المعركة القادمة من الجزائر

مقال رأي

قال أبو محمد العدناني المتحدث باسم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في سبتمبر الماضي "إذا كنت تستطيع قتل شخص أمريكي أو أوروبي كافر خاصةً لو كان فرنسيًا حاقدًا وملعونًا، فاقتلهم بأي وسيلة ممكنة". بترحيبه الواضح بالهجمات الإرهابية ضد فرنسا، أصبح العدناني جزءًا من تقليد إرهابي متباه بالقتل.

لم تكن العمليات الوحشية التي وقعت في باريس الأسبوع الماضي وخلفت ١٧ قتيلًا الجولة الأولى التي جلبت الإرهاب إلى فرنسا عن طريق الإسلاميين. ففي الواقع قتلت مثل هذه الهجمات العشرات وجرحت المئات في فرنسا منذ عام ١٩٩٥، وليست هذه قصة فرنسا وحدها فقد كان لها أثرها على الغرب كله.

تاريخيًا، مرّت فرنسا بوقت عصيب بشكل خاص في دمج الجالية المسلمة بها، والتي تعتبر أكبر جالية مسلمة في أوروبا إذ تصل لحوالي خمسة ملايين نسمة، أو 7,5 بالمائة من الشعب الفرنسي. ففي التسعينيات كانت القضية هي الجزائر. فمع اشتعال الحرب الأهلية الشرسة هناك، جلبت علاقات فرنسا التاريخية بالبلاد العنف إلى أعتابها. في تلك الأيام بدا أن الجبهة الاسلامية للإنقاذ في الجزائر في طريقها للفوز بالانتخابات العامة، لكن القيادة العسكرية العلمانية في الجزائر والتي يعتقد الكثيرون أنها كانت مدعومة من فرنسا قامت بإلغاء الانتخابات.

ثم في عشية عيد الميلاد عام ١٩٩٤، قام أربعة جهاديين جزائريين تابعين للجماعة الاسلامية المسلحة باختطاف طائرة من الجزائر متجهة إلى باريس. وقد قتلت الجماعة خلال الأزمة التي استمرت ثلاثة أيام، ثلاثة مدنيين قبل أن تداهم قوات الأمن الفرنسية الطائرة (التي هبطت في مارسيليا في نهاية المطاف) وقتلت المسلحين. ثم بعد ثلاثة أشهر من هذا الحادث فجرت الجماعة الإسلامية المسلحة محطة مترو سان ميشال في باريس مما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص.

في نهاية المطاف، انهارت الجماعة الاسلامية المسلحة بفضل سلوكها البشع حيث استمرت في النزيف خلال الحرب الاهلية التي دامت لعشر سنوات. لكن الشبكات المسلحة لم تختفِ تمامًا، لكنها تفرّقت في مدن أخرى. فعلى سبيل المثال، قام عشرة مسلحين جزائرين وفرنسيين من أصل جزائري يقيم معظمهم في فرانكفورت بمحاولة تفجير سوق عيد الميلاد في ستراسبورج في ديسمبر من عام ٢٠٠٠. وغادر إرهابيون آخرون إلى لندن، حيث قدمت المساجد المتطرفة منابرها لعدد كبير من مقاتلي الجماعة الإسلامية المسلحة وغيرهم من المهاجرين الجزائريين.

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، صارت الأمور أصعب كثيرًا للمتطرفين الإسلاميين. في المملكة المتحدة على سبيل المثال، تم اعتقال شحصيات إسلامية كبرى مقيمة في لندن ومتصلة بالأحداث في الجزائر. وشمل الاعتقال أبو ضحى المرتبط بخلية في فرانكفورت، وأبو قتادة الذي أصدر فتوى في عام 1995 تبيح للجهاديين قتل النساء والأطفال خلال الحرب الأهلية الجزائرية. وقد تمت إدانة كامل بورجاس الجزائري الذي غادر فرنسا لبريطانيا بتهمة مخطط لاستخدام الريسين (مادة شديدة سمية) وقتل ضابط الشرطة الذي حاول اعتقاله.

وفي الوقت نفسه، تم الحكم بالسجن على الدعائم الأساسية للمشهد الجهادي الفرنسي مثل الأخوان كورتاييه – جيروم وديفيد – المرتبطين بمجموعة متنوعة من المتطرفين حول العالم، في جرائم متعلقة بالإرهاب. ونجحت السلطات الفرنسية أيضًا في الكشف عن العديد من الخطط الإرهابية المحلية. على سبيل المثال، تم إحباط محاولة لتفجير السفارة الأمريكية والمركز الثقافي الأمريكي في فرنسا. جمال بقال، أحد الشخصيات الرئيسية في هذا المخطط، هو جزائري فرنسي له علاقات قديمة مع القاعدة. وبينما هوفي  السجن، تم اتهام بقال بأن له تأثير راديكالي كبير على شريف كواشي أحد الإرهابيين المسؤولين عن هجمات شارلي إيبدو، وأميدي كوليبالي المتهم بقتل الرهائن في متجر الكوشير في اليوم التالي.

مع ذلك، ومهما كان عن عدد الإرهابيين الذين تم سجنهم، فقد استمرت المشكلة في الظهور. في مارس عام 2012، قام إرهابي جزائري يدعى محمد مراح بقتل ثلاثة جنود وأربعة يهود مدنيين في مونتوبان وتولوز، كلاهما في جنوب فرنسا، قبل أن يُقتل في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة. وقد درب متشددون مرتبطون بتنظيم القاعدة مراح في باكستان. وبعد أقل من عام، في مايو 2013، قام الفرنسي ألكسندر داوسي المتحول إلى الإسلام بطعن جندي فرنسي في رقبته في باريس، في ما تم الاعتراف به كعمل إرهابي.

زادت التهديدات الإرهابية خلال عام 2014، فتم اعتقال إبراهيم بودينة الفرنسي من أصول جزائرية والعائد مؤخرًا من سوريا، في الريفييرا الفرنسية في فبراير. في ذلك الوقت، كانت بحوزته متفجرات وبراغي ومسامير وتعليمات لصنع القنابل. وفي مايو، قام فرنسي آخر من أصل جزائري، مهدي نموشي، بإطلاق النار وقتل أربعة أشخاص في متحف يهودي في بروكسل. وقبل عيد الميلاد بفترة وجيزة، قام مواطن فرنسي يحمل سكينًا طولها قدم بالصياح "الله أكبر" قبل أن يهاجم ثلاثة من رجال الشرطة في مركز للشرطة في تور، في وسط فرنسا، قبل أن يُردى قتيلًا.

ولكن أكثر هجمات فرنسا دموية وتدميرًا كانت لم تأت بعد.

الآن، أصبحت تفاصيل المذبحة معروفة جيدًا، وأبدت العديد من البلدان الأوروبية اهتمامًا شديدًا لتعلم كيفية منع الهجوم المقبل.

تقدم فرنسا مثالًا يفسر لماذا لا يوجد نهجًا واحدًا للدمج يمكنه أن يقضي نهائيًا على مخاطر الأيدولوجية الإسلامية. على عكس المملكة المتحدة، والتي تفضل نموذجًا متعدد الثقافات يشجع المهاجرين بالأساس على الإبقاء على الممارسات والقيم الثقافية لموطنهم الأصلي، تتوقع فرنسا، أولًا وقبل كل شئ، الالتزام بمبادئ الجمهورية.

ولكن أيًا من هذه الطرق لم تثبت نجاحها. الضواحي الفقيرة (البانليوز)، التي تضم أعدادًا كبيرة من المسلمين حيث تصل البطالة بين الشباب إلى أكثر من 40 في المائة، أصبحت رمزًا لنهج فرنسا الفاشل. أعمال الشغب في هذه المراكز الحضرية في أكتوبر ونوفمبر 2005 كانت تحذيرًا عن كيف يمكن للسخط الحاشد أن يتحول سريعًا إلى العنف. ولكن بريطانيا أيضًا واجهت مظاهرات عبر المناطق الشمالية من البلاد في صيف 2001. كشفت هذه الأحداث عن المشاكل التي يمكن أن تحدث في ظل عدم وجود دمج وانهيار تماسك المجتمع، هذه المرة بين المجتمعات البيضاء والأسيوية.

أجبرت الأحداث الأخيرة أيضًا في فرنسا الغرب على الاعتراف بتزايد العنف ضد اليهود في أوروبا. أصبح للكوميديين المعادين للسامية مثل ديودوني مبالا مبالا شعبية كبيرة في فرنسا. وأصبحت معاداة السامية مشكلة للحد الذي دعا وزير الداخلية الفرنسي برنار كازينوف للتعهد بجعلها "قضية وطنية". ووفقًا لدراسة حديثة للمجلس اليهودي الأوروبي في عام 2013ـ فإن الاعتداءات المعادية للسامية قد وقعت في فرنسا أكثر من أي بلد آخر. وبلا شك فإن معاداة السامية جزء من الفكر الجهادي، وقد استهدف الإرهابيون في فرنسا اليهود في مناسبات متعددة.

ومن الواضح أيضًا أن هؤلاء الراغبين في دعم الجهاد سيجدون دائمًا قضية. يشير المعلقون في الولايات المتحدة كثيرًا إلى قرار غزو العراق والحرب التي تلتها كسبب جذري للتطرف في هذين البلدين. لم تدعم فرنسا الحرب، ولكن ذلك لم يمنحها المصداقية بين الجهاديين. لقد أظهر التاريخ الحديث أنه دائمًا سيكون هناك قضية جديدة للمتعاطفين مع الجهاديين للتنديد ضد فرنسا. إذا لم يكن التدخل الفرنسي في ليبيا في 2011، فسيكون إذًا غزوها لمالي في يناير 2013؛ وإذا لم تكن سياستها الخارجية  ستكون الداخلية؛ إذا لم يكن منع النقاب في الأماكن العامة فستكون الرسوم المسيئة.

لهذا لا يمكن للحكومات، حتى وهي تأخذ الدروس من الهجمات الأخيرة، أن تسمح للإرهابيين بفرض إملاءات سياسية. سيجد الإرهابيون دائمًا طريقة لتبرير هجماتهم. يجب أن يختار الغرب الليبرالي إما أن يرتضي ويخطو بحرص، ولا يتحدث عن المشكلة، ولا يسئ (دون جدوى على الأرجح)، أو أن يبقى وفيًا لقيمه المؤسسية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب