الطيب والشرس والقبيح في أسعار النفط المنخفضة

مقال رأي

انخفضت أسعار النفط الخام إلى أدنى مستوى لها خلال ست سنوات الثلاثاء في تهديد يحتمل أن يكون مؤلما للدول المصدرة للنفط التي تعتمد على النفط الخام لتشغيل اقتصاداتها. الانخفاض يجلب بعض الراحة للبلدان التي تكافح مع الرياح المعاكسة الاقتصادية، ولكن يجلب مجموعة من التناقضات للآخرين، مثل الولايات المتحدة، التي هي من المنتجين والمستهلكين الكبار للنفط.

أسعار النفط مازالت تبحث عن أرض، وذلك جزئيا بسبب عدم التوافق المستمر بين العرض والطلب العالمي الذي يستمر حتى عندما يقوم كبار منتجي النفط داخل "أوبك" بتخويف السوق من خلال رفض إجراء أي خفض طوعي للإنتاج. ونفى وزير الطاقة لدولة الإمارات العربية المتحدة يوم الثلاثاء 13 يناير الفكرة القائلة بأن "أوبك" ستخفض الإنتاج لزيادة الأسعار، وقال أن الامر متروك لموردي النفط الآخرين، مثل الولايات المتحدة، لترتبك أولا.

وقال الوزير سهيل المزروعي، "أولئك الذين ينتجون أغلى نفط - المنطق وقواعد السوق يقولون أنهم ينبغي أن يكونوا أول من يسحب أو يخفض إنتاجه". انخفضت أسعار خام برنت في لندن بنسبة 4 في المائة في حين كان يتكلم ووقفت حول 46.50 دولارًا للبرميل في منتصف نهار الثلاثاء. انخفضت أسعار خام غرب تكساس الوسيط في نيويورك قليلا لتحت 46 دولارًا للبرميل يوم الثلاثاء.

سرعة ونطاق الانخفاض في أسعار النفط مذهلان. العام الجديد لم يبلغ حتى أسبوعين من العمر، وأسعار النفط القياسي قد انخفضت بالفعل أكثر من 15 في المائة. ننظر إلى الوراء أبعد من ذلك وسيكون الانخفاض أكثر مدعاة للدهشة: انخفضت الأسعار أكثر من 60 في المائة منذ الصيف الماضي. وقال مسؤول سعودي كبير، الأمير الوليد بن طلال، في أواخر الأسبوع الماضي أن أيام النفط ذي ال100 دولار للبرميل ولت إلى الأبد. ويعتقد العديد من المحللين أن أسعار النفط ما بين 30 دولارا و 40 دولارا للبرميل هي احتمال حقيقي. شوهد هذا المستوى آخر مرة خلال أحلك أيام الأزمة المالية العالمية في 2008؛ الآن تجار النفط يتراهنون على انخفاض النفط ليصل إلى 20 دولارًا للبرميل.

غرق أسعار النفط أصبح أقل منه خطرًا وأكثر واقعًا مؤلمًا للبلدان التي تعيش وتموت عن طريق بيع الذهب الأسود. وكالة التصنيف "موديز" خفضت الديون الفنزويلية إلى ثاني أدنى تصنيف. تقول وكالة "موديز" أن هناك القليل مما يمكن للحكومة الفنزويلية القيام به لوقف التعفن الاقتصادي، ربما ماعدا الصلاة من أجل حدوث انتعاش في أسعار النفط. وقد جال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في العالم، وقبعته في يده، ليطلب من الدول البترولية الأخرى خفض الإنتاج لدعم أسعار النفط، ولكن بدون أي حظ حتى الآن. النقطة المضيئة الوحيدة: رفعت "موديز" توقعات فنزويلا من سلبي إلى مستقر، ولكن فقط لأن البلاد قد وصلت للحضيض بالفعل.

مشاكل روسيا الاقتصادية تزداد سوءا أيضا، مع انخفاض الروبل لأدنى مستوياته في شهر واحد يوم الثلاثاء. عوائد السندات الروسية وصلت للمستويات الفنزويلية، وقد خفضت وكالات التصنيف أيضا الديون الروسية. مخاطر التخلف عن السداد في ارتفاع، مما يجعل الديون الروسية من الأخطر في العالم. كل ذلك سوف يترجم إلى انكماش اقتصادي هذا العام، ويخلق خطر حقيقي جدا أن يتجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرة أخرى إلى المغامرات الخارجية للإلهاء.

أسعار النفط المنخفضة لا تضر فقط الدول المختلة اقتصاديا. إنها تعصف أيضا بقطاع النفط في بحر الشمال في بريطانيا، بينما تكبح شركات الطاقة الكبرى هناك جماح الإنفاق وتتخلص من الوظائف. وعاصفة الصخر الزيتي الأمريكية، التي أثبتت مرونة أمام انخفاض أسعار أواخر العام الماضي، تظهر عليها علامات المرض، حيث يسحب منتجي النفط الحفارات من الحقول في ولايتي تكساس وداكوتا الشمالية.

الطاقة الأرخص تخلق بالفعل بعض الفائزين على الرغم من ذلك. الاقتصادات الآسيوية، على وجه الخصوص، مستفيدة. إيان بريمر رئيس مجموعة "أوراسيا" الاستشارية للمخاطر، يقول أن النفط الرخيص سيفيد الصين أكثر من أي شيء، من خلال إعطاء الرئيس شي جين بينغ المساحة لإعادة ترتيب ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعيدا عن الشركات غير الفعالة المملوكة للدولة وأكثر تجاه الإنفاق الاستهلاكي.

مثل الصين، فدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية مستفيدة بأكثر من طريقة من هبوط أسعار النفط: الأسعار المنخفضة أيضا تجعل الغاز الطبيعي المستورد أرخص، لأن معظم عقود الغاز الطبيعي لا تزال مرتبطة بسعر النفط. دفعت البلدان الآسيوية نحو 20 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي المسال (LNG) من واردات مارس 2014. وبحلول ديسمبر، انخفضت أسعار الغاز الطبيعي المسال إلى حوالي 12 دولارًا. شكل هذا حافزًا كبير وغير متوقع لأكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في العالم. إنها أخبار جيدة خاصة بالنسبة لليابان، والتي قادتها شهيتها للطاقة بعد الإغلاق النووي في قمة كارثة فوكوشيما عام 2011 إلى العجز التجاري للمرة الأولى منذ عقود.

ولكن على الصعيد العالمي، لا يبدو أن تراجع أسعار النفط سيترجم إلى نمو أقوى كما فعل في الماضي. البنك الدولي، في أحدث توقعاته، قلص توقعات النمو العالمي من نمو 3.4 في المائة لنمو 3 في المائة، على الرغم من التوقعات بشأن مزيد من الانخفاضات في أسعار النفط الخام. هذا في جزء منه لأن العديد من المستهلكين في جميع أنحاء العالم لا يزالون حذرين ويعيدون تدوير النقود الإضافية إلى مدخرات بدلا من استهلاك، في حين تترنح الاقتصادات الكبيرة المنتجة للنفط.

ولكن السؤال الكبير يبقى: هل النفط الرخيص نعمة أم نقمة بالنسبة للولايات المتحدة، التي مرت بطفرة غير متوقعة في إنتاج النفط والغاز في السنوات القليلة الماضية، لتصبح واحدة من المنتجين الأوائل في العالم؟

تاريخيا، بالنسبة لأكبر مستهلك للنفط في العالم، فإن خام أرخص هو لا شيء سوى أخبار جيدة: المستهلكون الذين ينفقون مال أقل في ضخ الغاز لديهم المزيد من الأموال لشراء أشياء أخرى. تراجعت أسعار البنزين الآن لمدة 110 أيام متتالية في الولايات المتحدة وانخفضت من 3.31 دولارًا للجالون الواحد قبل عام لمتوسط  ​​2.12دولارًا للجالون اليوم.

"وول مارت"، أكبر سلسلة محلات تجزئة في العالم، نشرت للتو أول زيادة في مبيعاتها الفصلية منذ عام 2012 ويرجع الفضل في ذلك جزئيًا إلى البنزين الأرخص، والذي وفر المزيد من الأموال لأفقر عملاء السلسلة. قدر خبراء اقتصاديون أواخر العام الماضي أن أسعار النفط الأرخص وصلت إلى درجة تحفيز نقدي حوالي 1800 دولارًا لكل أسرة في الولايات المتحدة؛ هذا التأثير هو على الأرجح أكبر الآن بعد أن انخفضت أسعار النفط أكثر من ذلك. وتظهر الأرقام المنقحة للناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث انتعاش صحي في الإنفاق الاستهلاكي الذي يقوم عليه إحدى أقوى موجات النمو في العقد الماضي.

ولكن هذه الأيام، فالولايات المتحدة هي عملاق للنفط والغاز. ولايات مثل داكوتا الشمالية وألاسكا وأوكلاهوما، وحتى تكساس، تعتمد بشكل كبير على كمية صحية من النفط للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. أن الاعتمادية المكتشفة حديثا تخلق ضعفًا طازجًا ويمكن أن تلغي الكثير من الفوائد الأوسع للطاقة الأرخص، على الأقل في أجزاء معينة من البلاد. هذا ليس مجرد التأثير المباشر لشركات الطاقة، والتي هي جزء صغير من الاقتصاد حتى في ولايات مثل تكساس. وإنما وظائف الطاقة والاستثمار يعبران خلال باقي الاقتصاد ويعطيان دفعة معينة للخدمات، من الفنادق والمطاعم وحتى الرعاية الصحية.

طالما بقيت أسعار النفط الخام مرتفعة نسبيا، كما كانت خلال معظم العام الماضي، يمكن لمنتجي النفط في الولايات المتحدة تجاوز الأزمة. لكن أسعار النفط في نطاق الـ 40 دولارًا للبرميل بدأت تختبر بجدية الاقتصاد وراء العديد من العمليات. هذا لأنه على عكس المصادر الأخرى الجديدة لإنتاج النفط - مثل رمال القطران في كندا- يعتمد إنتاج الولايات المتحدة للنفط الصخري على حفر الآبار المستمر للحفاظ على مستويات الإنتاج.

ذكرت شركة خدمات حقول النفط "بيكر هيوز" يوم الجمعة أن عدد الحفارات - عدد آبار النفط والغاز في الحقول- تراجع الأسبوع الماضي بأكبر معدل منذ عام 2009. تراجعت معدلات الحفر لمدة خمسة أسابيع متتالية، وهو مؤشر على أن منتجي النفط الذين يعيشون على الحافة يتهربون من رهاناتهم. في تكوين "باكن" الضخم بداكوتا الشمالية، جعلت أسعار النفط الرخيصة معظم المخزونات اقتصادية بشكل هامشي الآن.

إذا بقيت أسعار النفط منخفضة، كما قال بنك الاستثمار "جولدمان ساكس"، سيتراجع منتوج الولايات المتحدة في النصف الثاني من العام. يوم الثلاثاء، توقعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن انخفاض الأسعار قد يؤثر بالفعل على إنتاج النفط الأمريكي هذا العام، ولكن قليلًا فقط.

في نهاية المطاف، فالخطر الأكبر على الاقتصاد الأمريكي يكمن في كيف ستكون نتيجة لعبة الين واليانج تلك. إذا كان النفط الأرخص يساعد المستهلكين أكثر مما يضر المنتجين للطاقة، فإن الانخفاض سيمد بالأساس سياسة مجلس الاحتياطي الفدرالي المعطلة حاليا من تحسين الاقتصاد بالمال السهل. وبينما يمكن لهذا أن يمد النمو الاقتصادي لبضعة أرباع أخرى، فإنه يمهد الطريق أيضا لهبوط أصعب في وقت ما من العام المقبل - في الوقت المناسب تمامًا لانتخابات الرئاسة عام 2016.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب