تحديث الترسانات النووية: الخيار والكيفية

مقال رأي

من المتوقع أن تنفق الولايات المتحدة 355 مليار دولار لتحديث ترسانتها النووية خلال الفترة ما بين 2014 و 2023. ومن المتصّور أن يتم إنفاق مبالغ أكبر في العقود اللاحقة. لكن واشنطن ليست وحدها فيما يتعلق بتحديث أسلحتها النووية. فوفقا لباحثين في اتحاد العلماء الأمريكيين، فإن "جميع الدول المسلحة نوويا لديها برامج طموحة لتحديث أسلحتها النووية ... والتي يبدو أنها تهدف إلى إطالة العصر النووي لأجل غير مسمى". وبينما يؤمن دعاة نزع السلاح بأن هذا التحديث يتعارض أساسا مع الهدف الرامي إلى القضاء على الأسلحة النووية— تجادل الدول الحائزة للأسلحة النووية بأنه ما دامت توجد أسلحة نووية، فلا بد من تحديث هذه الترسانات من أجل الحفاظ على سلامتها وأمنها وفعاليتها. إذاً كيف ينبغي أن تتصرف الدول المسلحة نوويا إزاء صيانة وتحديث ترساناتها، في عالم أصبح فيه نزع السلاح الكامل هو الهدف المعلن لكل الدول تقريبا بينما لا يبدو تحقيق نزع السلاح وشيكا على الإطلاق؟

التحديث و"الصفر": نزعتان متوافقتان؟

 

غالبا ما أعلنت معظم الدول الحائزة للأسلحة النووية، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا، التزامها بالتخلص من الأسلحة النووية. غير أن أي دولة نووية لن تكون مستعدة للتخلي عن قدراتها النووية ما لم تقم جميع الدول الأخرى بالمثل. لذا، فمن المرجح أن تظل الأسلحة النووية في الترسانات العسكرية لفترة طويلة وسيستمر تحديث الأسلحة النووية. لكن حتى لو تقبل المرء تحديث الترسانات النووية كأمر حتمي، فهل يمكن إدارتها بطريقة لا تخلق عقبات أمام تخفيض الأسلحة النووية واستكمال نزع السلاح على المدى الطويل؟

يظهر تاريخ مفاوضات الحد من التسلح بين روسيا والولايات المتحدة العديد من الأمثلة على التحديث النووي الذي لم يخلق أية عقبات أمام التخفيضات— وأنه في الواقع كانت هناك ظروف للقيام بالتخفيضات. على وجه الخصوص، قد كانت موافقة مجلس الشيوخ الامريكي على معاهدة ستارت الجديدة في عام 2010 مشروطة بتسريع التمويل لتحديث مجمع الأسلحة النووية الأمريكية وضمانتحديث منظومات إيصالها. إن المنطق في مثل هذا التقدير واضح تماما: يجب ألا ينتج عن تخفيضات الترسانات أي مظهر ضعف في الأمن. إذا تم تخفيض القوات النووية من الناحية العددية، فسوف تبرز الحاجة إلى تعزيز كفاءة واستمرارية القوات المتبقية.
 
على أي حال، يظهر التاريخ أن الدول المسلحة نوويا تقوم باستمرار بتحديث أسلحتها النووية. لكن العوامل المحفزة على التحديث والأهمية النسبية لهذه العوامل قد تختلف. في العلاقة الروسية-الأمريكية، كان الدافع وراء التحديث أربعة عوامل: أولا، ظهور تقنيات جديدة تجعل الأسلحة النووية أكثر كفاءة وتتيح الاحتفاظ بها بطرق أكثر أمنا وأمانا. ثانيا، تطوير العدو لتقنيات معرقلة مثل الدفاعات الجوية والصاروخية والأسلحة المضادة للغواصات والأسلحة الهجومية بعيدة المدى عالية الدقة؛ ثالثا، الرغبة في توسيع القدرات الوظيفية لمنظومات إيصال الأسلحة المصممة في الأساس وحصريا للمهام النووية. رابعا، محدودية مدة خدمة الأنظمة الحالية.

إن العاملين الأوليين هيئا ظروف سباق التسلح خلال الحرب الباردة— أي ظهور تقنيات جديدة والتي جعلت الأسلحة النووية أكثر كفاءة، وخصوصا، تطوير تقنيات معرقلة. كانت الصواريخ البالستية وصواريخ كروز وكذلك القاذفات الثقيلة الأسرع من الصوت استجابة لتطوير الدفاعات الجوية، في حين كانت الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية والصواريخ عابرة القارات التي تطلق من الغواصات استجابة لتطوير الأسلحة المضادة للغواصات. وكان مدى تأثير الدفاع الصاروخي الباليستي خلال الحرب الباردة موضع شك إلى حد ما— فقد كانت فعالية تقنيات الدفاع الصاروخي الباليستي محدودة للغاية في تلك الفترة. ومع ذلك، لا يمكن للمرء استبعاد احتمال أن تكون معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية قد أدت وظيفة هامة عن طريق الحد من هذه التقنيات. ومن يدري كيف كان تطور الأسلحة الاستراتيجية سيكون مختلفا إذا كان الطرفان قد اتفقا على الحد من التقنيات المدمرة مثل الدفاعات الجوية والمعدات الحربية المضادة للغواصات؟ الشيئ المؤكد هو أن التحديث النوعي للأسلحة النووية سار بنحو سريع خلال الحرب الباردة بحيث ظهرت نظم جديدة قبل نفاذ مدة خدمة النظم القديمة بفترة طويلة.

أحدثت نهاية الحرب الباردة تغييرات في ميزان العوامل المؤثرة على قرارات التحديث. وعلى الرغم من استمرار بعض البرامج الاستراتيجية للولايات المتحدة في بداية التسعينيات بسبب حالة الجمود (على سبيل المثال، تراكم أعداد غواصات الصواريخ البالستية الجديدة التي تعمل بالطاقة النووية)، تم التوصل إلى إدراك عام في الولايات المتحدة بأن الترسانة النووية للبلاد كانت كبيرة للغاية وفقدت الكثير من قيمتها في البيئة الجيوسياسية الجديدة. وبالتالي فإن عامل التحفيز الأساسي لتحديث ترسانة الولايات المتحدة أصبح متمثلا في الرغبة في جعل منظومات الإيصال الاستراتيجية أكثر "قابلية للاستعمال". وقد بدأت الجهود بتزويد القاذفات الثقيلة بالأسلحة التقليدية عالية الدقة وتحويلها للقيام بأدوار غير نووية. كذلك تم تزويد صواريخ كروز بعيدة المدى التي تطلق من الجو والبحر برؤوس حربية تقليدية. ثمة تطور آخر في هذا السياق وهو ظهور برنامج الضربة العالمية الفورية الذي بدأ كخطة لاستبدال الرؤوس النووية في الصواريخ البالستية برؤوس حربية تقليدية.
 قامت الولايات المتحدة بتحديث منظومات إيصال الأسلحة بشكل مستمر على مدى عقدين. لكن منظومات الإيصال هذه تقترب من نهاية مدة خدمتها الأصلية، إضافة إلى محدودية إمكانياتها لقبول مزيد من التحديث. من ناحية أخرى، تحفز الآن التقدمات التقنية المتوالية الولايات المتحدة لبناء جيل جديد من منظومات إيصال الأسلحة.

أما في روسيا، فقد عانت برامج التحديث، على مدى عقدين تقريبا، من نقص التمويل بشكل دائم. وقد تم تمديد فترات خدمة الصواريخ الموروثة عن الاتحاد السوفيتي من ضعفىّ المدة إلى ثلاثة أضعاف. بالتأكيد، يمكن التعليل بداية باستحالة تمديد فترات خدمة الأسلحة الحالية لأجل غير مسمى فيما يتعلق ببرامج روسيا الطموحة لنشر منظومات إيصال جديدة— والتي سوف تستأثر بنصيب الأسد من خطة أوسع لإعادة التسليح والتي سوف تتكلف 20 تريليون روبل خلال الفترة الممتدة لعام 2020. لكن ثمة عامل آخر قد لعب دورا في قرار روسيا المتعلق بتطوير منظومات إيصال جديدة. على وجه التحديد، شكّل التهديد النابع من نشر الولايات المتحدة لصواريخ باليستية في أوروبا، إضافة إلى تطوير الولايات المتحدة لأسلحة تقليدية استراتيجية، حججا قوية لصالح تطوير منظومات جديدة من الصواريخ الثقيلة والمتنقلة على السكك الحديدية. (ومع ذلك، فإنه من غير الواضح كيف سيتم تطوير هذه البرامج مع تدهور الوضع الاقتصادي لروسيا)

تصورات متباينة. كان القيام بإجراء التخفيضات النووية ممكنا في كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (وفيما بعد روسيا)، في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات لأن كلا الجانبين أدركا أن ترساناتهما المتراكمة كانتا كبيرة بشكل هائل وأن سباق التسلح كان لا معنى له. ومنذ ذلك الحين، خُفضت ترسانات كلا الجانبين تدريجيا. ومن غير المرجح أن تعكس برامج التحديث هذا الاتجاه، على الرغم من تدهور العلاقات الأمريكية-الروسية على مدى السنوات القليلة الماضية. لكن الدولتين لم تعدا تريان حوافز مماثلة للقيام بمزيد من التخفيضات.

مازال يعتقد كثير من الأناس، في الولايات المتحدة، بأن الترسانة الأمريكية كبيرة للغاية. على سبيل المثال، أعلن الرئيس أوباما في خطاب ألقاه في برلين عام  2013 أنه "سيسعى إلى تخفيضات يمكن التفاوض بشأنها مع روسيا من أجل تجاوز المواقف النووية التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة". ويبدو أن هذا الاقتراح له هدف واقعي قوي— وهو تقليل تكلفة التحديث في المستقبل عن طريق تخفيض القوات الزائدة. ومع ذلك، فإن عددا من الاتجاهات الحالية في روسيا لا تشجع على تبني وجهات نظر مماثلة. على وجه الخصوص، العديد من الروس ينظرون إلى تطوير الولايات المتحدة غير المقيّد للدفاع الصاروخي البالستي والذخائر الموجهة بدقة على أنها تهديدات جديدة تتطلباستجابة. وغالبا ما تتأثر هذه التصورات بالعواطف كثيرا. ومع ذلك، فإن موارد روسيا الصناعية والمالية محدودة. وليس لدى موسكو القدرة على التأثير على التطوير النوعي لأسلحة الولايات المتحدة. في مثل هذه الحالة، المزيد من التطوير الأمريكي للدفاع الصاروخي وللذخائر الموجهة بدقة يجعل روسيا أقل اهتماما لمتابعة عملية المفاوضات الثنائية وأكثر ميلا للحد من الشفافية بشأن ترسانتها النووية.

سيكون لبرامج التحديث الأمريكية تأثير سلبي طفيف على العلاقات الثنائية، وذلك في أفضل السيناريوهات المتوقعة للمضي قدما. أما في أسوأ الحالات، سوف تصبح برامج التحديث مصدر إزعاج إضافي في علاقة معقدة بالفعل. لكن من غير المرجح أن تبدأ المفاوضات الثنائية بشأن مزيد من التخفيضات ما لم تتحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا بشكل جذري.

حتى عندما يتم استيفاء الشروط المسبقة لإجراء مزيد من الحوار بشأن خفض الأسلحة النووية، سيظل الدفاع الصاروخي الباليستي والأسلحة الاستراتيجية التقليدية يشكلان عقبات جوهرية. وبالتالي فإنه من المهم أن تحدّ الولايات المتحدة من تطوير مثل هذه الأسلحة— أو تقوم بتوجيه تطويرها بطريقة تزيل الأسباب التي تدعو الدول الأخرى للقلق من بقاء ترسانات نووية صغيرة ناجمة عن تخفيضات الأسلحة المتفق عليها.

لمَ يعد التحديث النووي الأمريكي ضروريا

 

لقد كان حلم طفولتي أن أصبح نجما في الرابطة الوطنية لكرة السلة. لكن طولي يبلغ ستة أقدام وبوصة واحدة فقط، وأنا في أواخر العقد الثالث من العمر، ولم ألعب مباريات كرة سلة تنافسية منذ أكثر من 15 عاما. إن فرصي في اللعب على المستوى المهني هي صفر بالأساس. قد يجادل البعض بأنه إذا كان عندي بقية أمل في تحقيق رغبة فترة الصبا، فيجب أن أقضي أيامي في التدرب على سباقات الجري السريع وممارسة الرميات الحرة. لكن هذا المسار سوف يرفع فرصي من لا شيء إلى نسب ضئيلة للغاية، وبالتأكيد سيصرفني عن واجباتي كأستاذ وباحث ومحلل. وفي النهاية، فالأمر ببساطة لا يستحق تدمير الحياة التي أملكها من أجل مطاردة الوهم.

يمكننا قول الشيء نفسه إزاء خيارات الولايات المتحدة المتعلقة بوضعها النووي. ستقوم الولايات المتحدة خلال العقد المقبل وما بعده، بتحديث ضروري لقدراتها النووية المتقادمة، حيث تتمتع هذه الخطط بدعم قوي من كلا الحزبين. إلا أن بعض النقاد يجادلون بأن مشروع التحديث يتعارض مع أهداف نزع السلاح المعلنة، بما في ذلك رؤية الرئيس أوباما بشأن تحقيق "عالم خالٍ من الأسلحة النووية".

لكن الحقيقة هى أن العالم يتسم بمنافسة أمنية شديدة وصراع مباشر أحيانا. وبالرغم من أن بعض المراقبين كان يأمل أن نهاية الحرب الباردة ستضع نهاية لتاريخ (الصراعات)، عاد الخلاف السياسي بين القوى العظمى في السنوات الأخيرة. إذ تقوم روسيا باستخدام القوة لإعادة رسم خريطة أوروبا. بينما تتمسك الصين بمطالبها الإقليمية المعدّلة في شرق آسيا. وقد سمحت الهيمنة العسكرية التقليدية للولايات المتحدة، خلال العقدين الماضيين، بالتقليل من أهمية أسلحتها النووية، لكن ميزة هذه الهيمنة الأمريكية التقليدية بدأت تتآكل وذلك بسبب قيام روسيا والصين، بصفة خاصة، بتطوير قدراتهما العسكرية غير النووية. علاوة على ذلك، لا تزال الأسلحة النووية هى الأداة النهائية للقوة العسكرية— ويقوم الخصوم المحتملين لواشنطن، بما في ذلك روسيا والصين وكوريا الشمالية، بتحديث ترساناتهم النووية بقصد استخدام تلك الأسلحة في حالة نشوب نزاع مع الولايات المتحدة.

هذا هو الواقع. ومع ذلك، يجادل البعض بأن تحقيق الأمل المرجو المتعلق بالنزع الكامل للسلاح النووي يتطلب أن تقوم الولايات المتحدة بتخيفض ترسانتها والامتناع عن تحديث قواتها. لكن الدول الأخرى لن تحذو حذو واشنطن بشكل أعمى. في السنوات الأخيرة، بينما قامت الولايات المتحدة بتخفيض حجم ترسانتها، سارت دول أخرى في الاتجاه المعاكس وقامت بتطوير قواتها النووية. قد يكون النزع الكامل للسلاح النووي أمرا مرغوبا فيه، لكن تحقيق ذلك يتطلب تحولا كبيرا في النظام السياسي الدولي. وبالتالي فإن مجرد ترك ترسانة الولايات المتحدة للصدأ لن يؤثر بصورة واضحة على فرص القضاء على الأسلحة النووية في جميع أنحاء العالم.

إن إهمال التحديث لن يسهم في نزع السلاح— بل سيكون تصرفا مستهترا. إذا أصبحت القوة النووية الامريكية ضعيفة، فسوف يشجع ذلك الأعداء ويخيف الحلفاء ويخلق حالة من عدم الاستقرار الدولي ويضعف الأمن القومي الأمريكي. وبعبارة أخرى، سوف يهدد ذلك بتدمير العالم الموجود حاليا.

لذلك، وبدلا من التحضير لواقع بديل، تحتاج واشنطن لبناء قواتها النووية التي تحتاجها في هذا الواقع. يجب على الولايات المتحدة الحفاظ على وضع نووي قوي وتحديث قواتها النووية بشكل كامل، على النحو المخطط له. وهذا يعني رفع مستوى جميع الركائز الثلاثة للثالوث النووي وتجديد الرؤوس الحربية النووية وتحديث مجمع الإنتاج، وإذا لزم الأمر، استدعاء الإرادة السياسية لبناء قدرات جديدة لتلبية الاحتياجات الجديدة. وكما قال وزير الدفاع تشاك هاجل في نوفمبر: "رادعنا النووي يلعب دورا حاسما في ضمان الأمن القومي الأمريكي، وهو المهمة الأولوية [لوزارة الدفاع]. فليس لدينا قدرة أخرى أكثر أهمية".

وقد يجادل البعض بأن التحديث في الولايات المتحدة سيثير ردود فعل في الدول الأخرى، مما يساهم في سباق جديد للتسلح— لكن خطط التحديث، كما أشرت أعلاه، تسير على قدم وساق في بقية دول العالم بغض النظر عن أي قرارات يتم اتخاذها في واشنطن. يستشهد النقاد أيضا بالتكلفة على أنها أحد العوائق، لكن التحديثات النووية، على أعلى تقدير، تمثل حوالي 5 في المئة فقط من ميزانية الدفاع. وبالتالي، توفر الأسلحة النووية رادعا استراتيجيا بسعر معقول. أو كما قال وزير الدفاع الجديد أشتون كارتر في عام 2013، "الأسلحة النووية لا تُكلف في الواقع الكثير".

وخلاصة القول، ليس هناك سبب وجيه يدعو الولايات المتحدة لعدم متابعة تحديث قواتها النووية كما هو مخطط لها. ربما سيأتي علينا يوم نتفاجأ فيه على نحو سار بتحقيق أحلامنا. لكن حتى ذلك الحين، يجب علينا القيام بمسؤولياتنا.

تحقيق التوازن بين التحديث ونزع السلاح

 

يشاهد المرء اتجاهين متنافسين سائدين في مجال الحد من الأسلحة النووية ونزع السلاح: طموح في جهات عديدة للقضاء على الأسلحة النووية ورغبة فعلية بين الدول الحائزة للأسلحة النووية لتحديث ترساناتها. إذن ما نوع التوازن الذي يمكن تحقيقه بين هذه القوى؟

تشعر القوى النووية بالحاجة إلى تحديث ترساناتها لثلاثة أسباب رئيسية. أولا، إنها لا تزال تعتبر الأسلحة النووية ضرورية في ظل البيئة الأمنية الدولية الحالية، وذلك لغرض الردع في الأساس. ثانيا، لا تزال الأسلحة النووية تلعب دورا هاما جدا في الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي العالمي. ثالثا، طالما وجدت الترسانات النووية، فالتحديث أمر ضروري من أجل الحفاظ على سلامة الأسلحة وفعاليتها.

في الوقت نفسه، يجادل دعاة نزع السلاح بأنه يجب حظر الأسلحة النووية وتدمير الترسانات النووية بسبب العواقب الكارثية التي ستحل بالجنس البشري إذا تم استخدام هذه الأسلحة. وتقر الدول الحائزة للأسلحة النووية بأنفسها بأنه يجب القضاء على الأسلحة النووية في نهاية المطاف، حتى مع تأكيدها على ضرورة تحديث ترساناتها. على سبيل المثال، أطلقت إدارة أوباما في عام 2009 مبادرة قوية نحو تحقيق عالم خال من الأسلحة النووية.

 لكن الاستثمار الأمريكي الهائل الحالي في التحديث النووي يبدو متعارضا مع هدف نزع السلاح النووي. فمن المتوقع أن تنفق الولايات المتحدة 355 مليار دولار على تحديث ترسانتها خلال الفترة بين أعوام 2014 و 2023. وسيتم تعويض التخفيضات المتصورة في الرؤوس الحربية الأمريكية بموجب المعاهدة الجديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت الجديدة) من خلال إدخال تحسينات نوعية على ترسانة الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تشكل الضربة العالمية الفورية وبرامج الدفاع ضد الصواريخ البالستية التي تقوم بها واشنطن تحديات جديدة للاستقرار الاستراتيجي. 
  
تشعر الصين أيضا بالحاجة إلى تحديث قواتها النووية— من أجل تعزيز بقاء حد أدنى معقول من الردع النووي والحفاظ عليه. وهذه هي الأهداف الوحيدة للصين فيما يتعلق بتحديث أسلحتها النووية. إن الصين هي الدولة الوحيدة، من بين الدول الحائزة للأسلحة النووية الخمس المعترف بها، التي التزمت بسياسة عدم الاستخدام الأول دون شروط. وقد وضعت هذه السياسة بشكل مستمر قيودا على تطوير القوة النووية الصينية (والتي لم تمثل مطلقا، وبأي حال، أولوية لبكين في مسيرة تحديثها العسكري). إن الصين تدعو باستمرار لعالم خال من الأسلحة النووية. ولم تشارك قط في سباق التسلح النووي. كما لم تنشر قط أسلحة نووية في أراضي أي دولة أخرى.

وللأسف، فإن معظم الدول المسلحة نوويا— بما في ذلك الولايات المتحدة— لا تزال تعطي الأسلحة النووية دورا هاما جدا في استراتيجياتها لحماية الأمن. فقد قررت واشنطن، في أحدث تقرير لمراجعة وضعها النووي، ألا تنيط بعض المهام الهامشية أو غير الواقعية للأسلحة النووية، لكنها لم تقم بإجراء أية تغييرات جوهرية على دور الأسلحة النووية الأمريكية أو استراتيجية الحرب نووية. وطالما أن الأسلحة النووية تلعب مثل هذا الدور الحاسم في استراتيجية الولايات المتحدة، وطالما أن الولايات المتحدة تحتفظ برغبتها في الأمن المطلق، فلن تقوم واشنطن بتقليل ترسانتها النووية إلى مستويات منخفضة نسبيا أو بإجراء تغييرات جذرية لبرنامجها الحالي للتحديث. وينطبق الأمر نفسه تقريبا على روسيا.

لذلك، فإن الدول المسلحة نوويا تعتبر التحديث أمرا لا غنى عنه، لكن تحقيق مزيد من التقدم في نزع السلاح يبدو مستحيلا طالما استمرت برامج التحديث على نحو سريع. إذن ما هو السبيل للخروج من هذا المأزق؟ يكمن الحل في تعديل الاستراتيجيات الوطنية بحيث يكون هناك تركيز أقل على دور الأسلحة النووية— وذلك لأن الاستراتيجيات النووية الوطنية تحدد اتجاه البرامج النووية. 
  
إذا قامت الولايات المتحدة وروسيا بتغيير استراتيجياتهما النووية بشكل ملحوظ، فسيصبح من الممكن إجراء مزيد من التخفيضات الكبيرة في ترساناتهما. وإذا تم تخفض ترسانتي الدولتين، سيتم تشجيع الدول الأخرى للنظر في الكيفية والوقت المناسب لمشاركتها في عمليات نزع السلاح متعددة الأطراف. لكن هذه العمليات متعددة الأطراف لن تكون مهمة سهلة— كما يتضح من تاريخ مفاوضات نزع السلاح بين الولايات المتحدة وروسيا، وحتى العمليات الثنائية هى أيضا صعبة للغاية. ومع ذلك، يمكن أن يمثل أي تقدم إضافي من جانب الولايات المتحدة وروسيا مصدر إلهام للدول الأخرى المسلحة نوويا.

لكن ثمة عقبة أخرى— فقدرات أنظمة الدفاع الصاروخي والضربة العالمية الفورية تشكل تهديدا خطيرا للاستقرار الاستراتيجي ونزع السلاح. لم تفرض معاهدة ستارت الجديدة أية قيود على تطوير الدفاع الصاروخي الباليستي أو على الأسلحة التقليدية المتقدمة، إذ يمكن أن تؤدي التطورات في أي من هاتين التقنيتين إلى سباق جديد للتسلح النووي. ونتيجة لذلك، هناك حاجة للتعقل فيما يتعلق بتطوير ونشر مثل هذه الأنظمة. (ستارت الجديدة، بالمناسبة، تتيح للولايات المتحدة قدرة "تحميل" نووية قوية. أى أن الولايات المتحدة تحتفظ بمساحة واسعة فيما يتعلق بالصواريخ المنتشرة تسمح لها بإعادة نشر رؤوس حربية بدلا من التي أخرجتها من الخدمة. (في المقابل، لا تملك روسيا سوى القليل من قدرات التحميل).

لا يبدو القضاء على الأسلحة النووية ممكنا في هذه المرحلة. كما أن تحديث الترسانات النووية سوف يمضي قدما بالتأكيد. لكن من الممكن— ومن المهم للغاية— تحقيق توازن بين التحديث ونزع السلاح. في إطار هذا النهج، سيتم تعديل الاستراتيجية النووية بحيث ينظر إلى الأسلحة النووية بأنها تمثل أهمية أقل في مجال الأمن الوطني. وبذلك سوف تختفي تدريجيا الأسباب الفعلية لامتلاك أسلحة نووية. وسوف يتم تشجيع جميع الدول المسلحة نوويا لخفض ترساناتها. لكن يجب على الولايات المتحدة وروسيا، القوتين النوويتين العظمتين، أخذ زمام المبادرة وبناء حالة من الثقة وأن تكونا مثالا يحتذى للدول الأخرى.

مصدر الترجمة: 
The Bulletin