الكرامة: لماذا أعطيت صوتي لسيريزا؟

مقال رأي

ليس هناك سبب واحد لماذا يصوت الناس لمرشحٍ معين في بلدٍ معين في وقتٍ معين. يقيم الناس الخيارات من وجهات نظر ضيقة، وحتى أنانية، ويقررون. محاولة فصلهم هي مثل محاولة لعكس المسقعة إلى باذنجان وبطاطس وأغنام حية.

الديمقراطية عامة، ولكن أيضا شخصية بشدة. كل ما يمكنني القيام به هو أن أقول لكم لماذا صوَّتُ أنا لسيريزا، لأعطيكم انطباعي باعتباري تقريبا بريطاني عن ما شاهدته يحدث في بلد مسقط رأسي.

إن الغضب الذي كان موجودا حول أزمة الديون والتقشف اللاحق كان مشتتا ولكن ملموسا لبعض الوقت. وعلى الرغم من التعليقات السائدة، فلم يكن ذلك لأن اليونانيين لم يقبلوا مسؤولية الأزمة - بالكاد تمر مناقشة بدون أن نجلد ذاتنا بخصوص هذا الموضوع. تغيرت السردية بالفعل، مع ذلك، بشكل ملحوظ مع مرور الوقت.

اختفت جذور القصة في وول ستريت ومدينة لندن. انتهى انهيار الإقراض العقاري في الولايات المتحدة. ذهبت أيسلندا. انتهى الاتهام أن المؤسسات ذاتها التي دفعنا لإنقاذها كانوا يضاربون ضد اليورو ويغذون التقلبات - وهو اتهام عبرت عنه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نفسها في عام 2010. بدلا من ذلك، تحورت القصة إلى واحدة تركز حصرا على اليونانيين الكسالى السقيمين.

محاولات الإشارة إلى السخف الواضح لفكرة أن سائقي القطارات اليونانية المتقاعدين مبكرا في عام 2009 يمكن أن يكونوا مسؤولين عن اندماج بنك "ليمان براذرز" في الولايات المتحدة في العام السابق رفضت كـ "عدم تحمل اليونانيين للمسؤولية". تكثف هذا الغضب، هذا الشعور بالتعرض للمعاملة القاسية على الصعيد العالمي، عندما فرضت ترويكا المفوضية الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي برنامجهم للتقشف. كان العديد من التدابير أفقيا وتسببت في الأذى الأكبر لأولئك الذين لديهم أقل صلة بالأزمة. ليس ذلك فحسب، ولكن القروض المضمونة في المقابل ذهب معظمها إلى الذين يدعمون المؤسسات المصرفية ذاتها التي اعتبرت مسؤولة.

ظهر ذلك كحركة كماشة قبيحة جدا. شعر الناس من الطبقة العاملة أنهم كانوا يعاقبون على أخطاء الأغنياء وأن الأغنياء كانوا سالمين إلى حد كبير. من ذلك ولدت حركة الاحتجاج "أجاناكتيسمينوي"، الساخطة في ميدان سينتاجما، وأعمال الشغب التي أشعلت أثينا.هذا هو الحريق الذي تمكن أليكسيس تسيبراس وسيريزا من ترويضه في شكل إرادة سياسية، تماما مثلما بابلو أجليسياس وحزب "بوديموس" يفعلون في إسبانيا. إن هذه النار هي المغرية من الناحية السياسية. لم يعد الغضب مشتتا، أصبح له شكل وهدف وبطل.

كان الوعد الوحيد الذي أدلى به تسيبراس ومهم حقا بالنسبة لي هو "إعطاء الكرامة مرة أخرى إلى الشعب". وبطبيعة الحال، لا يمكنه تحقيق ذلك. فقط الناس يمكنهم توصيل ذلك لأنفسهم. ولكن حتى ذكر تلك الكلمة، "الكرامة"، في سياق سياسي، ضرب على وترٍ حساس مهم. كان منعشا بشكل كبير أن شخصًا ما يتحدث تلك اللغة، بدلا من عقيدة الليبرالية الجديدة عن تساوي الخصخصة مع الكفاءة. أن نبدأ من الأولويات ومن ثم نحدد الطريقة.

أُتِّهم أنصار سيريزا بكونهم غير منطقيين، تعرضوا للتهديد وداهنوا حتى لا تدمر البلاد في الحملات الإعلانية السلبية بشكل خاطف للأنفاس. هذا أكد في ذهني أن السياسة التقليدية دعمت نفس النظام الذي انهار عالميا وبشكل مذهل منذ سنوات قليلة فقط؛ النظام الذي تجنب الضرائب، ولكن إحتاج لعمليات إنقاذ لم يسبق لها مثيل من الضرائب؛ نظام، بطريقة أو بأخرى، قد عاد الآن إلى أن يتم اعتباره معصومًا ومتفوقًا ومصححًا للذات,

خلصت إلى أن التصويت لذلك سيكون غير منطقيا، وأن تجربة شيء مختلف مع سيريزا، مهما كان محفوفا بالمخاطر، أكثر منطقية. الكرامة قد تكون مفهومًا مجردًا، ولكن غيابها هو شيء حقيقي جدا وملموس. قفوا خارج سوبر ماركت في مركز مدينة أثينا وقت الإغلاق، لتروا النساء المسنات، يرتدون ملابس سوداء، يفتشون في صناديق القمامة عن الأغذية وسترون ذلك. اقضوا يوما مع والدتي، التي عملت في وظيفتين لمدة 45 عاما، ودفعت كل سنت من الضرائب والآن تجد نفسها مشخصة بالألزهايمر، بدون معونة صحية أو اجتماعية لائقة ومعاش شهري 400 يورو (300 إسترليني)، وسوف تشرح لك.

يضاف إلى ذلك، فقد قدم لي سيريزا وسيلة للتعبير عن عدم الرضا عن الاتحاد الأوروبي بدون استهداف تفكيكهلطلب تغيير جذري دون إيذاء المهاجرين. كمهاجر، كان هذا مهما جدا بالنسبة لي. كان من الممكن أن تكون مؤيدا للاتحاد الأوروبي ومازلت تريد لكم سياساته المالية الحالية في الوجه. الاتحاد الأوروبي كمشروع مجدي جدا. نحن بحاجة للقتال من أجل أوروبا التي نريد. فكرة أن ما يقف بين كل واحد منا وحياة الرخاء هو عاملة نظافة رومانية افتراضية هي أسخف فكرة قد بيعت لنا.

وأخيرًا، كان هناك سببًا فنيًل آخر. اليونان هي بلد دمرها الفساد والمحسوبية وغياب القانون. "نحن ليبراليون فاشيون"، قال لي سائق سيارة أجرة ذات مرة. "نريد تطلبق أقسى القوانين الممكنة، ولكن فقط على شخص آخر". في هذا السياق، أن يكون حزب مثل سيريزا في السلطة، ليس مثقلا ولا متصلا بالماضي، هو أصح شيء. مثل تنظيف ربيعي قومي. بعد سنوات من نجاح الأشخاص الخطأ، تتوق اليونان إلى الأشخاص المناسبين، حتى لو فشلوا.

وهذه حقيقة رئيسية يفشل ناشري الخوف الدوليين (وكان هناك كثير منهم) في فهمها. كلما حذرت كريستين لاجارد من صندوق النقد الدولي، وفولفجانج شويبله وزير المالية الألماني، من هرمجدون وشيكة، كلما تبلورت إرادتي لتحديهم أكثر. ليس لأنهم كانوا على خطأ، ولكن لأنهم كانوا يحاولون استخدام الخوف كأداة للقوة. ليس لأنها لم تكن موعظة حسنة، ولكن لأنها كانت ابتزازًا. ليس لأن الإصلاحات التي فُرضَت كانت خاطئة، ولكن لأنها فُرضَت.

وهنا، في اعتقادي، هو الدرس الأوسع من الانتخابات اليونانية. الرأسمالية المعولمة والديمقراطية ليسا رفيقا سرير مرتاحين في المعتاد. لا يجب علينا أن نفترض أن أحدها يحتاج - أو سيجلب بشكل سحري- الآخر. والصين دليل على أنهما تعملان بشكل مستقل. الديمقراطية هي في كثير من الأحيان فوضوية. الأسواق تحب اليقين. من الأهمية بمكان أن ندرك وجود هذا التوتر. إذا أعطى الشعب اليوناني هدية لبقية العالم، إذا كان هناك مكافأة مقابل كل عدم اليقين هذا، فإنها جلب هؤلاء اللاعبين العالميين - الغير ظاهرين عادة- من مخابئهم. مما يجعلهم يواجهوننا في العراء؛ ابتزاز لبلد بأكمله علنًا.

الجميع يدرك النقاش الأوسع بشكل أفضل الآن. نحن نؤنسن المجردات على الأخبار - "الأسواق متشككة"، "الأسواق عصبية"، "الأسواق غاضبة" - ونقدم التضحية البشرية للبركان. إنه نوع من أصولية السوق الحرة مع تدين في لهجة لا تقل تطرفًا عن أي خلافة.

بالنسبة لي، التصويت لصالح سيريزا كان جزءًا منه خيارًا سياسيًا، وجزءًا منه حركة مقاومة. من المهم توضيح أنني أدرك تماما أنه قد يفشل - الجميع وكل شيء يقف ضد الحزب. البيئة الاقتصادية أصعب مما يمكن أن يكون.  أفكار سيريزا قد يثبت كونها غير قابلة للتطبيق. وحش السياسة قد يبتلع سياسييه ويجترهم مرتدين نفس ربطات العنق ويقولون نفس الأكاذيب كما الذين من قبلهم. ولكن هذه الانتخابات كانت عن وضع خطًا فاصلًا. عن قول "ليس مرة أخرى". عقيدة الصدمة لها حدود. عليك ترك العوام بالقليل ليخسروه.

شعرت أن الوقت قد حان للخيارات الجريئة. يجب علينا إما، كنوع، وضع الحياة قبل المال، أو لا. الأسواق والعملات والتجارة والأعمال، والدولة، والاتحاد الأوروبي، وسوق الأوراق المالية ووسائل الإعلام هي إما في خدمة المرافق العامة، لجعل الحياة أفضل لأكبر عدد ممكن، أو أن الخدمة العامة ثانوية لنوع من المحاسبة السادية.

كان الطقس دائمًا الاستعارة المختارة للسياسيين المضطربين. إنهم دائما طيارون يحاولون الهبوط بالطائرة في عاصفة ثلجية، قباطين يحاولون قيادة القارب في العاصفة. واسمحوا لي أن استخدام هذا الكليشيه المستهلك. يوم أمس، مشيت إلى محطة الاقتراع - المدرسة التي درست فيها كطفل، حيث تعلمت ما يعني أن تكون يونانيًا، الأمجاد البعيدة بشكل حزين للماضي. رشق المطر الكثيف المتجمد وجهي. اليوم، استيقظت على صباح مشمس جميل ومشرق ودافئ. لأول مرة أستطيع أن أتذكرها، لقد صوتت الطبقة العاملة لمصلحتها الخاصة. كانت لليونان حكومة اشتراكية حقيقية.

أنا أعرف أن هذه الأيام الذهبية في منتصف فصل الشتاء لن تدوم؛ لا يمكن. ولكن، في الوقت الراهن، إحساس الشمس جميل على بشرتي وهذا البلد يبدو أقل بردًا وخوفًا بكثير مما كان عليه يوم أمس.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب