السعوديون يوسعون قوتهم الإقليمية بينما يتداعى الآخرون

مقال رأي

ارتعد حكام المملكة العربية السعودية عندما اندلعت ثورات الربيع العربي قبل أربعة أعوام.

ولكن بدلًا من تقويض السلالة السعودية، فالفوضى التي تلت ذلك في مختلف أنحاء المنطقة يبدو أنها رفعت الدولة الملكية إلى سلطة ونفوذ لا مثيل لهما. بينما يصعد الملك الجديد إلى العرش في الرياض، فسلطوية "الاستقرار أولا" التي فضلها السعوديون طويلًا قد استعادت نشاطها من تونس إلى القاهرة إلى المنامة. الإسلاميون المؤمنون بالانتخابات الذين خاف منهم السعوديون هم الآن هاربون. كوفئ الأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية الذي قاد الحملة ضدهم، الأسبوع الماضي بترقيته إلى ولي ولي العهد، الأول من جيله في ترتيب اعتلاء العرش.

الفارق، يقول محللون ودبلوماسيون، هو أن صعود السعوديين هو إلى حد كبير نتيجة ثانوية للضعف أو شبه الانهيار للعديد من الدول من حولهم، بما في ذلك العراق ومصر وسوريا واليمن وليبيا والبحرين وتونس. ومثابرة النظام القديم تعتمد إلى حد كبير على التدفق المستمر للموارد السعودية، لذلك فتأثيرهم قد يكون مكلفًا.

السعوديون يدعمون مملكة البحرين، ويقاتلون جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة لدعم الحكومة في بغداد. مليارات الدولارات من خزائن السعودية تحافظ على الحكومات الصديقة في مصر والأردن. الميليشيات المدعومة من السعودية تقاتل في ليبيا، وتوفر وسائل الإعلام المملوكة للسعودية دعمًا حاسمًا للفصائل المفضلة لدى العائلة المالكة في تونس وأماكن أخرى.

المملكة تستطيع تحقيق انتصارات محدودة، بما في ذلك الحكومة العسكرية القائمة في القاهرة والحكومة المنتخبة في تونس. ولكن نفس المشاكل التي تواجه جيرانها يمكن أيضًا أن تعطي الحكام في السعودية سببًا للقلق. لم تثمر جهودها عن أي علامة على الاستقرار في سوريا أو العراق أو ليبيا. وقد انهارت الخطة الانتقالية التي تدعمها السعودية في اليمن المجاورة، تاركة المتمردين الذين تدعمهم إيران مسيطرين على العاصمة.

"يمكن تفسير نقطة قوة على أنها نقطة ضعف"، قال دبلوماسي عربي كبير، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لتجنب تنفير السعوديين."إذا كان الجميع من حولك يسيرون بشكل خاطئ، إذًا فقد انخفض نفوذك حول حدودك" قال الدبلوماسي، مضيفًا: "بصراحة، تأثير الجميع في الشرق الأوسط قد انخفض. إنها مجرد فوضى كاملة".

بالنسبة لملكية مطلقة تعود جذورها إلى ثلاثمائة سنة، فاتخاذ المملكة العربية السعودية دورًا قياديًا في النضال من أجل إعادة تشكيل تلك الفوضى هي نتيجة غير متوقعة للربيع العربي، والذي أثار يومًا ما الآمال في سيادة القانون والديمقراطية الحديثة.

"إنه أمرٌ مثير للسخرية أو ينطوي على خلل زمني ما إذا ما نظر إليه من الخارج"، قال جمال عبد الجواد، الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والدولية الممول حكوميًا في القاهرة، وخاصة إذا كان المرء يعتقد "أن المنطقة في حاجة ماسة إلى الديمقراطية".

"لكن السنوات الأربع الماضية شهدت ضد ذلك"، قال عبد الجواد، "وإذا كانت المنطقة في أشد الحاجة إلى الاستقرار والحكم الفعال والموارد - وكلها تمتلكها المملكة العربية السعودية- فمن ثَم من المنطقي أن تلعب دورًا قياديًا، مهما كانت خصائص نظامها السياسي".

يقول محللون ودبلوماسيون أن الملك عبد الله عاهل السعودية توفي الأسبوع الماضي شاعرًا بأن الأحداث اثبتت صحة مواقفه. قال روبرت دبليو. جوردان، سفير الولايات المتحدة السابق في السعودية، أنه في زيارة اجتماعية للديوان الملكي قبل بضع سنوات، كان قد شكر الملك عبد الله "لعدم قوله: ألم أقل لكم ذلك".

ضحك الملك ضحكة هادئة. "لأن الحقيقة أنه قد قال 'ألم أقل لكم ذلك' مرات عديدة، واستمر في إخبار مسؤولي الحكومة الحاليين أننا كنا مخطئين حقًا"، قال السيد جوردان، الذي عينه الرئيس جورج دبليو. بوش.

من بين شكاوى الملك، قال جوردان: الحاجة الملحة لترويج حكومة بوش للديمقراطية، والفراغ المتروك عندما انسحب الأميركيون من العراق، وتبني حكومة أوباما لثورات الربيع العربي، وبالأخص الفشل في الوفاء بالتهديدات بالتحرك العسكري ضد الرئيس السوري بشار الأسد.

(السيد الأسد، وهو تابع لإيران، رجل قوي يريد السعوديون التخلص منه، ولكن يقول بعض المحللون أن الولايات المتحدة تتبع الآن المنطق الأوسع للتفضيل السعودي للاستقرار على الديمقراطية عن طريق تليين مطالبها بخروج السيد الأسد).

"السعوديون لا يريدون أن يظهروا الضعف. إنهم لا يريدون أن يظهروا التعرض لرياح التغيير بطريقة قد تستدعي هذه التغييرات"، قال السيد جوردان، المتعاطف إلى حد ما مع رغبة السعوديين في "إدارة التغيير بدلا من أن يفرض عليهم".

"كيف ستبدو المملكة العربية السعودية بدون العائلة المالكة؟ ستبدو مثل ليبيا، أو سوريا من دون الأسد"، قال السيد جوردان.

مثل ليبيا تحت حكم العقيد معمر القذافي، تحكم المملكة العربية السعودية من قبل العائلة الحاكمة دون مساعدة من مؤسسات دائمة في الحكومة أو المجتمع المدني. ومثل سوريا، فقد حافظ السعوديون - يقودهم حاليا الملك سلمان- على غطاء محكم على التوترات الطائفية بين الأقلية من الشيعة في المملكة وحكامها السنة.

بالفعل، يقول بعض المؤرخون أن السعودية كثيرًا ما تسقط مخاوفها الداخلية على المنطقة. قال توبي جونز، المؤرخ في جامعة روتجرز والذي يدرس المملكة العربية السعودية، أن المخاوف بشأن التوترات مع الشيعة في الداخل تغذي التنافس مع إيران الشيعية، وتغذي المخاوف بشأن تحدٍ محلي من الإسلاميين السياسيين عداء المملكة لجماعة الإخوان المسلمين في الخارج.

"يقول السعوديون 'هذه هي الأشياء التي يجب السيطرة عليها' في المنطقة، لأنها أيضا الأشياء التي يجب السيطرة عليها داخل المملكة"، قال البروفيسور جونز.

كأكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، اعتبرت مصر طويلًا زعيم العرب الحقيقي، الذي يعقد اجتماعات الجامعة العربية، والمشرف على المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية، والقوة العسكرية الرئيسية في مقابل القوة الإيرانية. ولكن عندما دفعت الثورة التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك في عام 2011 مصر إلى حالة من الفوضى، "اتخذت السعودية مسؤولياتها" كقائد إقليمي، كما قال السيد عبد الجواد من مركز الأهرام المصري.

سمح الملك عبد الله بأن يكون معروفًا وراء الكواليس أنه لم يوافق على الإطاحة بالسيد مبارك، منتقدا المسؤولين الأميركيين للتخلي عنه. وأسِف الحكام السعوديين سرًا للانتخاب اللاحق للاسلاميين من جماعة الإخوان المسلمين.

عندما قاد عبد الفتاح السيسي، وقتها جنرال وملحق عسكري سابق في المملكة العربية السعودية، الانقلاب العسكري في القاهرة في صيف عام 2013، أصبحت المملكة العربية السعودية أهم راعي له ، لتوفر بسرعة أكثر من 12 مليار دولار من المساعدات المالية.

في الأسبوع الماضي، أصدر السيد السيسي، والذي هو الآن الرئيس، مرسومًا غير عاديًا بسبعة أيام من الحداد الوطني على الملك عبد الله. وشمل ذلك إلغاء الاحتفال المقرر ليوم الأحد بمناسبة الذكرى الرابعة للربيع العربي - خطوة رآها النشطاء هنا كتقدير لدور الملك عبد الله في إبطال الثورة.

وقال نبيل فهمي، وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية في مصر بعد الانقلاب، أن السعوديون كانوا فقط "لاعبًا مكملًا" لرد الفعل الداخلي العنيف ضد الإخوان,

"بالتأكيد، جاء السعوديون بسرعة جدا وقالوا إنهم سيدعموننا"، كما قال. "لكن بصراحة هذا كان سيحدث".

المملكة العربية السعودية، جنبًا إلى جنب مع الإمارات العربية المتحدة، يلتزمان الآن بدعم حكومة السيد السيسي بمليارات الدولارات من المساعدات، غالبًا لسنوات قادمة. استهلكت مصر نحو 20 مليار دولار من المملكة العربية السعودية وحلفائها في الخليج العربي فقط في السنة الأولى بعد استيلاء الجيش على السلطة دون حدوث تغيير كبير في الميزانية العمومية للحكومة، والعملةالمصرية في مستوى منخفض أكثر أمام الدولار.

قال مصطفى العاني، المحلل في مركز الخليج للأبحاث والمقرب من الحكومة السعودية، "نعم، إنه عبء، بلا شك، خاصة مع الانخفاض في أسعار النفط. لكنهم على استعداد للوقوف وراء الاقتصاد المصري لفترة طويلة، لأن التكلفة الاستراتيجية للفشل ستكون حتى عبء أكثر إذا انهارت مصر".

بالإضافة إلى دور المملكة العربية السعودية في البحرين والعراق، فإنها تتولى دورًا في استضافة الجهود الأمريكية لتدريب المتمردين الذين يقاتلون قوات الأسد في سوريا.

شبكة العربية الفضائية السعودية، ووسائل الإعلام الإقليمية الأخرى توفر تغطية متعاطفة للفصائل المتبعة للقانون والنظام العام والمناهضة للإخوان في كل بلد في المنطقة. والرياض تقدم دعمًا غير مباشر للحركة المناهضة للإسلاميين التي تقاتل من من أجل السلطة في ليبيا، من خلال وكيلها، مصر، وحلفائها، الإمارات.

وقال السيد العاني أنه في تونس، ساهم السعوديون بالمساعدات المالية للمساعدة في استقرار الحكومة وقدموا "الدعم المعنوي" العام للقادة المناهضين للإسلاميين، مساعدين الفصيل السياسي صاحب مبدأ "الأمن أولا" على إزالة الحزب الإسلامي من السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية.

قال السيد العاني، "لم تتاج تونس إلى الكثير، ولكن فعل السعوديون ما يلزم القيام به".

وقال أن المملكة العربية السعودية برزت كقائد إقليمي"لأنهم كانوا قادرين على تحمل العاصفة". "لذلك الآن فهم يشعرون بأنه، 'نعم، أنت على قيد الحياة، عظيم، ولكنك تحتاج إلى استقرار البيئة من حولك إذا كنت ترغب في البقاء على قيد الحياة لفترة أطول'".

ومع ذلك، فقد قال السيد جونز، المؤرخ، أنه من السابق لأوانه الحكم. وقال "إنهم يدعمون نفس طاقم الشخصيات الذين وضعوهم في موقف ضعيف في المقام الأول"، عندما هز الربيع العربي المنطقة في عام 2011. ثم أكمل "هذا يعيد الساعة إلى الوراء فقط".

إنه ضعف النظام القائم، أضاف جونز، "الذي أنتج التأثير الذي جعل السعوديين يبدون أكثر قوة، لأنهم هم الوحيدون الباقين بما يكفي من القوة والموارد اللازمة لدعم ذلك".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب