السعودية غارقة في الفوضى

مقال رأي

استلم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية الجديد، السلطة في وقت تجد مملكته، شديدة المحافظة، فيه نفسها تحت حصار متزايد من الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) والحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. ولكن حكمها نفسه قد ساهم في مصيرها الحالي.

وقد وصف الملك الراحل، عبد الله، الذي توفي يوم الجمعة عن 90 عامًا، السعودية لأسباب وجيهة أنها تواجه "تحديات إقليمية غير مسبوقة" مثل "مستنقع الحرب الأهلية والصراعات الطائفية" التي تستهلك الدول المجاورة. ولا بُدّ أن سقوط اليمن في يد الشيعة الحوثيين الذين لجأوا إلى إيران كي تعضض من استيلائهم على الحكم هو من أكبر هموم الملك سلمان، 79 عامًا، المباشرة. وكنتيجة لذلك يجد السعوديين أنفسهم يواجهون حكومة شيعية مدعومة من إيران لأول مرة في العراق في الشمال وفي اليمن في الجنوب مع حدود طويلة ونفيذة تدافع عنها ضد داعش وإرهابيين آخرين. يتمركز تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية (AQAP)، الذي نُسب إليه قتل اثني عشرة من رسامي تشارلي إيبدو في باريس يوم 7 يناير، في جنوب اليمن.

إن استقرار السعودية هو مصدر قلق بالغ الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة لأنها الحليف العربي الأساسي الذي يحارب في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية. القوات الجوية السعودية شاركت في حملات القصف اليومي من قِبل التحالف وإن كانت غالبًا تقوم بدور مساند. كما أن المملكة تشاركت بشكل كبير مع إدارة أوباما في حملة مماثلة ضد (AQAP) بالسماح للدرونز الخاصة بالولايات المتحدة أن تنطلق من قواعد جوية سعودية.

السعودية هي مكان ميلاد الإسلام وتعتبر نفسها الراعي الأساسي للمواقع المقدسة في مكة والمدينة والمدافع الأساسي عن الأغلبية السنية العربية. ومع ذلك فعلى الأرض ظهرت داعش كحامي رئيسي للسنة في حروبها المشتعلة في سوريا والعراق بينما تلعب القاعدة هذا الدور في اليمن ضد الحوثيين.

في نوفبر نشرت داعش خطبة نارية أقسمت خلالها على التوسع إلى "بلاد الحرمين واليمن"، ويُشير اللفظ الأول إلى المواقع المقدسة في مكة والمدينة الواقعة غرب السعودية. وأضافت "لن يكون هناك أمان أو راحة لآل سلول (آل سعود) وجنودهم بعد اليوم... قريبًا ستصل إليكم طلائع الدولة الإسلامية".

ووفاءً لوعدها تم إيقاف أربعة مسلحين من داعش يحملون السلاح بينما يعبرون الحدود الشمالية للملكة مع العراق. في هذه المعركة المسلحة تم قتل المتسللين الأربعة بالإضافة إلى حرس حدود سعوديين بما فيهم أحد الكبار الظباط. وتلقي الحكومة السعودية بالوم على داعش لهجوم نوفمبر الذي أطلق فيه ثلاثة مسلحون النار على المصلين الشيعة في المقاطعة الشرقية وقتلوا سبعة منهم. وقد اتهمت التنظيم بالسعي لإشعال الفتنة أو الصراع المدني بين الأغلبية السنية في المملكة والأقلية الشيعية "لتدمير استقرار المملكة".

وبرغم من وصف الملك عبد الله لمملكته كـ "واحة للسلام" فإن قائمة أعدائها المعلنين مثيرة للإعجاب وتتضمن ليس فقط الجماعات الإسلامية المتطرفة ولكن جميع نشطاء حقوق الإنسان والنشطاء السياسين. من ضمن هؤلاء وصفت الحكومة السعودية بشكل رسمي داعش و الدولة الإسلامية في الجزيرة العربية وجبهة النصرة التابعة للقاعدة في سوريا والحوثيين في اليمن وحزب الله في السعودية والإخوان المسلمين المتمركزين في مصر بأنهم "مجموعات إرهابية".

وفي إشارة للتهديد المتنامي أعلنت الحكومة أنها تحتجز 3348 شخصًا متهمين بالتطرف أو الإرهاب منهم 514 أجنبي يتضمنون 130 يمني و75 سوري.

وقد حشدت الحكومة المؤسسة الوهابية الدينية في المملكة شديدة المحافظة كي تحارب الإيديولوجيا الصاعدة والجاذبية السياسية لداعش عند شبابها المحافظين أنفسهم والذي ذهب أكثر من 2000 منهم إلى الجهاد للمحاربة مع داعش في سوريا والعراق. وقد أطلق المفتي الأكبر للسعودية، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، على داعش والقاعدة "عدو الإسلام رقم واحد" وشجب "أفكارهم عن التطرف والراديكالية والإرهاب" على أنها غريبة عن الإسلام وأن أساليبهم "مضللة" و"زائفة" و"بعيدة عن الطريق القويم".

لكن لم يقدر الشيخ الشيخ والقيادات الدينية السعودية الأخرى على تحديد ما يميز التفسير السعودي البيوريتاني للإسلام في ممارساته اليومية عن ذلك الداعشي. كلاهما يطبق الشريعة الإسلامية بأكثر مفاهيمها صرامة وكلاهما يلجأ إلى عقاب قاسي يتضمن الجلد العلني وقطع الرأس. وكلاهما ينظر إلى المسلمين الشيعة على أنهم زنادقة وأن المسيحين واليهود أفضل قليلًا. كلاهما يعارض أي مساءلة للسلطات الدينية والسياسية الرسمية.

كلاهما يعارض الاحتفال بالمولد النبوي للرسول محمد أو تكريم الصور. مؤخرًا أدان رجل دين سعودي بناء رجل الثلج باعتباره شيئًا منافيًا للإسلام لتقليده شكل الإنسان. وفي نفس الوقت قام المفتي الأكبر في السعودية بنبذ تويتر على أنه "مصدر جميع الشرور والدمار" بينما داعش قد قامت بإغلاق جميع أبراج الهاتف المحمول في أماكن كالموصل وإن كان ذلك جزئيًا لأسباب أمنية.

لقد كافحت السعودية كي تقنع نقادها في الغرب ومسلمين آخرين على وجه السواء أن الأصولية الإسلامية التي تعتنقها ليست مصدرًا أساسيًا للتطرف الديني والإرهاب الذي يطوق الشرق الأوسط. ولكن العقاب الصارم الذي يناله من يتحدون السلطات الدينية أو السياسية في المملكة يقوض ادعاءاتها بأنها تعتنق شكلًا "معتدلًا" من الإسلام. في 9 يناير نال المدوّن السعودي، رائف بدوي، 50 جلدة من أصل 1000 صدر أمر بأن تتم بشكل علني بالإضافة إلى عشر سنوات في السجن. كتب ثمانية نواب من أمريكا خطابًا للملك الراحل يصفون فيه الجلد بأنه "وحشي" ويطالبون بإطلاق سراحه. إلى الآن تؤجل السلطات السعودية بقية الجلدات بعد أن تم اعتبارها غير ممكنة لأسباب صحية. وفي نفس الوقت من هذا العام قامت السعودية بقطع رأس 16 شخصًا على الأقل لجرائم متعددة.

إن قسوة تلك الإجراءات تشير إلى أن العائلة المالكة السعودية تشعر أنها محاصرة على جميع النواحي من نقادها السلمين في الداخل إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة الأجنبية والحوثيين اليمنيين.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب