جهاد الديمقراطية في سوريا

مقال رأي

 

في ربيع عام 2011، كان من المستحيل التنبؤ بأنه في سوريا، في غضون سنوات قليلة، سيلجأ العديد من الناشطين المؤيدين للديمقراطية الذين بنوا حركة سلمية لاسقاط ديكتاتورية الرئيس بشار الأسد إلى الجماعات الجهادية التي تخوض الآن حربًا أهلية دامية. خلال العام الماضي، دخل الجيش السوري الحر - الذي كان يعتبر قوة إصلاحية ديمقراطية معتدلة وعلمانية- في شراكة مع مختلف الجماعات الاسلامية المعتدلة والمتطرفة، بما في ذلك جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بل إن بعض أعضاءه انشق عنه وانضم لتلك الجماعات.

يثير ذلك الاتجاه الحيرة نظرا للتعارض الجوهري بين قيم الجهاديين وقيم الثوريين الديمقراطيين، وخصوصا فيما يتعلق بالأساسيات: حقوق الإنسان، والتسامح، والتعددية السياسية. لفهم هذه المفارقة، أجرينا استطلاعًا شارك فيه 50 مقاتلًا إسلاميًا من أحرار الشام والنصرة، إلى جانب العديد من الشيوخ، الذين تلقوا تعليمهم في المملكة العربية السعودية. وأُجريت هذه الاستطلاعات كجزء من مشروع أصوات من سوريا الأوسع نطاقًا، والذي يضم أكثر من 500 مقابلة مع سوريين سواء من المدنيين أو المقاتلين المتمردين، أو اللاجئين في سوريا وتركيا. ومن أجل إجراء مقابلات مع مقاتلي أحرار الشام و النصرة في إدلب بأمان، اضطر محاورنا أن يحصل على إذن من المحكمة الإسلامية غير الرسمية التي لها ولاية على الأراضي التي تسيطر عليها تلك الالوية بالذات. وأجريت جميع المقابلات وجها لوجه، وفي خصوصية، ومع الحفاظ على إخفاء الهوية.

استنادا إلى أبحاثنا في سوريا من أواخر أبريل إلى أوائل شهر مايو عام 2014، كان المقاتلين الاسلاميين الذين قابلناهم داعمين للديمقراطية بشكل أثار استغرابنا. في محافظة إدلب المحاصرة منذ فترة طويلة ، حوالي 40 ميلًا إلى الغرب من حلب، وجدنا أن 60 في المائة من المقاتلين الاسلاميين الذين قابلناهم من أحرار الشام وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، قد اتفقوا على أن "الديمقراطية هي الأفضل من بين أي من أشكال الحكم الأخرى." علاوة على ذلك، وافق 78 في المائة من هؤلاء الإسلاميين بقوة على أنه "من الضروري أن تبقى سوريا دولة موحدة،" وهو الأمر الذي يبدو أنه يتعارض مع هدف بناء خلافة إسلامية أكثر شمولًا. على الرغم من أن هذه النتيجة قد تبدو على خلاف مع الأهداف الثيوقراطية للجماعات الإسلامية، نعتقد أن الإسلاميين يعيدون النظر في موقفهم من الديمقراطية من أجل توسيع شبكتهم الفكرية وتجنيد المزيد من المقاتلين.

ورغم كونه أمرًا محيرًا، فتحول الناشطين المؤيدين للديمقراطية إلى جهاديين متطرفين ليس مستحيلا وليس مضادا تمامًا للمنطق. بدأت الثورة السورية باعتبارها حركة معادية للأسد، ومؤيدة للديمقراطية، واستقى مشاركيها الأكثر نشاطًا الإلهام من الانتفاضات المعتدلة في تونس ومصر. ولكن عندما بدأ الأسد في قمع الاحتجاجات بوحشية، فر العديد من السوريين خارج البلاد، أو تحولوا إلى الجماعات التي تقاتل تحت لواء الجيش السوري الحر، والتي تطمح إلى الوصول إلى سوريا ديمقراطية موحدة.

رغم وصول الأزمة السورية إلى عامها الثالث، لا يزال الجيش السوري الحر غير قادر على الوفاء بوعده الثوري. لقد تدمرت قواته بسبب الهجمات التي تقوم بها الجماعات الجهادية الممولة جيدًا، فضلًا عن نظام الأسد الذي يقويه عدم التدخل الغربي والدعم القوي من روسيا وإيران. أدى فساد الجيش السوري الحر واقتتاله الداخلي، وقدرته التنظيمية المتواضعة أيضًا إلى تآكل ثقة واطمئنان جنوده بشكل كبير، مما دفع كثير منهم لمغادرته.

بالنسبة للفصائل الإسلامية، قدم تفكك الجيش السوري الحر فرصة لجذب أعضاء جدد إلى صفوفهم، من خلال إظهار أن مهاراتهم القيادية، والتنظيم، والموارد سمحت للجماعات بالنجاح في المعركة التي فشل فيها الجيش السوري الحر. بعض المقاتلين السابقين بالجيش السوري الحر الذين قابلناهم قد تحولوا إلى الجماعات الإسلامية ليس بسبب إيمانهم بالجهاد، ولكن بسبب ظروف القتال المتواضعة داخل الجيش السوري الحر. ذكر مقاتل سابق بالجيش السوري الحر "كنت مع مجموعتي القديمة [الجيش السوري الحر] حتى حاربت مع أحرار الشام." وأضاف " أحببت طريقتهم في معاملة المقاتلين، لذلك انضممت إليهم." ينظر إلى الجماعات الإسلامية بأنها توفر رعاية أفضل للمقاتلين المصابين بشكل خاص. وقد أخبرنا أحد المقاتلين المتمردين الذين تحولوا من الجيش السوري الحر لأحرار الشام: "أصيب صديقي بجروح ولكنهم [الجيش السوري الحر] لم يساعدوه". ثانيا، محاباة الإسلاميين المعتدلين للمتشككين من خلال التأكيد على قضيتهم المشتركة وهي الإطاحة بالأسد، والتقليل من شأن رغبتهم في إقامة دولة إسلامية، مما يؤدي بالوافدين الجدد عليهم بالاعتقاد بأن مستقبل سوريا سيقرره شعبها.

بالفعل، أكد 94 في المائة من المقاتلين الاسلاميين المتمردين الذين قابلناهم تمسكهم بأهدافهم الثورية لهزيمة نظام الأسد. وادعى فقط ربع المتمردين "الإسلاميين" ظاهريًا أن هدفهم هو "بناء دولة إسلامية" في سوريا. وتشير هذه النتيجة إلى أنه قد تكون لدى العديد من عموم المقاتلين دوافع استراتيجية بحتة في القتال تحت راية اسلامية، إنهم يريدون فقط أن يروا الأسد يرحل.

بالنسبة للجماعات الإسلامية، هذا التجمع من المقاتلين الملتزمين ما هو إلا ميزة عابرة. فطالما التزم الإسلاميون بتحرير سوريا من الأسد، فإن المتمردين سيقاتلون معهم. ولكن إذا انتهت الحرب بالنصر، ربما لن يلتزم المتمردون السوريون بمبادئ الجهاد الأوسع أو يظهروا أي اهتمام ببناء دولة إسلامية. وفي محاولة لمنع ذلك من الحدوث، استثمرت الجماعات الإسلامية بشكل كبير في إعادة تأهيل المجندين الجدد من خلال المحاضرات الدينية اليومية التي لا يلقيها سوريين مثلهم، ولكن يلقيها شيوخ مدربون في المملكة العربية السعودية.

ويبدو أن هذه الاستراتيجية تؤتي ثمارها. فقد ادعى ما يقرب من ثلاثة أرباع المقاتلين الاسلاميين الذين استطلعنا آرائهم أنهم غدوا أكثر تدينًا منذ بدء الحرب. فقد أوضح لنا أحد المقاتلين السوريين الذين انضموا إلى الجيش السوري الحر لكنه تحول فيما بعد إلى جبهة النصرة: "في ظل نظام الأسد، لم نكن نعرف الإسلام الحقيقي، ولكن بعد الثورة، فالمشقة التي مررنا بها أجبرتنا على أن نكون أقرب إلى الله." وأضاف: "يعطينا الدين السلام الداخلي، وهذا بالضبط ما نحتاجه الآن في منطقة الحرب، في الوقت الذي تركنا فيه الجميع." وبالاستفادة من مستويات التعليم المنخفضة بشكل عام التي يتمتع بها المتمردون وفهمهم السطحي للديمقراطية، يقوم المحاضرون الإسلاميون بإدانة شرور النموذج الغربي للديمقراطية، والإشادة بفوائد إقامة دولة إسلامية. فيقولون أن عيب الديمقراطية الغربية القاتل هو الفصل بين الدولة والدين، وهو الأمر الذي يصورونه على أنه حظرًا مطلقًا على ممارسة الشعائر الدينية. كما يقولون أنه في غياب الشريعة، يزدهر الفساد والدعارة وتعاطي المخدرات والرذائل الأخرى. يعلِّمهم الشيوخ أيضا أن العلمانية الغربية هي المسؤولة عن فساد ووحشية الأسد. وكما شرح أحد الشيوخ: "يرتكب الأسد جرائم لأنه علماني، وهو علماني بسبب النفوذ الغربي." كما أوضح لنا شيخ آخر في مقابلة خاصة:

"بدأت الديمقراطية بشكل خاطئ من البداية. لقد قرأت وبحثت عن [أصول] الديمقراطية. الديمقراطية في حد ذاتها نوعًا من الدين المجنون ، حيث يتم إعطاء الشعب السيطرة، ويحكمون البلاد من خلال الانتخابات. كانت الانتخابات موجودة في الايام الأولى للإسلام، ولكن كان يسمح بالتصويت فقط للناس المتقين في المجتمع، أي هؤلاء ذوي السمعة الجيدة، ولكن في عالم اليوم، أصبح الناس فاسدين. إذا سألنا هؤلاء الناس أن يصوتوا لانتخاب شخص ما ليكون مسؤولًا، سيختارون أكبر لص بينهم، ولهذا السبب أنا ضد الديمقراطية، ضد الحكم من قبل الشعب. الديمقراطية، بمعناها اليوم، أمر سيء لأنه لا يشجع الناس على العيش وفقا للشريعة ".

ومن غير الواضح حاليا كيفية عمل نسخة الإسلاميين من الديمقراطية في الممارسة العملية. لكن وفقًا للشيخ المذكورة أعلاه، فإنها قد تقدم للمرشحين اختيار ألا يلتزموا ببعض الممارسات الإسلامية ولكنهم يعرضون حوافز للالتزام. أوضح الشيخ فكرته عن الحرية الدينية بالمثال التالي: "عندما سيطرت جبهة النصرة على إدلب، قالوا أن الفتيات سيكون لهن خيار في المدرسة إذا رغبوا في ارتداء النقاب أم لا. ولكن اذا أرادوا ارتداءه، سوف توفر المدرسة النقاب مجانا." من خلال دمج موضوعات التحرر من الاستبداد مع الخطاب الجهادي، استطاعت الجماعات الإسلامية الفوز بإعجاب أنصار الثورة السورية المعتدلين. ولأن المواطن السوري العادي لديه في أحسن الأحوال مفاهيم غامضة عن الديمقراطية، حيث أنه لم يعش إلا في ظل حكم ديكتاتوري، فدمج القيم الديمقراطية من أجل أغراض جهادية ليس أمرًا غريبًا كما قد يبدو: فكل من الحركات الديمقراطية والجهادية قد شملت تاريخيًا انتفاضات دامية تسعى لقلب النظم السياسية والاجتماعية السابقة.

وأخيرا، من خلال إعادة صياغة النضال من أجل الجهاد ليكون سعيا للحفاظ على حق التعبير الديني، عززت الجماعات الإسلامية أيضا جهود تجنيدهم داخل الديمقراطيات الغربية. لقد قابلنا أربعة مقاتلين أجانب جاءوا من المملكة العربية السعودية وفرنسا وروسيا والجزائر. وقد أشار واحد منهم إلى أن "الديمقراطية هي الحرية وبخاصة حرية الرأي والاختيار. لذلك أنا شخصيًا أختار النصرة."

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب