بعد الهجمات المميتة.. أوروبا تدرس توسيع المراقبة

أخبار

في جو من الخوف، بعد الهجوم المميت على المجلة الفرنسية شارلي إيبدو، يقترح المسؤولون في الاتحاد الأوروبي مجموعة من المبادرات لمكافحة الإرهاب، تتضمن قوانين مراقبة جديدة من شأنها أن تعطي الأجهزة الأمنية فرصة أكبر للحصول على البيانات الشخصية.

أحد التدابير الرئيسية قيد النظر هو قانون للاحتفاظ بالبيانات سيحل محل ذلك الذي أبطلته المحكمة العليا للاتحاد الأوروبي، في العام الماضي، بتهمة التعدي على الحقوق الأساسية. الضغط من أجل مراقبة إضافية يأتي بينما تُحذّر سلطات الشرطة في أوروبا من هجمات وشيكة من قِبل المتطرفين. أُلغيت مسيرة مناهضة للإسلام في ألمانيا، وأخرى مضادة من أجل التسامح بعد تهديدات مزعومة بالعنف. تقوم قوات الشرطة المسلحة والقوات الخاصة بحراسة المدارس اليهودية وكذلك وكالات الأنباء في شمال أوروبا، كما رفع الاتحاد الأوروبي حالة إنذار الإرهاب إلى "الأصفر" - ثالث أعلى مستوى.

العنف في باريس - هوجم سوق لطعام الكوشير بعد يوم من الهجوم على شارلي إيبدو - تبعه، بعدها بأسبوع، غارة للشرطة في بلجيكا أسفرت عن مقتل اثنين من المسلحين المشتبه بهم. وأثارت المخاوف من المزيد من الهجمات مناقشات عبر القارة حول التوازن الصحيح بين الأمن والحريات المدنية. الأحزاب ذات الميول اليسارية ودعاة الحقوق المدنية يحذرون، مع ذلك، من الإفراط في رد الفعل. ويؤكدون أن القوانين الحالية كافية في معظمها، وأن وكالات تطبيق القانون لا تحتاج قوى جديدة كبيرة، فقط التمويل الكافي وسبل أفضل لتبادل المعلومات. فرنسا، على سبيل المثال، لديها بالفعل العديد من قوانين مكافحة الإرهاب تدعو لها المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، وآخرون في جميع أنحاء أوروبا - ولكن من الواضح أن القوانين الفرنسية لم تمنع الهجمات في باريس.

ودعت ميركل الاتحاد الأوروبي لتسريع إقرار قانون جديد من شأنه أن يأذن بجمع وتخزين كميات هائلة من البيانات الشخصية، على الرغم من أنها لم تعط تفاصيل خطتها. في الربيع الماضي، قضت محكمة العدل الأوروبية أن تعليمات الاحتفاظ بالبيانات، التي اتفق عليها في عام 2006، كانت غير صالح لأنها تدعم "مراقبة الجمهور بدون اشتباه" وهو ما اعتبرته المحكمة غير مقبول وينتهك الحقوق الأساسية. كانت التعليمات تطلب من جميع دول الاتحاد الأوروبي اعتماد تشريع وطني يلزم شركات الاتصالات بتخزين البيانات الخاصة لمواطني الاتحاد الأوروبي لمدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن 24 شهرًا. يمكن للشرطة والأجهزة الأمنية أن تطلب الحصول على عناوين بروتوكول الإنترنت، فضلًا عن الوقت الذي تم فيه إرسال كل رسالة بريد إلكتروني أو مكالمة هاتفية أو رسالة نصية أو استقبالهم؛ كانت موافقة المحكمة مطلوبة حتى يمكن لسلطات تطبيق القانون الوصول إلى البيانات. اعتقد العديد من المراقبين أن حكم المحكمة قد وضع حدًا لأي نوع من قوانين الاحتفاظ بالبيانات في الاتحاد الأوروبي - حتى هجومتشارلي إيبدو.

التعليمات المرفوضة، التي اعتمدت في كثير من دول الاتحاد الأوروبي، لا تزال قائمة في فرنسا اليوم، مما يثير السؤال حول كيف - أو ما إذا - كانت ستساعد مثل هذه القوانين على منع الأعمال الإرهابية. فرنسا لديها بعضًا من أشرس المراسيم المضادة للإرهاب في أوروبا، ولكن هذا لم يحبط اعتداءات باريس. وقد ابطلت النسخة الألمانية من تعليمات الاتحاد الأوروبي، لكونها غير دستورية، من قِبل محكمة ألمانية في عام 2010، أي قبل حكم الاتحاد الأوروبي في الربيع الماضي. كما تم شطب قانون البيانات النمساوي من الكتب، وتواجه النسخة الهولندية تحديًا قانونيًا بدأته منظمات الحقوق المدنية.

ميركل تواجه معارضة من داخل حكومتها، والتي تتكون من ائتلاف من الأحزاب السياسية. وزير العدل، هيكو ماس، وهو عضو في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، يرفض رفضًا قاطعًا إعادة إدخال قانون جديد للبيانات. قال: "هذا النوع من الاحتفاظ بالبيانات ينتهك الحقوق الأساسية. لقد أوضحت محكمة العدل الأوروبية ذلك".

وفي الوقت نفسه، فماس ومعظم الساسة الألمان يدفعون لتشديد قوانين أخرى لمكافحة الإرهاب. يقول ماس إن وزارته تنظر في تدابير جديدة لحظر تمويل الجماعات الإرهابية ومنع الناس من السفر إلى الخارج للتدريب والقتال في القوى الإسلامية الراديكالية. معظم الدول الأوروبية تدرس فرض حظر على السفر. أصدرت الأمم المتحدة العام الماضي قرار 2178 - لتقييد التدفق الدولي للمقاتلين من وإلى مناطق النزاع، الذي حث الأمين العام، بان كي مون، جميع الموقعين من الأمم المتحدة على اعتماده. فرنسا لديها بالفعل مثل هذا الحظر.

تدعم المفوضية الأوروبية التحركات من قِبل الدول الأعضاء فيها للاستيلاء على جوازات سفر الأشخاص المشتبه لسفرهم للخارج للقتال مع المسلحين الإسلاميين، أو نيتهم للقيام بذلك. أصدرت فرنسا مثل هذا القانون، في نوفمبر، ودخل حيز التنفيذ الأسبوع الماضي. اللجنة، أو الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي، تناقش اتخاذ المزيد من الاجراءات هذا الأسبوع، بما في ذلك ضوابط أقسى على الحدود، وتبادل أفضل للاستخبارات، والوصول إلى سجلات ركاب الرحلات، وحتى إنشاء وكالة أمن للاتحاد الأوروبي. مشاركة سجلات السفر الجوي، والمعروفة باسم سجلات أسماء الراكب، هو محل خلاف ساخن بين أعضاء البرلمان الأوروبي الذي حجبه منذ 2013؛ إذا سُن هذ الإجراء، فإنه قد يؤدي إلى حفظ البيانات الشخصية للملايين من المسافرين المنتمين للاتحاد الأوروبي لسنوات.

تقديرات تهديد المتطرفين الإسلاميين في أوروبا تتباين بشكل واسع. تقدر يوروبول، وكالة تطبيق القانون في الاتحاد الأوروبي، أن ما بين 3000 و 5000 من الرعايا الأوروبيين يشكلون تهديدًا للأمن، ومعظم هؤلاء من الشباب الذين قاتلوا جنبًا إلى جنب مع المقاتلين الإسلاميين في سوريا والعراق. في ألمانيا، وتقدّر أجهزة الاستخبارات أن جوالي 260 مواطنًا لديهم إمكانات التحول إلى "الإرهاب الإسلامي". وفقًا لمعهد بروكينجز، هناك ما لا يقل عن 920 مقاتل أجنبي يعيشون في فرنسا، أكثرهم من ذوي الخبرة في ساحة المعركة في سوريا والعراق. يُعتقد أن بلجيكا وبريطانيا لدى كل منها على الأقل عدة مئات من المقاتلين السابقين، مع أعداد منتشرة في أماكن أخرى في الاتحاد الأوروبي، من كوسوفو إلى فنلندا.

حاليًا، وكالة الاستخبارات الوحيدة العابرة للحدود الوطنية في أوروبا هي مركز تحليل الاستخبارات للاتحاد الأوروبي، والتي لديها عددًا قليلًا من الصلاحيات وتقريبًا بلا شبكة حقيقية لجمع المعلومات الاستخباراتية؛ الحكومات الوطنية، وخاصة في أكبر الدول في أوروبا، تتردد للغاية في التخلي عن أو تجميع أنشطتهم. لكن دول مثل إيطاليا أيّدت وكالة المخابرات المشتركة لسنوات، ولأسباب سليمة. وكالة عابرة للحدود الوطنية قد تكون في وضع أفضل لمواجهة التهديدات العابرة للحدود مثل الجماعات الإسلامية المتطرفة، مع تعزيز التعاون في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، الذي يوافق الجميع تقريبًا أنه ناقص.

تحسين التعاون والتنسيق، على سبيل المثال، قد يغني عن الحاجة إلى هذا النوع من الرقابة الجديدة على الحدود التي تفكر فيها مدريد وباريس وبرلين. لقد دعوا لإعادة بعض الرقابة على الحدود الداخلية في الاتحاد الأوروبي، وهو الطلب الذي سيؤثر على الأرجح على البلدان الأكثر فقرًا في الاتحاد الأوروبي والتي هي قريبة من المناطق المتقلبة وغير المستقرة مثل أوروبا الشرقية والبلقان والشرق الأوسط. السفر بدون جواز سفر عبر الاتحاد الأوروبي هو واحد من أعظم وأشهر إنجازات الاتحاد.

تلتمس الأجهزة الأمنية في أوروبا أيضًا سلطات جديدة لمراقبة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. قال مدير الإنتربول، رون ينرايت، لبي بي سي إن "فجوة أمنية" تواجه قوات الشرطة في أوروبا في تتبع المتطرفين على شبكة الإنترنت. وقال إن الإرهابيين المحتملين كانوا "بشكل حقيقي بعيدين عن متناول" وكالات تطبيق القانون. وقال "الحقيقة هي أن السلطات الأمنية اليوم ليس لديها القدرة اللازمة لتوفير الحماية الكاملة للمجتمع من هذا النوع من التهديدات".

وفي هذا السياق، دعا رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، إلى قوانين جديدة توقف شركات التكنولوجيا من حماية بيانات مستخدميها بتقنيات التشفير. وانتُقدت تصريحات كاميرون بشدة من قِبل خبراء الأمن وكذلك مراقب البيانات البريطاني، كريستوفر جراهام، الذي حذّر من "رد فعل غير محسوب" من شأنه أن يقوّض أمن المستهلك. في ألمانيا، يقول حزب الخضر المعارض إن المزيد من التمويل، بدلًا من قوانين جديدة، من شأنه أن يمكن قوات الشرطة من القيام بوظائفها بشكل أفضل، مثل رصد المتطرفين. البلاغات والمعلومات الاستخباراتية حول الأعمال الإرهابية المحتملة يجب متابعتها، قال البرلماني الأخضر أنطون هوفريتر.

"قد يدار هذا بشكل أفضل مع وجود شرطة مجهزة تجهيزًا جيدًا ولديها ما يكفي من المال والموظفين"، قال مضيفًا أنه من المشروع تمامًا وضع مراقبة على أناس مثل هؤلاء الذين نفذوا الهجمات بباريس. وقال: "مراقبة جميع السكان لن تساعد في شيء".

ولكن هذا، يقول الخضر والنقاد الآخرين، هو مجرد غيض من فيض. المشكلة الأكبر من ذلك بكثير هي الوصول إلى الأسباب الجذرية لنمو وتشدد التطرف الإسلامي في أنحاء شمال أوروبا. نمى خطاب أكثر قسوة، في أوروبا، حول الإسلام في السنوات الأخيرة، مع كسب الأطراف الكارهة للإسلام علنًا للمزيد من الأصوات والمقاعد في المجالس التشريعية الوطنية وفي الاتحاد الأوروبي. وعلاوة على ذلك، فهذا النوع من الاغتراب والحرمان الذي يدفع الشباب إلى أيدي المتشددين الإسلاميين يمكن تصحيحه فقط من خلال تكريس المزيد من الموارد لمساعدة مجتمعاتهم.

على سبيل المثال، دعا المعلق هربرت برانتل، كاتبًا في "زود دويتشه تسايتونج"، لحوار جديد مع الجاليات المسلمة في أوروبا. كتب قائلًا: "عقوبات أكثر صرامة وطرد وسحب للجنسية: لا شيء من هذا سيساعد في إعاقة تطرف الجهاديين الألمان الشباب. من أجل مكافحة فعالة ضد الاضطرابات الإسلامية، ألمانيا تحتاج إلى المسلمين كشريك. الإسلام ليس هو المشكلة، ولكنه جزء من الحل".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب