تحوّل الموقف الأمريكي من الحرب الأهلية السورية

مقال رأي

الدعم الأمريكي لزوج من المبادرات الدبلوماسية في سوريا يؤكد وجهات النظر المتغيرة لكيفية إنهاء الحرب الأهلية هناك، وتراجع الغرب الهاديء عن مطالبة رئيس البلاد بشار الأسد بالتنحي فورًا.

تتمسك حكومة أوباما بأن حلًا سياسيًا دائمًا يتطلب خروج السيد الأسد. ولكن في مواجهة الجمود العسكري والجهاديين المسلحين تسليحًا جيدًا وأسوأ أزمة إنسانية في العالم، فالولايات المتحدة تتماشى مع الجهود الدبلوماسية الدولية التي يمكن أن تؤدي إلى تغيير تدريجي في سوريا.

ويأتي هذا التحول جنبًا إلى جنب مع الإجراءات الأمريكية الأخرى التي يتخذها أنصار الأسد ومعارضيه كدليل على أن واشنطن تعتقد الآن أنه إذا تم خلع السيد الأسد، فلن يكون هناك شيء ليوقف الفوضى والتطرف من الانتشار. تقصف الطائرات الأمريكية الآن المتشددين من مجموعة الدولة الإسلامية في سوريا، وتشارك السماء مع الطائرات السورية. المسؤولون الأميركيون يؤكدون للسيد الأسد، من خلال وسطاء عراقيين، أن الجيش السوري ليس هدفهم. الولايات المتحدة لا تزال تدرب وتجهز المتمردين السوريين، ولكن الآن في المقام الأول لمحاربة الدولة الإسلامية، وليس الحكومة.

الآن، رحبت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى علنًا ​​بالمبادرات - واحدة من الأمم المتحدة وواحدة من روسيا - لتأجيل أي إحياء لإطار جنيف المدعوم من الولايات المتحدة الذي دعى إلى نقل السلطة بالكامل إلى "جسد حكم انتقالي". فشلت محادثات جنيف الأخيرة قبل عام وسط خلاف عنيف حول ما إذا كان هذا الجسد قابلًا لأن يشمل الأسد.

أحد المفاهيم الجديدة هو اقتراح الأمم المتحدة بـ "تجميد" القتال على الأرض، بدء بمدينة التقاطع الاستراتيجي حلب. والأخرى هي مبادرة من روسيا، الداعم الأقوى للرئيس الأسد، في محاولة لتحفيز المحادثات بين الجانبين المتحاربين في موسكو في أواخر يناير. ويقول دبلوماسيون، وغيرهم ممن اطلعوا على الخطط، إن أحد الرؤى الروسية هي تقاسم السلطة بين حكومة السيد الأسد وبعض الشخصيات المعارضة، وربما انتخابات برلمانية تسبق أي تغيير في الرئاسة.

لكن المقترحات الدبلوماسية تواجه تحديات خطيرة، والاعتماد على زعيم دولة عاجزة تدعمها قوى أجنبية وتطوقه قوة متطرفة متنامية وفعالة تريد بناء الخلافة. العديد من حلفاء أمريكا في المعارضة السورية يرفضون هذه الخطط، وليس هناك إشارة تذكر أن السيد الأسد أو حلفائه الرئيسيين، روسيا وإيران، يشعرون بأي حاجة لتقديم التنازلات. الجيش السوري الحر المدعوم من قِبل أمريكا على وشك الهزيمة في شمال سوريا، الذي كان يومًا ما معقله، والمتمردون يختلفون فيما بينهم حول الاستراتيجية العسكرية والسياسية.

وربما الأهم من ذلك كله أن الدولة الإسلامية تسيطر على نصف الأراضي السورية، على الرغم أن معظمها صحراويّ، وتمكنت من تعزيز قبضتها حتى بينما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها الإطاحة بها في العراق المجاور.

ومع ذلك، أعلن وزير الخارجية، جون كيري، الأسبوع الماضي، أن الولايات المتحدة رحبت بكل من المبادرات. ولم يدل بأي دعوة لاستقالة السيد الأسد، وهو إغفال ملحوظ من السيد كيري، الذي عادة ما أصر على ذلك في التصريحات العلنية. بدلًا من ذلك، تحدث عن السيد الأسد كقائد في حاجة إلى تغيير سياساته.

"الوقت قد حان للرئيس الأسد، ونظام الأسد، لوضع شعبهم أولًا والتفكير في عواقب أفعالهم، والتي تجذب المزيد والمزيد من الإرهابيين إلى سوريا، أساسًا بسبب جهودهم لإزالة الأسد"، قال السيد كيري.
يوم الخميس في جنيف، أشار ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة للأزمة في سوريا، أيضًا لتحول تكتيكي، قائلًا أن "العوامل الجديدة" مثل نمو الدولة الإسلامية، تسمى أيضًا داعش، يجب أن تؤخذ في الحسبان. وقال إنه ليس هناك جدوى من محاولة تنظيم جولة ثالثة من محادثات جنيف قبل بناء دعم لا لبس فيه من كل من الحكومة السورية ومعارضيها لنوع من "العملية السياسية السورية".

البحث العاجل عن حل سياسي، قال السيد دي مستورا، يجب أن "يضع في اعتباره" ليس فقط إطار جنيف، "ولكن أيضًا الحاجة إلى ضبط الطموحات دون شروط مسبقة، وذلك تمشيًا مع العوامل الجديدة التي ظهرت في واقع المنطقة، مثل داعش".

تعكس التحولات وجهة نظر طويلة الأمد بين مسؤولي الأمم المتحدة في سوريا أن الغرب يجب أن يتكيف مع واقع أن المتمردين السوريين فشلوا في هزيمة الأسد. وقال السوريون على الجانبين كثيرًا في المقابلات إنهم يخشون من تنامي نفوذ المتشددين الأجانب، وبينما هم لا يثقون في جميع اللاعبين الدوليين الذين يمولون الأطراف المتحاربة، فهم على استعداد لاستكشاف حل وسط مع السوريين الآخرين.

الدبلوماسيون الغربيون الذين دعوا طويلًا لاستقالة السيد الأسد الفورية يقولون الآن إنه في حين يجب ألا يسيطر لأجل غير مسمى على المؤسسات الحيوية مثل الجيش، فالمزيد من التحول التدريجي قد يستحق النظر فيه.

وقال دبلوماسي غربي في الأمم المتحدة إنه في حين أن "مرحلة ما بعد الأسد" يجب أن تأتي في نهاية المطاف، "فالتوقيت الدقيق لذلك، يمكننا أن نتناقش فيه"، طالما الحل لا "يرسخ موقعه في السلطة".

قادة الغرب الآن يتحدثون بصراحة عن اتفاق يسمح لبعض المسؤولين الحاليين بالبقاء لمنع سوريا من التفكك، مثل العراق وليبيا.

"بالطبع سيشمل الحل السياسي بعض عناصر النظام لأننا لا نريد أن نرى أركان الدولة تنهار. سنكون في نهاية المطاف في موقف مثل العراق"، قال وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، لمحطة إذاعة فرنسية يوم الأثنين الماضي.

في الوقت نفسه، زادت مثل هذه التصريحات من نفور واشنطن من مكافحي الأسد السوريين العاديين والمتمردين القاعديين، مما يعزز فكرة أن الغرب قد قرر التسامح مع الأسد.

الرأي القائل بأن الولايات المتحدة تدعم الرئيس الأسد ينتشر حتى بين الجماعات التي تتلقى التمويل الأمريكي المباشر، الجماعات التي تعتبر معتدلة بما يكفي لتلقي السلاح والتي تعمل مع مركز عمليات تديره الولايات المتحدة في تركيا. قال مقاتل مع حركة حزم، واحدة من هذه المجموعات، يوم الأربعاء إن أميركا كانت "تبحث عن الثغرات من أجل التوصل إلى حل سياسي والحفاظ على الأسد".

طارق فارس، المنشق السوري العلماني عن الجيش والذي قاتل طويلًا مع الجماعات القومية الفضفاضة المعروفة باسم الجيش السوري الحر ولكنه استقال مؤخرًا من القتال، مزح بمرارة حول السياسة الأمريكية في أحد الليالي الأخيرة في أنطاكية، تركيا: "هكذا يتحدث الأمريكيون"، قال فارس. "يقولون، "لدينا خط أحمر، ونحن سوف ندعمكم، وسنسلحكم". لا يفعلون شيئًا، ثم بعد أربع سنوات يقولون لنا إن الأسد هو الخيار الأفضل".

يحاول اقتراح الأمم المتحدة بالتجميد تحسين الجهود المبذولة على مدى الـ 18 شهرًا الماضية داخل سوريا، حيث وصلت الحكومة والمتمردين إلى صفقات وقف إطلاق نار محلية لاستعادة الخدمات الأساسية وتوصيل المساعدات - كان آخرها يوم الخميس في حي واعر مدينة بحمص.

ولكن توقيفات إطلاق النار تلك لم يكن لديها حرص الهيئات الدولية، وكثيرًا ما كانت تنهار. مع بعض الاستثناءات القليلة التي وصلت إلى استسلام المتمردين لاستراتيجية الحكومة من الحصار والتجويع.

وقالت جولييت توما، المتحدثة باسم السيد دي ميستورا، إن خطته لن تشبه خطط وقف إطلاق النار الماضية، وإن الأمم المتحدة، وليس الحكومة السورية، ستكون الضامن. ولكن حتى اقتراح حلب المتواضع يقف على أرضية مهزوزة. بينما قال السيد الأسد إنه سوف ينظر فيه، فإن حكومته لم توقع على الخطة؛ وصل نائب السيد دي ميستورا يوم الأحد إلى دمشق للتشاور.

يمكن القول إن محادثات موسكو هي في حال أسوأ. في حين قال السيد كيري إنه يأمل أن المحادثات "قد تكون مفيدة"، فقد رفضت عدة جماعات معارضة رئيسية الحضور ويقولون إن الولايات المتحدة لم تضغط عليهم للذهاب.

هذا يترك السياسة الأمريكية غامضة، مقدمة فقط الدعم اللفظي المتواضع لجهود الوساطة الجديدة مع الاستمرار في تمويل بعض المتمردين السوريين، ولكن ليس بما يكفي لتهديد السيد الأسد بحق. حتى البرنامج الجديد لتدريبهم على محاربة داعش لن يطلق المقاتلين إلى الساحة حتى مايو.

ويقول النقاد إن واشنطن تحاول ببساطة فك الارتباط وإفراغ مشكلة سوريا أغلى لحلفاء السيد الأسد، وروسيا وإيران، حتى على حساب تقويتهم.

وقال دبلوماسي غربي آخر إنه ما زال ينبغي تقدير أي محاولة لجلب الأطراف إلى طاولة المفاوضات كمحاولة بناءة. "لا يمكنك أن تقول للروس، "اذهبوا إلى الجحيم".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب