برقيات من السجن حول الحرب على الإرهاب: ضابط استخبارات أمريكية سابق يتحدث

مقال رأي

جون كيرياكو هو موظف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الوحيد الذي ذهب للسجن بسبب برنامج التعذيب الخاص بالوكالة. ليس لأنه قام بتعذيب أي شخص، ولكن لأنه كشف معلومات عن التعذيب لأحد المراسلين.

كيرياكو هو ضابط وكالة الاستخبارات المركزية الذي صرح لـ "أيه بي سي نيوز" في عام 2007 أن وكالة الاستخبارات المركزية قامت بعمليات الإيهام بالغرق للسجناء المشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر، وبالتحديد أبو زبيدة، الذي يُعتقد أنه مسؤول كبير في القاعدة. وعلى الرغم من أنه كان يشعر في ذلك الوقت أن الإيهام بالغرق قد ينقذ حياة بشر، لكن كيرياكو رأي هذه الممارسة بعد ذلك كتعذيب وفيما بعد زعم أنه قلل دون قصد من المرات التي تعرض فيها أبو زبيدة إلى الإيهام بالغرق.

في يناير 2012، تم اتهام كيرياكو من قبل وزارة العدل بالكشف بشكل متكرر عن معلومات سرية للصحفيين. واتهمت وزارة العدل كيرياكو بالإفصاح عن هوية ضابط في وكالة الاستخبارات المركزية شارك في القبض على أبو زبيدة لمراسل مستقل. لم يكشف المراسل علنًا عن اسم الضابط، ولكن اسمه ظهر بالفعل على موقع على شبكة الإنترنت في أكتوبر عام 2012. واتُهم كيرياكو أيضًا بتقديم معلومات لمراسل "نيويورك تايمز" سكوت شاين عن موظف الاستخبارات المركزية دوس مارتينيز، والذي شارك في القبض على أبو زبيدة واستجوابه.

وبعد الموافقة على صفقة الإقرار بالذنب في أكتوبر 2012، حُكم على كيرياكو في يناير عام 2013 بالسجن لمدة 30 شهرًا. ذلك الحكم جعله ثاني موظف في وكالة الاستخبارات المركزية على الإطلاق يتم سجنه بموجب قانون حماية هويات العاملين بالاستخبارات، والذي يمنع الإفصاح عن اسم أي عميل؛ الأول كان شارون سكرانيج الذي اعترف في عام 1985 بقيامه بالكشف عن هوية عملاء للاستخبارات في غانا بعد إعطاء معلومات سرية إلى امرأة غانية قيل إنها عشيقته.

لم يكن كيرياكو بلا دعم من زملائه السابقين. بعث صديقه ورئيسة السابق بروس ريدل برسالة إلى الرئيس أوباما موقَّعة من ضباط آخرين في وكالة الاستخبارات المركزية، يحثه فيها على تخفيف عقوبة السجن على كيرياكو. وهو ما لم يحدث.

يقول كيرياكو، الأب لخمسة أطفال، أن وكالة الاستخبارات المركزية طلبت من زوجته الاستقالة من عملها في الوكالة فورًا بعد القبض عليه، وأن عليه سداد دين كبير من الغرامة القانونية المفروضة عليه.

ومن المقرر أن يتم نقل كيرياكو مبكرًا من السجن الاتحادي في لوريتو ببنسلفانيا في الثالث من فبراير. وفي مقابلة هاتفية مطولة مع "ذا إنترسيبت"، شارك كيرياكو (50 عامًا) أفكاره حول تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ عن تقنيات التعذيب لدى وكالة الاستخبارات المركزية، وحول سجنه، وحول مستقبله بعد السجن.

ليس لديك قدرة على الولوج إلى الإنترنت في السجن، إذًا هل  استطعت رؤية صفحة واحدة فقط من تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ؟

حسنًا، قام أحد أقربائي بطباعة التقرير كاملًا وإرساله لي، نعم لقد أرسله لي في خمسة أظرف مختلفة.

إذن هل كان هناك أي شيء في التقرير مفاجئ بالنسبة لك؟ هل شعرت حتى باليأس كونك ضابط الاستخبارات الوحيد الذي سُجن منذ دخل البرنامج إلى حيز الوجود؟

الشيء الوحيد الذي أعتقد أنه غاب عن الجميع هو أننا علمنا عن الإيهام بالغرق، وعن الزنازين الباردة، علمنا عن الموسيقى الصاخبة والحرمان من النوم. علمنا عن كل الأشياء التي تم "التصديق" عليها من وزارة العدل. ولكن الذي لم نعلمه هو أن ضباط وكالة الاستخبارات المركزية كانوا يفعلون أشياءً من تلقاء أنفسهم دون إذنٍ من أحد. وأريد أن أعرف لماذا لا يتم مقاضاة هؤلاء الضباط بينما من الواضح أنهم ارتكبوا جرائم وهذه الجرائم موثقة جيدًا من كلٍ من وكالة الاستخبارات المركزية ولجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ.

شيء واحد بالتأكيد كان كاشفًا، حتى للمراقبين القريبين من هذا البرنامج، وهو المعاملة الوحشية لهؤلاء السجناء. يتبادر إلى الذهن الموت المأساوي للأفغاني جول عبد الرحمن.

جول عبد الرحمن ربما هو أفضل مثال على ذلك. هذا الرجل قُتل بدم بارد، فأين هي المقاضاة؟ تعود إلى المنزل وقد قتلت شخصًا بدمٍ بارد، وتترقى وتأخذ مكافأة 2,500 دولار. ليست هذه هي الرسالة التي يفترض بنا إرسالها.

كان هناك بعض الذين حاولوا إعفاء جورج دبليو بوش من أي لوم بشأن البرنامج. زعموا إنه يعرف عن التفاصيل منذ عام 2006، كما يذكر التقرير. هل تتفق مع هذا التقييم من هولاء الذين يدافعون عنه؟

هذا ببساطة ليس صحيحًا. لقد علِموا عن البرنامج وصولًا إلى قمة الإدارة. أذكر أنني كنت أجلس في اجتماع واحد مع أكبر ثلاثة مسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية عندما تم التصديق على البرنامج. وطوال المحادثةـ ظل يقول "لا أصدق أن الرئيس قد وقع على هذا البرنامج. أنا لا أستطيع تصديق ذلك". ظل يقول ذلك لأن البرنامج كان راديكاليًا وعنيفًا لدرجة أننا داخليًا لم نكن نظن أنه سيكون هناك إذن به. وجاء الإذن. وخرج الأمر من أيدينا، وكان منحدرًا زلقًا وأخذت الكرة تتدحرج إلى أسفل التل. والشيء التالي كما تعلم، نحن نقتل أناسًا.

باعتبارك عميل للاستخبارات المركزية الأمريكية لثمانية عشر عامًا، ما هو تلخيصك لهذا البرنامج من الناحية العملية ومن الناحية الأخلاقية؟

عندما كنت في مركز مكافحة الإرهاب، وجاء لي مسؤول يسألني إذا ما كنت أريد أن أحصل على شهادة في تقنيات الاستجواب المحسنة، قلت له "انظر، لدي مشكلة أخلاقية مع هذا. أعتقد أنه منحدر زلق، وأعتقد أن أحدًا سوف سيقتل. سيكون هناك تحقيق. وسيتم سجن بعض الناس، وأنا لا أريد أن أكون جزءًا من ذلك". والمفارقة أنني كنت الوحيد الذي ذهب إلى السجن.

وبعد ما يقرب من 20 عامًا في الخدمة، هل يمكنك التحدث على أكثر المواقف الضاغطة التي تعرضت لها؟

لقد كنت على بُعد ربع ميل من القتل. مرتان، لمرتين نجوت من محاولة اغتيال. مرة في الشرق الأوسط، وكتبت عنها في كتابي. ومرة في اليونان. وفي اليونان، بدلًا من قتلي، قتلوا الملحق العسكري البريطاني ستيفن سوندرز، لأنه كان يسبقني بربع ميل (في يونيو 2000). وقالوا في بيانهم إنهم رأوا سيارتي ولكنهم عرفوا أنهم مصفحة وأنني مسلح. وكان ستفين سوندرز فقط في سيارته التي شحنها من لندن ولم يكن معه سلاحًا. وقتلوه بدلًا مني.

لقد كرست حياتي البالغة بالكامل للأمن القومي. وسأذهب إلى قبري وأنا أعرف أنني قد فعلت الصواب.

والآن وبعد أن اطلعت على التقرير، هل صُدمت بـ "التغذية الشرجية" كتفصيلة أخرى لم تكن تعلم عنها؟

إنه أمر مقزز. لا أستطيع تخيل تبريرًا لشيء مثل هذا تحت أي ظرف من الظروف. هناك طرق لإرواء السجناء، هناك طرق لتقديم الغذاء السجناء المضربين عن الطعام. وليس عن طريق إدخال الحمص إلى مؤخراتهم. ليست هذه هي الطريقة التي تقدم بها التغذية لشخص تحتجزه. كان ذلك صادمًا بالنسبة لي.

وكان من التفاصيل المذهلة الأخرى دفع 81 مليون دولار لشركة أسسها اثنان من علماء النفس، جيمس ميتشل وبروس جيسين. هل تعلم شيئًا عن هؤلاء الإثنين؟

أتذكر هذين الرجلين جيدًا جدًا. كان لديهما مكتبان صغيران في الخلف. مركز مكافحة الإرهاب ضخم جدًا جدًا. إنه مزرعة من الحجيرات. الجميع في حجيرات. ولكن هناك مكاتب خاصة حول الأطراف بمحاذاة الجدران. وهذان الرجلان ظهرا كما يبدو في أحد الأيام وحصلا على مكاتب خاصة. ونعم، كنا نقول من هذان الرجلان؟ لم يكونا حتى من ضباط الشرطة، لم يكونا حتى من الموظفين. كانا من أصحاب الشارات الخضراء، كانا من المقاولين. وقيل لنا لا تسألوا أسئلة عن هذين الرجلين.

هل كانت الظروف البشعة في حفرة الملح ومواقع التعذيب الأخرى مفاجئة بالنسبة لك؟

لم يكن لدي أي فكرة. كان ذلك كشفًا مذهلًا. لقد أخذت جولة بالفعل في سجن باجرام الجديد عندما كنت مع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. كان مكانًا جميلًا. كان عظيمًا. أفضل في نواحٍ كثيرة مما نحن فيه هنا في لوريتو. ولكن حقيقة الأمر إننا لم نكن نسكن السجناء في هذا السجن. لقد كنا نضعهم في زنزانة أخرى على الجاتب الآخر من القاعدة التي كان يطلق عليها "حفرة الملح". كانت هناك فظائع تحدث في حفرة الملح.

هذا المكان الرائع الذي أنفقنا فيه الملايين والملايين من أموال دافعي الضرائب كان خاويًا تمامًا.

ملاحظة المحرر: تم إغلاق مركز الاعتقال في باجرام في ديسمبر 2014. ولم يتضح عدد السجناء بين هذا السجن وبين ما يسمى "حفرة الملح"، الموقع الأسود لوكالة الاستخبارات المركزية، عندما كان المعتقلان في الخدمة.

ذهب خوسيه روديجيز المدير السابق للخدمة الوطنية السرية في وكالة الاستخبارات المركزية  فيما يبدو ضد رغبات المحامين الخاصين بالوكالة حول الفحص الكافي للمحققين المحتملين. عندما أعربوا عن قلقهم إزاء عملية الاختيار أجابهم "إنها ببساطة ليست وظيفتكم". ما رأيك في ذلك؟

إنه الأسوأ من بين الأسوأ. مع خوسيه رودريجيز بالأخص، هنا أنت لديك الشخص الذي اتخذ قرار تسجيل الأشرطة .. إنه الشخص الذي أمر بتسجيل الأشرطة لضباط وكالة الاستخبارات المركزية وهم يعذبون أبو زبيدة أولًا ثم آخرين من بعده. وبعد ذلك تمت ترقيته إلى نائب مدير العمليات وأخذ قرار بتدمير الأشرطة بعد أن أخبره النائب الأول للمستشار العام جون ريزو بشكل محدد ألا يدمر الأشرطة. وفعل ذلك على أي حال. ليس هناك تداعيات أو عقاب. ليس هناك شئ.

ملاحظة المحرر: ذكرت تقارير إن قرار تسجيل استجوابات وكالة الاستخبارات المركزية "قد تم في الموقع". بدأ التسجيل يحدث تقريبًا في الوقت الذي أصبح فيه رودريجيز مديرًا لوكالة الاستخبارات المركزية لمكافحة الإرهاب. وقال رودريجيز في مقابلة مع برنامج "60 دقيقة": "السبب وراء تسجيل استجواب أبو زبيدة هو .. أننا كنا نريد أن نظهر للعالم أننا ليس لدينا دخلًا في وفاته". من غير الواضح إذا ما كان قد قرر بشكل شخصي صنع هذه الأشرطة.

بعد أن استمعت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ إلى الشهادة السرية لريزو، قال العضو الجمهوري البارز في اللجنة بيتر هويكسترا عن رودريجيز " يبدو أنه أخذ توجيهًا بالتأكد من عدم تدمير الأشرطة". وفي هذا الوقت اعترض محامي رودريجيز على هذا القول قائلًا "لا أحد، على حد علمنا، وجهه في أي وقت بألا يدمر الأشرطة".

استمر دعاة برنامج الاعتقال والاستجواب مثل ديك تشيني في الدفاع علنًا عن برامج وكالة الاستخبارات المركزية، ووصفوا تقرير التعذيب بأنه تصيد حزبي. وقالوا أيضًا أنهم سيقوموم بتنفيذ البرنامج إذا كان عليهم فعل كل شيء مرة أخرى.

السبب في أن هؤلاء الأشخاص على شاشة التلفزيون طوال الوقت، بصرف النظر عن حقيقة أن الإعلام الخاص يسمح لهم بذلك، أن التعذيب هو تراثهم. عند كتابة نعيهم سيكون نعيهم عن التعذيب وعن دورهم فيه. وهم يحاولون يائسين أن يقلبوا القصة لتبدو كما لو كانوا وطنيين وليسوا مجرمين. إنه أمر غير حزبي على الإطلاق. استخدمت لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ مصادر أولية للمعلومات. استخدموا البرقيات الأصلية لوكالة الاستخبارات المركزية ليتوصلوا إلى هذا التقرير. لقد استخدموا البرقيات الأصلية لوكالة المخابرات المركزية في هذا التقرير. هذه البرقيات لم تكن حزبية، لم تروي هذه البرقيات جانبًا واحدًا من القصة. هذه البرقيات هي المعلومات الفعلية المكتوبة كما حدثت. إذًا لتسميها حزبية فهو ببساطة غير صحيح. إنها ليست حزبية. الحزبي هو أن مجموعة بعينها من القادة السياسيين لا يريدون أن تتحمل هذه المؤسسة، هذه الوكالة، مسؤوليتها تجاه هذه الأفعال.

لقد قلت لشبكة "آر تي" في عام 2013 إنك قد تخسر الكثير من الأصدقاء داخل وكالة الاستخبارات المركزية نتيجة أفعالك. هل لا يزال الأمر كذلك؟

كنت مخطئًا فيما قلته لمذيع "آر تي" آبي مارتن. اتضح أن عدد الأصدقاء الذين ابتعدوا عني يعدون على أصابع اليد الواحدة. سأقول لك أن أكثر من 30 من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية قد كتبوا لي هنا، وتقريبًا كلهم مراسلون منتظمون. لقد قام زملائي السابقون بمسيرة من أجلي. كان الأمر رائعًا. والآن الكثير منهم لا يستطيعون استخدام أسمائهم. بعضهم عملاء سريين، وبعضهم لا يريد فقط أن يتضرر.  ولكنهم كانوا رائعين. ليس لدي أي شكوى على الإطلاق. وبعضهم ضباط بارزين في وكالة الاستخبارات المركزية.

كيف حال أبنائك؟ هل لديهم فكرة عن القرارات التي اتخذتها وما حدث لك باعتبارك أبيهم؟

ولداي الكبيران في الكلية. أنهى أحدهم سنته الرابعة في ولاية أوهايو، والآخر في سنته الأولى في ولاية كليفلاند. وبالتالي فهم شاهدوا كل شيء، العملية بأكملها، وتفهموا ما كان يحدث. ولكن حتى أطفالي الصغار أيضًا. لدي ولد في العاشرة من عمره، وابنة عمرها ثمان سنوات وابن آخر عمره ثلاثة سنوات. الابن ذو العشر سنوات والابنة ذات الثمان سنوات لديهم آراء قوية للغاية حول أشياء مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي والتعذيب. لقد شاهدوا مكتب التحقيقات الفيدرالي يحيط بمنزلنا بالكامل لمدة 24 ساعة في اليوم كما شاهدته. إنهم ليسوا عميانًا. لقد رأوا مكتب التحقيقات الفيدرالي يأتي إلى منزلنا، ويأخذ جميع الأجهزة الإلكترونية الموجودة لدينا. كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يتبعنا إلى متجر "تارجت" ومطعم "أبلبيز" وإلى الكنيسة.

إذًا ماذا يفعل عميل سابق لوكالة الاستخبارات المركزية عندما يخرج من السجن ولم يعد قادرًا على العمل في الوكالة؟

كجزء من الإدانة فقدت معاشي. كان لدي 770 ألف دولار ادخرتهم في ذلك المعاش، وضاعوا ببساطة. ولذلك، يجب أن أبدأ إعادة البناء. ولا زلت مدينًا للمحامين بمليون دولار تقريبًا.

لدي عمل مؤقت عندما أخرج، القيام بتطوير الأعمال لمجموعة طبية. ولكنها وظيفة مؤقتة. ما أود القيام به هو الذهاب لمركز أبحاث. أريد أن أكتب وأتحدث وأدرِّس، وأظن أن هذا أكثر ما يناسبني. أريد أن آخذ الأشياء بروية، وأقف على قدمي مرة أخرى. ولكن الأمر كان شاقًا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب