متأخرًا أسبوعين عن الجدول الزمني الرسمي. ورافق بداية العام الدراسي الجديد إدخال الحكومة لشركات الأمن المستأجرة المثيرة للجدل للحفاظ على النظام. لجأ مسؤولو التربية والتعليم لهذه التدابير ردًا على الاضطرابات الطلابية المستمرة. فالدراسة لم تكد تنتظم تقريبًا في الفصل الدراسي، الذي جرى ربيع 2014، بسبب المخاوف الأمنية التي أدّت إلى تأجيل يتبعه تأجيل. عندما استئنفت الدراسة أخيرًا في الأسبوعين الثاني والثالث من مارس - بعد شهر كامل من تاريخ البدء المقرر - اندلعت اشتباكات في عدة جامعات، مما اضطر إلى نهاية مبكرة للفصل الدراسي لكثير من الطلاب. بل إن بعض الفصول جرى تدريسها لثلاث محاضرات فقط. وقد قال لي طالب، في السنة الثانية في جامعة عين شمس في القاهرة، بين المزح والجدية، إنه وأصدقاؤه يصفون أنفسهم بأنهم "الجيل غير المتعلم".

تشير الأدلة القولية إلى مشاكل نظامية، وثقافة فساد، وتصرفات يغلب عليها عدم التدخل بين الكثير من المعلمين وبين الإدارة. إنَّ العنف الذي انتشر في المؤسسات التعليمية بشكل تدريجي خلال أكثر من ثلاثة عقود ظل مبارك فيها في منصبه، قد تفاقم في الأربع سنوات الأخيرة بسبب عدم الاستقرار السياسي الذي أدّى إلى تفاقم المشاكل القائمة. في عام 2013، جاءت مصر في ذيل قائمة جودة التعليم الأساسي في تقرير التنافسية العالمي السنوي. وأظهر تقرير عام 2014 تحسنًا صغيرًا، حيث جاءت مصر هذه المرة في المركز الثالث من الأسفل وسط 144 بلدًا.

يسعى الخبراء المصريون بشدة لإحداث إصلاح ذي معنى. "الآن هو الوقت المناسب" كما تقول نجوى مجاهد من الجامعة الأمريكية في القاهرة، وهي شخصية بارزة في مبادرات إصلاح التعليم الأخيرة. وأضافت "إذا استمر المرء في فعل الأشياء بنفس الطريقة، سيستمر في اختبار نفس المشاكل. إننا نحاول معالجتها بالإجراءات الأمنية، ونحن بحاجة لها بالفعل، ولكننا في نفس الوقت بحاجة إلى تغيير ما أدى إلى هذه الحاجة في المقام الأول".

وتتفق حسين أن الإصلاحات التي جرى تنفيذها لم تجلب سوى القليل من النتائج حتى الآن. فتقول: "هناك العديد من القرارات التقدمية حول مجالس الأمناء والاتحادات الطلابية ودورها، والأموال المخصصة للصيانة"، وتضيف: "لديك المعلمين ومديري المدارس والمشرفين والوزارة. كل شيء موجود، ولكن لا شيء يعمل".

لا يمكن أن تكون الحاجة إلى التغيير أكثر إلحاحًا. تُشير مصادر حكومية إلى أن أرقام البطالة بين الشباب قد قاربت على 30 في المئة، كما أن ما يقرب من 30 في المئة على الأرجح يعانون من العمل في مهن أقل من مؤهلاتهم. هناك أجيال جديدة من الشباب غير معدة وتكافح بالفعل لدخول قوة العمل، ويمكن أن يكون لذلك آثار كارثية على البلاد. يقول حسين في حزن: "إنها تقتل جيلًا أمام أعيننا ولا أحد يريد أن يعترف بذلك".

شكّل الاضطراب السياسي في مصر، منذ الإطاحة بمبارك، جزءًا من صعوبة الأمر. شهدت السنوات الأربع الماضية أربعة وزراء تعليم مختلفين، وتغيّرت المواد المستخدمة في المدارس تقريبًا في كثير من الأحيان لتعكس الوضع السياسي الذي يتطور بسرعة. تم استبدال الكتب التي تشيد بمبارك بأخرى تؤيد الثورة. بعد انتخاب محمد مرسي في عام 2012، جرى وصف جماعة الإخوان المسلميين في المناهج بأنها قوة إيجابية، والآن، بعد انقلاب حظوظهم، تغيّرت المناهج الدراسية مرة أخرى. في أغسطس، أعلن وزير التعليم، محمود أبو النصر، إجراء إصلاح شامل لمناهج المدارس سيتم تنفيذه بشكل تدريجي. تهدف هذه المبادرة، التي جاءت في شراكة مع الاتحاد الأوروبي، إلى "إعادة النظر في المناهج الدراسية لتنمية أكثر تحديدًا" لطرق التدريس والتعلم من أجل الحد من الاعتماد على التلقين والنسخ، وتشجيع التفكير النقدي. في أكتوبر، أكد الوزير أن 30٪ من المناهج الدراسية قد تغيرت.

في حين اعترفت مجاهد أن الإرادة السياسية للإصلاح موجودة، فقد انتقدت الميل المتأصل لمعالجة المشاكل عن طريق خلق بيروقراطية جديدة، وزيادة العبء على الميزانيات العامة وتقويض المُساءلة. لكنها أكدت أيضًا على ضرورة تحمل المواطنين مسؤولية أكبر. فتقول "نحن نميل إلى إلقاء اللوم على الحكومة، إننا نميل إلى إلقاء اللوم على وزارة التربية والتعليم كآباء، أو معلمين، أو طلاب، أو قادة مجتمع". وتضيف "نحن لا نعتبر أنفسنا مسؤولين عن جودة التعليم على الرغم من كوننا لاعبين رئيسيين في هذه العملية". بالنسبة لها، يجب أن تأتي هذا المُساءلة بالتنسيق مع الاسترخاء التدريجي لسيطرة الحكومة.

في شهر أغسطس، وضعت الحكومة الجديدة للرئيس عبد الفتاح السيسي خطة طويلة الأجل لإصلاح التعليم، تستمر حتى عام 2030 بعد النتائج الأولية لمدة ثلاث سنوات. وحتى الآن، كانت المناقشة العامة للاستراتيجية غامضة في أحسن الأحوال. لم ترافق خطط توظيف 30 من المعلمين الجدد مرتفعي الكفاءة باتخاذ تدابير ملموسة كافية لتحسين مهاراتهم. كما أعلن الرئيس السيسي عن خطة لرفع رواتب المعلمين بنحو ألف جنيه مصري شهريًا (نحو 140 دولارًا)، ولكنه اعترف بأن المال اللازم للقيام بذلك لم يكن قد خصص بعد، ودعا المعلمين إلى "الوقوف إلى جانب مصر". ومن جانبه، وبّخ وزير التعليم، محمود أبو النصر، المعلمين الذين يفشلون في الوفاء بواجباتها، مهددًا بإجراء عقابي صارم لسوء سلوكهم.

وعلى الرغم من مشاكلها، تُظهر المسودة الأولية لبرنامج الإصلاح على الأقل أن الإدارة تفهم مدى التحدي. إنها تعترف بالتسرب الدراسي وارتفاع معدلات الرسوب والتغيب والتحايل. وتحدد أوجه القصور في الكتب المدرسية التي تصدرها الحكومة وتشدد على أهمية الأنشطة المدرسية غير الأكاديمية لتنمية الطفل. كما تتناول قضية الدروس الخصوصية المشتعلة، وهو الشيء الذي تحدث عنه أبو النصر بصراحة.

إن الإقرار بالقصور عندما يكون الأسلاف هم المسؤولون عن الخراب شيء، أمّا دفع خطة ناجحة لعلاج هذه المشكلة فتلك مسألة أخرى تمامًا. إذا نجحت الحكومة، سيكون لديها فرصة لتحسين فرص الجيل القادم بشكل كبير. ولكن عواقب الفشل ستكون كارثية. يوم 30 سبتمبر، أعلن الرئيس السيسي عن تشكيل مجلس التعليم والبحث العلمي للمساعدة في تنسيق الجهود المبذولة لتحسين النظام؛ لكن لا يبدو أن الحكومة الجديدة جادة في معالجة هذه القضية. ولكن يبقى أن نرى ما إذا كانت المبادرات الجديدة ستكون كافية لمحو عقود من التدهور والإهمال. إن مستقبل مصر - ومستقبل حكومة الرئيس السيسي - في الميزان.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب