الحرب التي تتجنبها إسرائيل وحزب الله

مقال رأي

أدت الأعمال العدائية الأخيرة بين التنظيم اللبناني "حزب الله" وإسرائيل إلي وقوع خسائر من الطرفين، كما سلطت الضوء علي بؤرة أخري مشتعلة في المنطقة. قاد ذلك الكثيرين للتساؤل حول إن كان استقرار المنطقة المتزعزع سيدفع إسرائيل نحو مواجهة مع جيرانها، إلا أنه يبدو أن الرغبة في تعزيز الاستقرار المتوافرة لدي الطرفين قد جنبت الطرفين مواجهة أكبر.

يعرف الاستقرار من وجهة نظر إسرائيلية بأنه التحييد الفوري قصير الأمد للتهديدات الأمنية، وهو ما يجنب عادة الرغبات طويلة الأجل. لكن منذ اندلاع الثورات في أنحاء العالم العربي منذ أربع سنوات تبنت إسرائيل علي نطاق موسع نهج المراقبة عن بعد، حيث اختارت أن تمتنع عن المشاركة في الصراعات الإقليمية التي لم تشارك في صنعها ولم يكن في وسعها حلها. فمازالت أصداء الفشل تتردد بقوة في العقلية الاستراتيجية الاسرائيلية منذ العمليات الفاشلة في لبنان عام 1982 والمحاولة الغير ناجحة لكسر شوكة حزب الله عام 2006. يمكن اختصار الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية في أنه إن أراد العرب خوض حرب فيما بينهم فستدعهم إسرائيل ولن تتدخل، فقط تتأكد من أن تلك الحرب لن تحمل عواقب سلبية تجاه إسرائيل.

تتعامل إسرائيل سريعًا مع تلك العواقب السلبية. فقد ردت علي امتداد الحرب السورية إليها بأسلوب مدروس وملائم بدقة، فإن سقطت قذيفة علي الأراضي الإسرائيلية ستسقط قذيفة علي الأراضي السورية. وإن رصدت إسرائيل عمليات نقل أسلحة إلي حزب الله ليس لها أي فائدة استراتيجية لصالح صراع التنظيم في سوريا وإنما موجهة لتحقيق التوازن الاستراتيجي بين مع إسرائيل فسوف يتم تدميرها. حتى الآن استطاعت إسرائيل عبر ذلك الأسلوب أن تتجنب استغلال الفصائل السنية أو الشيعية في سوريا للحرب لتقيم قاعدة استراتيجية طويلة الأجل لتستخدمها في شن هجمات ضد الدولة اليهودية.

القدرات الإستراتيجية الإسرائيلية المحدودة

قدرة إسرائيل علي صياغة الأحداث في هذا الصدد محدودة للغاية. فليس هناك أي نتيجة مرجوة من سوريا. ففي حالة خروج حزب الله والجيش السوري في النهاية منتصرين، فسيمثلا جبهة جديدة موحدة تمتد من البحر المتوسط حتي جبل الدروز قرب الحدود الأردنية، وسيحكم تلك الجبهة أكبر وكلاء إيران في المنطقة. أما في حالة تحقيق فصائل المعارضة السنية، أو في أسوء الحالات الجماعات الجهادية، للانتصار، فستكون الصورة بالكاد أفضل. فقد أوضح أحد المقاتلين "المعتدلين" بالجيش السوري الحر عام 2012 إحساسه للمؤلف، "أولا نسقط بشار، ثم نتجه لإسرائيل"، وليس من الصعب استنتاج أن مقاتلي "جبهة النصرة" التابعة للقاعدة أو مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية سيكونون أكثر صراحة في رغباتهم.

ومع ذلك فإن التطورات الأخيرة في مقابل حزب الله تحديدا تتطلب المزيد من التوضيح. تحقق في السنوات التالية لحرب لبنان عام 2006 توازنًا هشًا لكنه عملي بين إسرائيل وحزب الله من ناحية قوة الردع. حيث أعاد حزب الله تسليح نفسه لدرجة أنه الآن يمتلك ما يصل إلي 100,000 صاروخ قادر علي إصابة معظم الأهداف في إسرائيل. أما من جانب إسرائيل فقد كانت منشغلة بثلاث عمليات كبري في قطاع غزة، والتي حسنت بشكل كبير من قدراتها العملياتية الاستراتيجية وأحدثت تقدما كبيرا في نظام الدفاع الصاروخي الخاص بها، "القبة الحديدية". بناء علي ذلك وبالنسبة للطرفين، سيكون استمرار الأعمال العدائية مكلفا للغاية، بل أكثر تكلفة من حرب 2006، فحتي العام 2014 أبقي كل طرف عين حذرة علي الآخر، وطوال تلك الفترة لم يرد أي منهما أن يخيف الآخر للقيام بتحرك خاطئ.

تهديد سوء التقدير: تآكل الردع

لكن الحرب السورية أدت إلي عدد من الأحداث التي أخلت بذلك التوازن وسمحت لحزب الله بتحقيق تقدم إقليمي بالإضافة إلي الخبرة القتالية، وهو ما أخل بتوازن الردع لصالح حزب الله. في في آخر المناقشات التي خاضها ذلك المؤلف مع مسؤولين إسرائيليين أصبح واضحًا للغاية أن التخوف من الصراع السوري سيكون مضاعفًا، أولًا سيحاول حزب الله أن يوسع الجبهة الشمالية المعادية لإسرائيل داخل سوريا، مستغلا موقعه في الجولان لشن المزيد من الهجمات التي لا تستدعي ردًا ضد التنظيم اللبناني. ثانيًا لا يبدو في تلك البيئة المتغيرة أي نقطة أساس استراتيجية يمكن إجراء حسابات التصعيد علي أساسها في حال ظهور مشكلة. أي أن الحرب قد تبدأ في أي وقت رغم أن كلا الطرفين لا يتمنيانها.

أما النقطة التالية تحديدا فتمثل مصدر قلق وتمتد قليلا لتفسر سبب تكشُّف الأمور بهذه الطريقة. في الأوقات العصيبة مثل هذه عندما يطالب الرأي العام بصخب علي كلا الجانبين من قادتهم أن يردوا بالقوة، يجب أن يغلب الحس الاستراتيجي.

حزب الله ليس مستعدًا تماما ليحقق الاستفادة الكاملة من التحول الاستراتيجي لصالحه. ففي ضوء تعثره في سوريا، لا يبدو الوقت مناسبًا لحرب أخري مكلفة قد تحدث علي الأرجح أزمة لاجئين من الجنوب اللبناني إلي الشمال، حيث يقيم العديد من اللاجئين السوريين السنة. وقد تضعف الاستجابة الإسرائيلية حزب الله بشكل خطير في الوقت الذي يحتاج قوته لتحقيق أهداف استراتيجية أكبر، مما يمكن أن يؤدي إلي طمس الفصائل السنية في لبنان وسوريا للوجود الشيعي الاستراتيجي في أيٍ من البلدين.

من المحتمل أن يسئ للإسرائيليين أن يروا حكومتهم متخلية عن حقها في الرد، لكن ذلك الرد سيؤدي، بشكل غير مقصود، إلي سقوط 100,000 صاروخ في دولة بحجم ويلز، والتي لن يمكن إيقاف معظمها. أما الذين يرون أن رئيس الوزراء نتنياهو سوف يشهد ارتفاعا في شعبيته قبل الانتخابات يجب أن يضعوا في اعتبارهم أن التعامل السئ في صراع مع حزب الله، مثلما حدث عام 2006، سيؤدي لطمس مسيرته السياسية في ذاكرة الجمهور. لبنان ليست غزة، ونادرًا ما عادت إسرائيل من اشتباكاتها مع لبنان سالمةً تماما.

ينبغي اتباع الأسلوب الدبلوماسي النشط. حيث يشير تواصل حزب الله مع الأمم المتحدة إلي أنه لم يكن لديه نية لتصعيد الصراع لما هو أبعد من ردة الفعل الثأرية لعملية الأسبوع الماضي بالجولان. وهو ما يمثل محاولة كلاسيكية لإعادة وضع قواعد اللعبة بالنسبة للطرفين، ومؤشرًا علي أنه بالفعل كلا الطرفين لم يعرفا ماهية هذه القواعد. التوازن الاستراتيجي ليس في مصلحة أيًا من الطرفين حاليا، لذلك يجب اتباع أي مخرج متاح من الأزمة.

ما قد يبدو مشرقًا قليلًا وسط جميع تلك التوترات هو حقيقة أن كلا الطرفين يتصرفان بنضوج استراتيجي بينما الجميع حولهم يعاني من الفوضي.لا يعني  ذلك أن التوازن سوف يستمر إلي أجل غير مسمي، لكن يبدو أنه بالنسبة للآن علي لأقل، لن تشهد الحدود اللبنانية الإسرائيلية حربًا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب