حزب الله جديد في اليمن

مقال رأي

عبد الملك الحوثي، صغير ووسيم وصاحب كاريزما، فاجأ اليمن والعالم. كقائد لحركة تمرد عمرها عشر سنوات ضد الحكومة المركزية في صنعاء، وصل أخيرًا مجبِرًا الرئيس عبد ربه منصور هادي على الاستقالة بينما يحاصر المقاتلون الحوثيون منزله فيما يبدو أنه امتعاضًا من فشله في تلبية رغبات قائدهم بالكامل. يشبه عبد الملك في أسلوبه ومضمونه وولاءاته حسن نصر الله، والفضل في ذلك يعود لعشر سنوات من الحرب التي أطلقها الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، وفراغ السلطة في صنعاء الذي تسبت فيه انتفاضة 2011 ضده. إن طموحات الحوثيون بناء على كلمة قائدهم "غير محدودة". ولا تزال واشنطن، المشغولة كالعادة بالتعاون في محاربة الإرهاب مع الأجهزة الأمنية لصالح وهادي، تحاول أن تقرر إن كان ما حدث في صنعاء يوم 22 يناير يمثل انقلابًا أم لا.

بعد عشر سنوات من الحرب ضد ممارسات الحكم الفاسدة وثقيلة اليد صعد الحوثيون من موروث المضطهد الذي يحارب الاضطهاد إلى كونهم قوة ثورية. لقد هُزمت القوات المسلحة المركزية اليمنية على خلاف التوقعات في 2014 مطلقة حقبة جديدة في السياسة اليمنية وربما الإقليمية. وإلى ذلك فإن القيادة الحوثية ستسيطر على الأرجح في المرحلة القادمة حتى وإن فشلت في جلب الأمن والاستقرار لبلدها القلق.

إن احتفال الحوثيون بعاشوراء، المناسبة الشيعية، في نوفمبر 2014، كان بعيدًا عن مثيله في الأعوام السابقة. كان احتفال عاشوراء هادئًا في العادة وغير مسيس ومسألة لا طائفية في اليمن يتم الاحتفال بها في تجمعات هادئة ونزهات عائلية. على النقيض جلبت المناسبة هذه المرة مسيرة ضخمة في العاصمة الشمالية صنعاء حيث استمعت جماهير من الزيدين، أتباع حزب الحوثي، أنصار الله، إلى خطبة شيعية مشحونة من قائدهم الشاب بإيحاءات سياسية قوية. وقد ظهر التجمع مشابهًا لما ينظمه حزب الله في بيروت - من الآية الافتتاحية "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" إلى استخدام الاسم الكامل للرسول محمد بن عبد الله إلى الهتافات المنغمة التي تمجد الحسين، الإمام الأول عند المسلمين الشيعة. في جنوب لبنان يصبح عاشوراء مسألة درامية بعد هجرة آلاف الشيعة من قراهم إلى الضاحية الجنوبية من بيروت. في منتصف الثمانينيات حوّل حزب الله الاحتفال إلى تجربة تلاحم اجتماعية وسياسية تلهم اللبنانين الشيعة بإحساس جديد بالقوة والمكانة والطموح.

كان حديث القائد الشاب، عبد اللملك، وإيماءاته في احتفال عاشوراء، في نوفمبر، وفي خطبة الجمعة التي ألقاها بعد الاستيلاء على صنعاء، في سبتمبر، مماثلة بشكل كبير لحسن نصر الله، سكرتير عام حزب الله. في خطبته في سبتمبر، ومرة أخرى في 21 يناير،  أشار عبد اللملك إلى هجمات باريس/تشارلي إيبدو مهاجمًا من يهينون الرسول ويذلون المسلمين ثم قام بالهجوم على الرئيس هادي وابنه لعرقلة تطبيق مؤتمر الحوار الوطني (NDC) وإفساد المؤسسات، وإساءة استخدام الاستثمارات الأجنبية ومحاولة استخدام الأسلحة ضد "ثورة الشعب". وبفعل هذا بدا أن عبد الملك يستعير فصلًا من كتاب نصر الله، متحولًا من افتتاحية دينية عامة إلى تعليق على الشؤون الدولية والإقليمية. ثم إلى وصل الهدف المطلوب، معلقًا على أحداث معاصرة بعينها ومبديًا حساسية تجاه هموم جميع اليمنيين (مع إشارة خاصة "للشكوى المشروعة لأخواتنا في جنوب اليمن") ومادحًا الجيش لرفضه أن يُستخدم من قِبل السلطات "لأهداف وأغراض القوى الأجنبية".

عبّر عبد الملك بوضوح عن مد يده إلى اليمنيين من جميع الطوائف والمناطق، وعن اهتمامه بقيادة اليمن بدون أن يحد نفسه بهموم منطقته ومذهبه الزيديّ. وكمثله الأعلى، حسن نصر الله، يعد عبد الملك جمهوره بثقة في النصر في معاركهم وبالنجاح في إعادة بناء اليمن. قناة التلفزيون الحوثية، المسيرة، تحمل عبارة "صدق الكلمة" تحت شعارها. وبالمثل فإن أحد شعارات نصر الله هو الوعد الصادق. وتتم الإشارة إلى عبد الملك بشكل متزايد بلقب السيّد في تأكيد على أنه من نسل الرسول عبر زوج ابنته عليّ بدلًا من لقبه القبائلي، الشيخ. كما أن الحزب السياسي التابع للحوثي قد غيّر اسمه من الشباب المؤمن، وهو اسم اختاروه في بداية التسعينيات وتم استخدامه عبر ستة حروب مع صنعاء، إلى أنصار الله الذي تم اختياره من آية قرآنية كما هو الحال مع نظيرهم اللبناني حزب الله.

وقد ازدادت المساعدة الإيرانية والتدريب من قِبل حزب الله، الأمر الذي بدأ مع الحرب مع السعودية في عامي 2009 و 2010، وبدأ يظهر إلى السطح بعد رحيل صالح، عام 2011، وخلال تحرك الحوثيين ضد صنعاء في العام الماضي. إن الاستيلاء على صنعاء كان به جميع العلامات المميزة لاستيلاء حزب الله على بيروت الغربية في 2008، نزولًا إلى عصبة الرأس الصفراء التي يرتديها المقاتلون بينما هم يحاصرون العاصمة في أغسطس وسبتمبر 2014. ولكن لهذه المقارنة حدودها كما هو الحال مع كل المقارنات. الحوثيون غير متمرّسين في شوؤن السياسة والحكم والتدخل في الشؤون الإقليمية. وعلى عكس نظرائهم اللبنانين، لم ينسحب الحوثيون من صنعاء ولا يبدون أي إشارة إلى أنهم يرغبون في ذلك. كما دفع الحوثيون جنوبًا ومتورطون الآن في قتال القبائل اليمنية في مأرب (حول حقول النفط والغاز هناك)، ومع القاعدة في الجزيرة العربية AQAP في أبيان، ومع المليشيات المحلية في المركز الحضري الجنوبي الكبير في تعز. وبالرغم من خطابهم الودود تجاه الجنوب إلا أن حركة الحراك الجنوبي لا تبدو مسرورة بتقدم الحوثيين في الجنوب وإزاحة هادي وهو نفسه جنوبي. ويحافظ الحوثيون عمدًا على البقاء بعيدًا عن الأنظار في هذه المسألة ولكن يبدو أنهم لا يفضلون انفصال الجنوب.

وقد يسعى الحوثيون إلى ما هو بعيد عنهم عسكريًا. في تحالفهم مع الرئيس السابق، صالح، يبدو أنهم وجدو حليفًا مرهقًا في العدو القديم. وقد يكون هدفهم هو التشبه بنظيرهم اللبناني سامحين بسيادة بمعادلة يمنية تمثيلية بينما يحافظون على تأثير مسيطر خلف الكواليس. ولكن انعدام الخبرة لديهم وطموحهم الطاغي قد يعطل هذه الخطط. وإن حاولوا التحرك ناحية السياسة الإقليمية أيضًا وتسويق أنفسهم كأدوات في طموح إيران الإقليمي قد يجدوا أنفسهم - واليمن - متورطين في لعبة قاتلة مع السعودية والولايات المتحدة (بالرغم من ترددهم المبدأي) وتنظيم القاعدة في الجزيرة العربية وحتى داعش كلاعبين إقليمين لديهم مصلحة كبيرة في هزيمتهم. إن هناك لعبة جديدة حاصلة وجميع الإشارات المبدئية تشير إلى أنها أوقات تحد بالنسبة للحوثيين بتبعات مدمرة ضمنيًا للبلد ككل.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب