اليمن: بارقة أمل

مقال رأي

 

فيما أصبح مسلسلًا متكررا، تواجه اليمن مجددا انهيارا وشيكا. سيطرت المجموعة المتمردة المعروفة باسم "الحوثيين" خلال الأيام الأخيرة علي القصر الرئاسي اليمني ومؤسسات الدولة الرئيسية. لم تفلح جهود الوساطة الدولية الغير محدودة ومليارات الدولارات في دعم دولة يستعصي حل مشكلاتها. وبينما تصل أصداء الأزمة اليمنية إلي واشنطن، يقلق صناع القرار الأمريكيين من إطلاق عنان أحد أقوي تابعي القاعدة، فقد ينظم هجمات إرهابية علي الأراضي الأمريكية.

نشأ الحوثيون، المنبثقون عن أحد الطوائف الشيعية المعروفة باسم الزيدية، كحركة دينية صحوية عام 1991 ساعيةً للدفاع عن الطائفة ضد تعديات الإسلاميين السنة. ولكن بعد هجمات 11 سبتمبر، ومع ازدهار التعاون الاستخباراتي بين الولايات المتحدة واليمن، أصبح للحركة بُعد سياسي. فقد هاجمت الحركة الحكومة اليمنية باعتبارها خادمة للأمريكيين، وتبنت الحركة عام 2002 شعار "الموت للأمريكا! الموت لإسرائيل! اللعنة على اليهود! النصر للإسلام!".

خاض الحوثيون ست حروب ضد الحكومة بين عامَي 2004 و2010 كانت جميعها محدودة بالمحافظات الشمالية حيث تكونت المجموعة. لكن الاضطراب والانقسام السياسي اللذان احدثتهما ثورة عام 2011 وفرا أفضل مناخ لاستيلاء الحوثيين علي السلطة. فقد بدأت الجماعة بشكل متروي في النزول من الجبال للسيطرة علي المحافظات المجاورة. وبحلول سبتمبر 2014 استطاع الحوثيون السيطرة علي العاصمة اليمنية وهو ما سمح لهم بإملاء شروطهم علي الحكومة.

بدا القائد الحوثي عبد الملك الحوثي، في خطابه خلال الأسبوع الماضي، كسياسي شعبوي أكثر مما بدا كداعية متشدد. فقد انتقد النظام لفساده ولتزعزع الاستقرار الذي أدي لشل الحياة الطبيعية في البلاد، حيث قال إن الحكومة "مستمرة في انتهاج الفساد، والنهب، وسلب الحقوق". وتمثلت أكبر مظالم الحوثيين في قرار الرئيس بتبني خطة فيدرالية ستقسم البلاد إلي ستة أقاليم.

تسببت الأصول الشيعية للحوثيين في توجيه اتهامات لهم بالعمالة لإيران. فقد أشاد مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي بمؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني وكذلك بتنظيم حزب الله البناني الشيعي، قبل وفاته عام 2004. وقدمت إيران الدعم المالي والتدريب للحوثيين منذ عام 2011، كما ذكرت تقارير صحفية وجودا عسكريًا إيرانيًا بشكل متزايد خلال الأشهر القليلة الماضية. سيكون من الخاطئ رؤية الصراع المختمر في اليمن بمعزل عن الحرب بالوكالة بين إيران والسعوديةالتي تجتاح العالم العربي. لكن اليمن ليست لبنان ولا سوريا. فإيران ليس لديها نفس المصالح الحيوية في صنعاء مثلما لديها في دمشق. ومع هبوط أسعار النفط وتقليص العقوبات الدولية للسخاء الإيراني أصبحت طهران في حاجة للمزيد من الموارد لتوفير الدعم اللازم للحكومة، مثلما تفعل في سوريا. كما تعتبر الحوثية الشيعية أقرب إلي الاسلام السني مما هي إلي الشيعة. وهو ما يؤدي لنشوب مشاحنات طائفية. رغم تقديم الحوثيون الفرصة لإيران لتوسيع نفوذها الإقليمي، إلا أن التطلعات السياسية قد تفسح الطريق لإدراك حقيقة أن الصدع الديني-السياسي أكبر من أن يتم رأبه.

ومع تأجج الأوضاع في صنعاء، تنهار السياسة الأمريكية لاحتواء خطر تنظيم القاعدة. فقد راهنت علي حكومة يمنية منصاعة لها لاستغلال مخابراتها في مواجهة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (AQAP)، حتي مع تنفيذها لهجمات الدرونز وتفجير أضرارها الجانبية المحتومة لغضب مجتمعي. اليوم تحتاج واشنطن لإعادة هيكلة سياستها لتتوافق مع الواقع الجديد. كان الحوثيون دائمًا معادين للولايات المتحدة. فقد انتقد الحوثي بشكل مستتر الحكومة اليمنية وراعيها الأمريكي يوم الثلاثاء قائلًا: "ترسل القوات الأجنبية إشارات سلبية إلي القوات الحكومية حتي لا تقبل الشراكة مع الحوثيين". إن كان الحوثيون قادرون علي توسيع سلطتهم إلى الجيش فقد يؤدي ذلك إلي تقليص التعاون الاستخابراتي وإعاقة هجمات الدرونز.

أثار استيلاء الحوثيون علي السلطة قلق سُنة اليمن، فقد يعيد الحوثيون تأسيس الدولة الدينية الشيعية التي تواجدت لمدة ألف عام حتي انقلاب عام 1962 الذي أعلن بِدء عهد الجمهورية اليمنية. ورغم أن مخاوفهم مضلَلة، إلا أنهم علي الأرجح سوف يطلبون الحماية من الجماعات التي تستطيع تأمين مجتماعاتهم. كما الحال في العراق، حيث اتجه السنة المجردون من حقوقهم إلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، كذلك يستطيع السنة اليمنيون التوجه نحو تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة، ما قد يوفر للتنظيم ملاذات آمنة جديدة وكذلك مقاتلون جدد.

رغم تلك النكسات المحتملة، إلا أن يمنًا يسيطر عليها الحوثيون قد تحمل بعض الجوانب المشرقة بالنسبة لواشنطن. ففي منطقة يحكم سياستها الخارجية القول المأثور: "عدو عدوي هو صديقي،" قد يقوم الحوثيون بالمهام القذرة نيابةً عن أمريكا.

دار السجال بين تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والحوثيين لسنوات. فالقاعدة لا تري فرقًا بين الحوثيين والشيعة الذين تقاتلهم داعش في العراق وسوريا. وخلفت الاشتباكات بينهما في أكتوبر الماضي 60 قتيلًا. واتهم الحوثي في خطابه الحكومة بـ "التواطؤ الواضح مع القاعدة، موفرةً لها ما إمكانيات لتدير عملياتها". كما حث حسين بدر الدين الحوثي عام 2002 الحكومة اليمنية علي رفض التدخل الأمريكي والاعتماد علي قواته لقتال القاعدة.

علي خلاف الحكومة، فلن يضع الحوثيون الرأي العام المحلي في الحسبان عند قتالهم للقاعدة. فالحكومة هشة الشرعية لم تستطع سابقًا اقناع اليمنيين بأن القاعدة تمثل تهديدًا قوميًا كما ظلت تتخوف من إحداث وفيات مدنية، بينما الحوثيون ليس لديهم مشكلة مع أضرار جانبية أكبر، خصوصا في المحافظات السنية الجنوبية التي تمثل ملاذًا للقاعدة. ومع استمرار الجيش بأغلب قوته – حيث ظل على الحياد تقريبًا مع استيلاء الحوثيون علي البلاد– لاتزال اليمن محتفظة بالقوة اللازمة لقتال القاعدة. قد تعطل تلك العوامل خطط التنظيم وتبقيه في وضع الدفاع.

وفي ظل الضبابية المسيطرة علي الوضع اليمني لابد أن تقتنع واشنطن بإعادة تقييم استراتيجيتها في التعامل مع القاعدة. ولكن مع تأكد قتال الحوثيون للقاعدة، قد ترغب أمريكا في تهميش دورها قليلا، بينما أحد خصومها المحليين يقاتل أحد خصومها العالميين، قبل دخول الساحة مجددًا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب