الولايات المتحدة لن تربح أبدًا الحرب الدعائية ضد داعش

مقال رأي

 

عندما انضم ندوجوا حسن إلى أصدقائه في 11 يوليو 2010، في نادي رجبي كيادوندو في كمبالا بأوغندا، لم يعرف أن حياته على وشك أن تتغير إلى الأبد. كان هناك لمشاهدة المباراة النهائية لكأس العالم بين هولندا وأسبانيا، التي كانت تبث من جوهانسبرج. غطت كراس بيضاء أرض ملعب رجبي حيث يشاهد الحشد الفريقين على شاشة عملاقة. ولكن بينما تنتهي المباراة في الدقيقة 90، هز انفجارين الملعب في تتابع سريع مما أسفر عن مقتل العشرات. كانت حركة الشباب الاسلامية المتشددة قد استهدفت الحشد، إلى جانب مطعم في مكان آخر في العاصمة الأوغندية، في تفجير انتحاري مدبر. وكان هذا اول هجوم للمجموعة خارج قاعدتها الرئيسية في الصومال. أسفرت المحصلة النهائية، عن سقوط 74 قتيلا.

خرج حسن من المذبحة وهو يشعر بالخدر. لم يدرك ما يريد القيام به حتى شاهد التقارير الإخبارية على شاشة التلفزيون بعد يومين من الحادث، وشاهد ادعاء حركة الشباب أنها تتصرف بناءً على القيم الإسلامية، وقتها أدرك ما يريد فعله: إنه يريد محاربة الناس الذين استولوا على الدين الذي أحبه من أجل تبرير العنف.

قال لي في عمان بالأردن، في شهر يونيو الماضي: "عندها أصبحت غاضبا". بعد خمسة أشهر من الهجوم، أسس حسن وأصدقائه منتدى تنمية شباب أوغندا المسلم (UMYDF)، الذي يعمل على ربط الشباب المسلم بالعمليات السياسية التي تشكل حياتهم. من خلال المنتدى، يستطيع حسن الوصول بشكل مباشر إلى 10 آلاف شاب أوغندي من خلال التدريب المباشر ومنصات الإنترنت.

يكون حكيي لقصة حسن هو ردي كلما سؤلت ذلك السؤال الشائع حول الدولة الإسلامية، وهي جماعة متطرفة أخرى تعمل في نواح كثيرة مثل حركة الشباب، وذلك السؤال هو كيف يمكن للولايات المتحدة مواجهة خطاب الجماعة العنيف؟ الحقيقة أن الولايات المتحدة لا تستطيع ذلك. وربما الأهم من ذلك، لعلها ليس عليها المحاولة من الأساس - على الأقل ليس بشكل مباشر. فبينما تحاول الولايات المتحدة صياغة استراتيجية لمواجهة الحرب الدعائية التي تتداخل مع الحرب العسكرية التي تشنها ضد الدولة الإسلامية، ينبغي أن تفكر في أناس مثل حسن، وتقدم الدعم لهم، لأنهم هم الذين يمكنهم أن يفرغوا رسائل المتطرفين من محتواها بمصداقية، ويوفروا بدائل سلمية للمشاكل التي من شأنها تأجيج حماس المجندين المحتملين.

الخطوة الأولى هنا هي أن ندرك حدود ما يمكن للولايات المتحدة تحقيقه في الحرب الكلامية مع الجماعات المتطرفة وكيف أن المواجهة المباشرة في كثير من الأحيان يمكن أن يكون لها نتائج عكسية. عندما تشتبك الإدارة الأمريكية خطابيا مع مجموعة مثل الدولة الإسلامية - بمهاجمة المتطرفين على تويتر، على سبيل المثال- فإن أول نتائج هذا، بغض النظر عن نواياها، هو أنها تقدم للجماعة مساحة أوسع ومنصة عالمية لجهود الجماعة في التجنيد. كما أنها غالبا ما تتسبب دون قصد في إضفاء مصداقية على الرسالة التي تكمن في خطاب المتطرفين: فوضعهم كمركز لغضب الولايات المتحدة يثبت أنهم المعارضة الشرعية لعدد لا يحصى من المظالم المدعومة من الغرب وازدواجية المعايير في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وعندما يرتكز الخطاب الأمريكي المضاد على أيديولوجية دينية، فإنه يؤكد دافع الدولة الإسلامية الثاني بشكل فعلي: أنها متحدث حقيقي بإسم الإسلام. أي أن مشاركة الولايات المتحدة، بعبارة أخرى، توفر الوقود لدوران آلة الدولة الاسلامية.

إذا ما الذي على الولايات المتحدة أن تفعله بدلا من ذلك؟ هناك ثلاث حقائق رئيسية علينا أن نضعها في الاعتبار عند النظر في كيفية محاربة دعاية الجماعات المتطرفة. أولا، أن الخطاب المضاد موجود بالفعل: فالوحشية تتحدث عن نفسها، وهناك مئات الآلاف من القادة الدينيين والناشطين والمؤيدين - لنسميهم الأصوات المحلية- يتوسلون أن يجرى الفصل بين تعاليم الإسلام السلمية والعنف الذي لا معنى له. ثانيا، لا تقل أهمية مصداقية من يبعث الرسالة عن الرسالة نفسها. ثالثا، على الولايات المتحدة أن تنظر بشكل استراتيجي في كيف أن صلتها بالأصوات المحلية ستؤثر على الطريقة التي ينظر بها الجمهور الذين يشكلون المجندين المحتملين للمتطرفين إلى هؤلاء الشركاء.

تساعد هذه الحقائق الثلاث في الوصول إلى إجابة واضحة: يجب أن تكون وظيفة الولايات المتحدة هي إيجاد أصوات المحلية وإفساح المجال لها.

***

في مقابلة مع بري لوسكوتا، العضو المنتدب لمركز الدين والثقافة المدنية في جامعة جنوب كاليفورنيا والمدرب في مشروع جيل التغيير بمعهد السلام الأمريكي، والذي يعمل مع منتدى تنمية شباب أوغندا المسلم، أوضح حسن تفكيره بعد الهجوم الذي حدث في أوغندا . فقال "كان جميع المتهمين والمتواطئين من الشباب المسلم. لقد كنت محتارًا جدًا وسألت نفسي الكثير من الأسئلة. لماذا يعتقد الناس أنه عند قتلك شخص ما تحصل على جواز سفر الى الجنة؟ لماذا يجتذب شاب إلى أعمال الإرهاب؟ لماذا ينضم صبي يبلغ من العمر 17 عاما في منطقة فقيرة إلى عصابة؟ لماذا ينضم طالب في المدرسة الثانوية في بلدة هادئة إلى جماعات الإرهاب التي تدعي التفوق؟ لماذا تتخلى امرأة شابة عن عائلتها ومستقبلها وتصبح انتحارية؟ "

هذه، بالطبع، هي الأسئلة التي تسأل في المجتمعات المحلية المتضررة من التطرف في جميع أنحاء العالم، وهي أصل عدد لا يحصى من المحاولات المحلية لتغيير الخطاب المهيمن العنيف الذي تطوره الجماعات المتطرفة مثل القاعدة. على سبيل المثال، في عام 1998، خسرت صديقة رحيمة زيد المقربة والدتها في انفجار قنبلة خارج السفارة الأمريكية في نيروبي. وكانت صديقتها، وهي مسيحية، تقول لزيد أن الإسلام هو الذي قتل والدتها. عرفت زيد، وهي مواطنة كينية، أن دينها كان يجري لي عنقه لتبرير العنف، ولكن بينما كان يتلقى  الكثير من أصدقائها وجيرانها تهديدات بالقتل من متطرفين، أصبح من الصعب لها أن تنأى عن العنف. وجاء ردها في عام 2008 عندما أسست المبادرات المتكاملة لتمكين المجتمعات المحلية (IICEP) في كينيا، التي تعمل مع اللاجئين الصوماليين. لدى المبادرات برامج لتعزيز السلام في مجتمع إيستلي، وهي مستوطنة غير رسمية للاجئين في مقاطعة مدينة نيروبي ، وتدريب أكثر من 250 من المعلمين وأولياء الأمور وقادة المجتمع المحلي لتسخير أدوات اللاعنف من أجل الدعوة. عملت زيد أيضا مع الزعماء الدينيين لتطوير المناهج الدراسية في المدارس الإسلامية لتعزيز منهجيات التدريس الصديقة للطفل والتسامح الديني.

يجب على الولايات المتحدة أن تساعد على توفير مساحة وصوتا لهؤلاء الرسل المحليون. مهما كان الخطاب الأمريكي قويًا، ومكتوبًا بشكل جيد، ومتقدمًا تكنولوجيًا، لن يجرى استقباله أبدًا بنفس طريقة استقبال الرسائل التي يبعثها ممثلون أصيليون من داخل المجتمعات المحلية المتضررة نفسها.

من الصعب المبالغة في التأثير الذي قد يملكه قادة المجتمع على المجندين المحتملين للجماعات المتطرفة. ليس ما يقدمه هؤلاء القادة هو قصة بديلة فحسب، ولكنها دعوة بديلة للتحرك. كثيرا ما يعترف الشباب الذين أعمل معهم بكونهم غاضبين من معايير المجتمع الدولي المزدوجة تجاه السكان المسلمين، مثل الناس الذين يعيشون في غزة، وتراخي العالم أمام الحرب الأهلية الدامية في سوريا. أنهم يشعرون بأنهم منبوذون في حياتهم اليومية، ولا يزال عليهم النضال للحصول على الغذاء والرعاية الصحية والكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى. إن غضبهم شرعي. كما أن الرسالة التي تقول أن هناك وسائل سلمية لخروج هذه المشاعر أكثر احتمالًا لأن يستمع إليها عندما تأتي من الجهات الفاعلة المجتمع. في المقابل، غالبا ما تواجه حملات الرسائل الوطنية ضد الدعوات المتطرفة، والتي تدعمها استثمارات كبيرة من المال والخبرة الدوليين، بالرفض لكونها أجندة خارجية. لقد كان هذا ينطبق على البرامج الكبيرة، التي ترعاها الولايات المتحدة من العراق إلى أفغانستان، ومؤخرا في حملة وزارة الخارجية حسنة النية على وسائل التواصل الاجتماعي تحت اسم "فكر مرة أخرى، اتجه بعيدا" والتي بدأت في ديسمبر 2013 "لكشف الحقائق حول الإرهابيين والدعاية الخاصة بهم". لم تكن الحملة غير فعالة فحسب، لكنها تحولت في الواقع إلى منبر للجماعات متطرفة المختلفة التي تروج للعنف للانخراط مع بعضها البعض. من خلال هذه الحملة، كانت تلك الجماعات قادرة على الوصول إلى جمهور مستهدف جديد من الشباب، فضلا عن تحسين والبناء على خطاب مشترك.

من الضروري للولايات المتحدة أن تفهم أن الشركاء المحليين غالبا ما يواجهون تحديات بسبب ارتباطهم بأمريكا. لكن لا ينبغي أن تخجل من صلاتها. بل ينبغي أن تسعى جاهدة لرسم القيم التي تروج لها مباشرة.

تستخدم الدولة الإسلامية الخطاب الديني ولكنها تعلن عن نفسها من خلال الادعاء بأن الولايات المتحدة منافقة فيما يخص حقوق الإنسان وتطبق معايير مزدوجة مع حلفائها عندما يتعلق الأمر بالقيم الديمقراطية. إن الخطاب الديني ليس له سوى جاذبية بسيطة وسط المجتمعات المحلية - ولكن الوعد بفعل شيء لمظالم المسلمين في جميع أنحاء العالم الحق يغري الناس على الاصطفاف مع جماعات مثل الدولة الإسلامية، وأنصار الشريعة المرتبطة بتنظيم القاعدة ، والشباب الصومالية. وليس خيالا أن نرى كيف تستخدم الدولة الإسلامية المظالم في غزة وسوريا لمصلحتها، ولكن المتطرفين يبحثون داخل حدود الولايات المتحدة أيضًا. تم إرسال صورًا لا حصر لها مؤخرا من غزة تظهر لافتات حول هيئة المحلفين الكبرى في فيرجسون وقضية اريك جارنر، معربين عن شعور بالتضامن. وفي رحلاتي إلى المنطقة، كثيرا ما أتلقى اسئلة حول ما إذا كنت أشعر بالأمان في الولايات المتحدة، في ضوء تقارير أن شرطة نيويورك قد تجسست على أعضاء المجتمع المسلم الأمريكي.

وبعبارة أخرى، فإن العديد من الصراعات الداخلية للولايات المتحدة مع العنصرية تستخدم كجزء من آلة الخطاب الهامة التي تنشرها جماعات مثل الدولة الإسلامية لاستهداف المزيد والمزيد من الشباب الغربي المتعلم. الرسالة المركزية التي يستغلونها هي أنه إذا كنت أقلية عرقية أو دينية في الولايات المتحدة، لن يكون هناك مكانًا لك في المجتمع أو طريقًا حقيقيًا إلى العدالة.

إذا أرادت الولايات المتحدة أن تعزز الأصوات السلمية في الخارج بفاعلية، فهي تحتاج إلى أن تكون صادقة حول الواقع السياسي كجزء من رسائلها الدولية. وخير مثال على ذلك هو الإصدار الأخير من تقرير التعذيب. على الرغم من حقيقة أنه يعرض أفعال الرهيبة قامت بها الولايات المتحدة، يبين التقرير علنًا أيضا أن حكومة الولايات المتحدة تتخذ خطوة مهمة نحو المساءلة والمسؤولية. هناك حاجة إلى أن تحدث المزيد من الخطوات مثل تلك.

رغم أنه من المغري بالنسبة للولايات المتحدة أن تهاجم مباشرة الدعاية الحقيرة التي تبعثها الجماعات المتطرفة، فإن فعل ذلك قد يوسع منصات الجهات الفاعلة العنيفة ويعزز شرعيتها. بدلًا من ذلك، ينبغي على الولايات المتحدة أن تركز على خلق بيئة مواتية للأصوات المحلية الأصيلة للعمل من أجل التغيير - سواء كانت أصوات معارضة داخل الإسلام أو أصوات معارضة في الداخل تسعى إلى رفع الولايات المتحدة إلى مستوى حقوق الإنسان والحرية الشخصية في قلب خطابها الوطني. وإلى أن يحدث هذا، سوف  تستمر الجماعات المتطرفة مثل الدولة الإسلامية في الفوز بالحرب الكلامية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب