الحديث إلى برلمان منقسم

مقال رأي

تاريخيًا، قليلًا ما ناقشت خطابات حالة الاتحاد (الخطابات التي يلقيها الرئيس الأمريكي للكونجرس ومجلس الشيوخ معًا) مواضيعًا تخص السياسة الخارجية (في تحليل لخطابات عامي 2010 و 2011 قام به إريك أوسترمير، من جامعة مينيسوتا، قال إن التصريحات الدولية شكلت فقط 14 إلى 16 في المئة من إجمالي عدد الجمل) . لذا فعندما يُلقي الرئيس باراك أوباما خطاب حالة الاتحاد لعام 2015 الليلة، لا ينبغي لأحد أن يتوقع تركيزًا كبيرًا على الشؤون الخارجية، على الرغم من عمليات القتل الإرهابية الأخيرة في باريس، وتعميق التدخل العسكري الأمريكي في سوريا والعراق، والمخاوف المستمرة بشأن نوايا روسيا في أوكرانيا.

ومع ذلك، فمن المرجح أن يجري تحليل ما يختار أن يقوله أو لا يقوله في الخارج بشكل أكبر. وعلى الرغم من حقيقة أنه سيتحدث أمام الكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، يأتي خطابه وسط تكهنات كبيرة في الخارج حول تعاون حديث بين الحزبين في واشنطن بخصوص مجموعة من القضايا التي تؤثر على علاقات الولايات المتحدة مع بقية العالم. ولكن تأتي مثل هذه التوقعات على خلفية الانقسام الحزبي داخل الرأي العام الأميركي حول كثير من هذه القضايا نفسها، مما يثير تساؤلات حول مستقبل السياسة الخارجية الأميركية.

بالطبع، ليس هناك سياسة من دون عملية سياسية، وهنا يواجه الرئيس بعض الرياح المعاكسة القوية في ولايته الثانية. يظهر موقف أوباما في استطلاعات الرأي العام علامات انتعاش ضئيلة فقط – فبوصوله إلى 47 في المئة، يزيد 5 نقاط مئوية فقط عن أقل نتيجة له في سبتمبر 2014 (إلا أنه لا يزال حتى الآن أفضل من تصنيف جورج دبليو بوش في نفس النقطة في عام 2007). ورغم هذا، فشعبية أوباما تبقى مرتبطة بقوة إلى الانتماء الحزبي، حيث يؤيده 80 في المئة من الديمقراطيين و 10 في المئة فقط من الجمهوريين.

إذًا فما يمكن لأوباما والكونجرس، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، أن يوافقوا على تحقيقه دوليًا في العام المقبل قد يكون مقيدًا بالرأي العام الأمريكي.

النتائج الأخيرة للرأي العام الأمريكي تعطي سببًا لكل من التفاؤل والتشاؤم حول مزاج الرأي العام الأميركي حول القضايا العالمية. ويبدو أن مشاعر الانعزالية الأميركية، التي بلغت أشدها السنة الماضية، قد خفتت قليلًا بينما تواجه الولايات المتحدة التحديات التي تفرضها الدولة الإسلامية وروسيا.

ما يزال يشعر الأميركيون بالقلق من أن يصبحوا منخرطين بشدة في الشؤون العالمية. وهم يشككون في تأثير العولمة على وظائفهم وأجورهم. وعلاوة على ذلك، فإن الأميركيين مستقطبون سياسيًا بشأن القضايا الاستراتيجية والاقتصادية مثل روسيا والتطرف الإسلامي، وتغير المناخ، والتجارة.

ولطالما كانت الانعزالية موضوعًا متكررًا في السياسة الداخلية الأمريكية، على الرغم من أنها قد تكون في انحسار في الوقت الراهن. في نوفمبر 2013، قال 51 في المئة من الأميركيين الذين شملهم الاستطلاع انهم يعتقدون أن الولايات المتحدة تفعل الكثير جدًا للمساعدة على حل مشاكل العالم، وفقًا لدراسة أجراها مركز بيو للأبحاث. ولكن بحلول شهر أغسطس عام 2014، احتفظ 39 في المئة فقط بنفس وجهة النظر هذه. وفي الوقت نفسه، فإن نسبة الجمهور الذي قال إن الولايات المتحدة تبذل القليل جدًا على المستوى الدولي قد نمت من 17 في المئة إلى 31 في المئة.

قد يعزى الكثير من هذا التحول إلى القلق العام بشأن التهديد الذي تشكله الدولة الإسلامية والإرهاب الجهادي. فقد أبدى 57 في المئة من الأميركيين الذين شملهم الاستطلاع تأييدًا تامًا لحملة إدارة أوباما العسكرية ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام. ومع ذلك، فإن الأميركيين لا يزالوا منقسمين حول الآثار المترتبة على مثل هذا العمل: فنسبة 47 في المئة يشعرون بالقلق من أنها سوف تستمر لحد بعيد جدا.

وبالإضافة إلى ذلك، في أعقاب الأحداث الأخيرة في باريس، هناك 64 في المئة قلقون جدًا - أو إلى حد ما - أنه سيكون هناك هجوم إرهابي آخر قريبًا في الولايات المتحدة. و 49 في المئة يقولون إن جهود الحكومة لمكافحة الإرهاب لم تصل إلى الحد الكافي لحماية البلاد (مقابل 37 في المئة الذين يعتقدون أن مثل هذه الجهود قد وصلت إلى حد بعيد جدًا).

كما يشعر الأميركيون أيضًا بقلق متزايد إزاء روسيا. فما يقرب من الثلثين (65 في المائة) يعتقدون أن هذا البلد يشكل تهديدًا خطيرًا بالنسبة للولايات المتحدة، وهو ما ازداد بشكل كبير من نسبة 44 في المئة الذين اعتقدوا ذلك في عام 2012، وفقًا لاستطلاع أجرته سي إن إن مؤخرًا.

ومع ذلك، هناك حدود لما يمكن للرأي العام الأميركي أن يقبله ردًا على استفزازات الكرملين. ففي رد على تصرفات حكومة فلاديمير بوتين في أوكرانيا، رأى 68 في المئة من الأميركيين أنه ينبغي تقديم عضوية حلف شمال الاطلسي لأوكرانيا ودعم 64 في المئة العقوبات الاقتصادية ضد موسكو، ولكن فضل 44 في المائة فقط أن ترسل واشنطن إمدادات ومعدات العسكرية إلى الدولة الأوكرانية المحاصرة ، وفقًا لاستطلاع أجراه 2014 صندوق مارشال الألماني.

سيتابع القادة في أوروبا وآسيا باهتمام ما يقوله أوباما أو لا يقوله عن التجارة في خطاب حالة الاتحاد، حيث إن كلاهما يتفاوض على صفقات تجارية مع الحكومة الأمريكية. ومن الجدير بالذكر أنه، على عكس الحكمة التقليدية، لا تصاحب انعزالية الولايات المتحدة سياسة الحماية الاقتصادية. فيقول ما يقرب من ثلثي الأمريكيين (66 في المئة) أن مشاركة الولايات المتحدة بشكل أكبر في الاقتصاد العالمي هو شيء جيد، وهناك نسبة مماثلة تعتقد أن التجارة أمر مفيد للبلد. وعلاوة على ذلك، عبر 55 في المئة عن رأي مفاده أن الشراكة عبر المحيط الهاديء المقترحة ، والتي قد تطرح للتصويت في الكونجرس هذا العام، ستكون مفيدة لأمريكا. ويدعم 53 في المئة من الأميركيين الذين شملهم المسح الذي أجرته مؤسسة بيو الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي، والتي تأمل واشنطن وبروكسل في إكمالها عام 2015.

ومع ذلك، فإن الأميركيين يشككون في فوائد هذه العولمة بالنسبة لهم بشكل شخصي. حيث يرى 20 في المئة فقط من الأميركيين أن التجارة تخلق فرص عمل، ويعتقد 17 في المئة فقط أنها ترفع الأجور، مما يدل على أن الحجة التي قدمتها إدارة أوباما ومجتمع الأعمال الأمريكي لصالح هذه الصفقات التجارية لم تؤثر كثيرًا في الجمهور.

ويتجلى التحزب الواضح في شعبية أوباما في مجموعة من القضايا الدولية، مما يعقد ما يمكن توقعه من حيث التعاون بين البيت الأبيض الديمقراطي والكونجرس الجمهوري. فبينما يخشى 57 في المئة من الديمقراطيين أن العمل العسكري الذي تقوم به الولايات المتحدة ضد المتشددين الاسلاميين سوف يتطور إلى حد بعيد جدًا، فنسبة 63 في المئة من الجمهوريين قلقون أنه لن يتطور بما فيه الكفاية. وبينما يقلق 77 في المئة من الجمهوريين حول هجوم إرهابي آخر على الوطن، فلا يشاركهم هذا القلق سوى 59 في المئة فقط من الديمقراطيين. وعلاوة على ذلك، في حين أن 57 في المئة من المستطلعين الجمهوريين يعتقدون أن سياسات الحكومة لمكافحة الإرهاب لم تذهب بعيدا بما فيه الكفاية لحماية الولايات المتحدة، فنسبة 48 في المئة من الديمقراطيين الليبراليين - أي الأغلبية-  يعتقدون أنها وصلت إلى حد بعيد جدًا. وكذلك، يؤيد 64 في المئة من الجمهوريين تقديم الأسلحة والتدريب العسكري لأوكرانيا، ولكن يشاركهم الرأي 54 في المائة فقط من الديمقراطيين. ويدعم 60 في المئة من الديمقراطيين الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي، ولا يشاركهم الرأي سوى 44 في المئة فقط من الجمهوريين.

يشدد  كل من قيادة الحزب الجمهوري في الكونجرس والبيت الأبيض على أهمية إنجاز الأمور بدعم الحزبين. ومن المرجح أن يكرر أوباما هذه الأفكار في خطاب حالة الاتحاد، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا التي تهم الجمهور الأجنبي. لكن الرسالة التي بعث بها الرأي العام الأمريكي أكثر اختلاطًا: يؤيد الأمريكيون المشاركة الاستراتيجية والاقتصادية مع بقية العالم، ولكن ضمن حدود، حيث لا يزالون منقسمين حول العديد من هذه القضايا على أسس حزبية، بصرف النظر عما يقوله قادة حزبهم في واشنطن . ويبقى أمامنا أن نرى إذا كان هذا سيؤدي إلى حلول وسط بين الحزبين أو إلى زيادة الحدة بشأن اتجاه السياسة الخارجية الأمريكية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب