داعش تفقد أقوى أسلحتها: الزخم

مقال رأي

كان هناك وقت بدت فيه الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وكأنه من غير الممكن كبح جماحها. في سبتمبر وأكتوبر، بينما تستولي جماعة جهادية على الأراضي من خلال هجوم كبير في محافظة الأنبار في العراق، بلغ ذروته مع سقوط بلدة هيت في 13 أكتوبر، خشي مراقبون أنه حتى بغداد قد تواجه خطر الجماعة. تتورط  داعش الآن في خضم حركة عسكرية كبرى أخرى في الأنبار، ولكن المخاوف المبالغ فيها دائمًا عن تقدمها آخذة في الانحسار وقد بدا تراجع الجماعة واضحًا بشكل متزايد.

عظّمت سمات داعش المميزة – أي الشراسة وصعوبة التنبؤ بأفعالها - من أهمية الجماعة وألهمت موجة من المهاجمين المنفردين. لكن المنظمة أيضًا ارتكبت العديد من الأخطاء الاستراتيجية على طول الطريق. يعتمد شريان الحياة في الدولة الإسلامية جزئيًا على المال والأرض، ولكن الأهم هو الزخم ضد أعدائها الضعفاء وغير المستعدين. وهذا الزخم، والذي بلغ ذروته في أوائل أغسطس، قد توقف الآن.

أين بالغت داعش؟ كان لدى الجماعة بالفعل مجموعة مبهرة من الخصوم عندما امتدت حرب يونيو الخاطفة إلى العراق، شمل هؤلاء الأعداء الحكومة العراقية والنظام الإيراني، بل والجماعات الجهادية الأخرى مثل جبهة النصرة، والتي اشتبكت معها كثيرًا في سوريا. لم تكن داعش فقط المسئولة عن هذا الهجوم ، بل قاتلت إلى جانب ائتلاف من الجماعات السنية المسلحة التي شملت الأعضاء السابقين في حزب صدام حسين، البعث. كان الهجوم أيضًا مدعومًا على نطاق واسع من قِبل النخبة السنية الساخطة في العراق.

ولكن بمجرد ما أمّنت داعش مكاسبها الأولية، خانت بسرعة الجماعات التي ساعدت في تقدمها. فقد أعلنت داعش عن تأسيس الخلافة، عن طريق المتحدث باسم الجماعة أبو محمد العدناني الذي ادّعى أن "مشروعية جميع الإمارات والجماعات والدول والمنظمات تصبح لاغية بتوسع سلطة الخليفة". أشار البيان بوضوح لاعتقاد داعش أنها استولت على سلطة حلفائها؛ في الواقع، في أوائل يوليو، اعتقلت القادة السابقين للبعث في الموصل (أدى القيام بذلك إلى إشكالية خاصة بالنسبة لداعش لأن البعثيين السابقين كانوا يتولون الحكم الفعلي ويديرون المدينة الواقعة في شمال العراق، وعجّل اعتقالهم إلى التفكك السريع للخدمات الأساسية).

ارتكبت داعش خطأ أكثر ضررًا في بداية أغسطس، عندما شنّت عملية توغل مفاجأة داخل الأراضي الكردية في العراق، وبدأت سريعًا في حملة إبادة جماعية واستعباد ضد طائفة اليزيديين التي تمثّل أقلية. وكانت التحركات لا طائل منها من وجهة نظر عسكرية، حيث إن قوات البشمركة في حكومة إقليم كردستان لم تكن تقاتل داعش ولم يشكل اليزيديون خطرًا على الخلافة الوليدة. ساعدت هذه القرارات، إلى جانب قطع رؤوس الصحفيين الأمريكيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف، في جلب المزيد من الأعداء إلى الساحة، بما في ذلك الولايات المتحدة وتحالف دولي يدعم العمل العسكري الأمريكي.

أكثر العلامات وضوحًا على تراجع داعش هو أن الجماعة لم تعد تغزو أراضي، فلم تستول على أي بلدة أو مدينة كبرى منذ هيت (ولم يكن ذلك لعدم وجود جهد من جانبها). تواصل داعش الاستيلاء على القرى من وقت لآخر. على سبيل المثال، في 27 ديسمبر سيطرت على 14 قرية في محافظة الأنبار بعد انسحاب قوات الأمن العراقية من المنطقة. ولكن تلك القرى ليست مساوية لمنطقة حضرية كبرى، وقد أخذتها من داعش القوات العراقية قبل يومين فقط. في أكتوبر، تقدّمت داعش نحو المدينة السورية كوباني. وقد أعلن الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي في ذا نيو ريبابليك The New Republic  أن "كوباني ستسقط، في غضون ساعات". ولكنها لم تسقط حتى الآن، ويبدو أن القوى الكردية لديها اليد العليا الآن، على الرغم من أن البلدة ما تزال في خضم الصراع. تفقد داعش الأراضي، وإن كان ذلك بشكل غير متساو. في ديسمبر، سحبت الجماعة قواتها من قضاء سنجار في العراق، التي تضم واحدًا من طرق الإمداد الرئيسية لداعش من سوريا الى العراق (والآخر هو تلعفر). وقد هدد هذا بعزل الموصل التي تقع تحت حكم داعش.

وقد أدّت وحشية داعش أيضًا إلى عزلها. حيث تتزايد المعارضة المحلية ضد الجماعة، بما في ذلك ضمن السنة، في الموصل والأنبار، على الرغم من أن داعش قد نجحت مؤخرًا في قمع تمرد ضدها في دير الزور السورية. من المؤكد أن هذه الانتفاضات ستنمو إذا ضعفت داعش. وفي الوقت نفسه، يتزايد جنون العظمة بين قادة الجماعة، حيث قيل إنها تعدم الكثير من مقاتليها في الموصل وأماكن أخرى. في ديسمبر ، على سبيل المثال، قُتل معمر توحلة، مسؤول داعش في الموصل، رميًا بالرصاص للاشتباه في التجسس. كما أدى سوء الإدارة البيروقراطية لداعش إلى تنفير السكان المحليين، حيث تركتهم وسط انعدام فرص العمل والخدمات الأساسية. حيث قال أحد سكان الموصل لفاينانشال تايمز "وعندما كنت في السابعة من عمري بدأت الحرب ضد إيران. ومنذ ذلك الحين، كنا في حالة حرب. لقد تحملنا العقوبات الدولية، والفقر والظلم. لكن لم يكن الأمر أبدًا أسوأ مما هو عليه الآن".

لقد تقلّصت الموارد المالية والعسكرية لداعش أيضًا كما دمرت الضربات الجوية الامريكية عتاد المجموعة وقدرتها على تكرير النفط. الدولة الإسلامية ما تزال قادرة على بيع النفط المكرر في السوق السوداء، ولكن الفرق بين السعر الذي يمكن أن تحدده للنفط غير المكرر مقابل سعر النفط المكرر كبير جدًا. ذكرت تقارير إخبارية هذا الأسبوع أن داعش تتوقع فائضًا قدره 250 مليون دولار في ميزانيتها البالغة 2 مليار دولار، ولكن هذه الأرقام هي ما تدعيه داعش عن نفسها، فالمحاسبون لا يصطفون للوصول إلى الاراضي التي تسيطر عليها داعش ليجروا تدقيقًا خارجيًا.

علاوة على ذلك، تفتقر داعش إلى قاعدة صناعية قادرة على الحفاظ على جهودها العسكرية (محافظات نينوى وصلاح الدين لديها عدد من المصانع، ولكن الجماعة لديها نقص في الكوادر الفنية المؤهلة  لتشغيل تلك المصانع ودعمها). لا يمكنها أن تبني مدرعاتها الخاصة الثقيلة أو ناقلات الجند المدرعة أو عربات همفي أو الأسلحة المضادة للدبابات أو الصواريخ أرض-جو، أو الأسلحة مضادة للطائرات، أو محطات الرادار. فلا يمكن للجماعة الحصول على المعدات التي تحتاجها للمعركة سوى من خلال الغارات العسكرية، وكانت آخر مرة فعلت ذلك بنجاح في أغسطس.

تهدد كل هذه النكسات داعش تهديدًا خطيرًا بسبب اعتمادها على الزخم - وهو اعتماد ورد في العدد الأخير من مجلة الجماعة الناطقة باللغة الانجليزية "دابق". وأشارت مقالة تحمل اسم الصحفي البريطاني جون كانتلي، والذي تستكتبه داعش بالقوة، أنه "نظرًا لنجاح هذا الكيان، فهو يجذب الكثيرين إلى صفوفه، مما يتسبب في التوسع وتحقيق المزيد من النجاح حتى يحقق نوعًا من الكتلة الحرجة، وهي النقطة التي يصبح عندها كيانًا مستديمًا، مكتفيًا ذاتيًا." لكن داعش لا تتمتع بالاكتفاء الذاتي بعد. لذا فجذب التدفق المستمر من المجندين المتحمسين ما يزال ضرورة للجماعة، وليس ترفًا.

ومع ذلك، باستخدام كلمات الرئيس أوباما، فالولايات المتحدة وحلفاؤها أكثر قربًا إلى الحط من قدر داعش عن تدميرها. تستعد الدولة الإسلامية حاليًا للهجوم على قاعدة الأسد الجوية في محافظة الأنبار، حيث يتمركز المستشارين العسكريين الأمريكيين الآن، ومثل هذا الهجوم يمكن أن يزيد من المطالبات في الولايات المتحدة بالانسحاب الأمريكي من المنطقة. كما يمكن لداعش أن تشن هجومًا كبيرًا عبر الحدود الأردنية أو تنتقل إلى السويداء، المحافظة الوحيدة ذات الغالبية الدرزية في سوريا، وتنفيذ مجازر مماثلة لتلك التي ارتكبتها الجماعة في سنجار أو هيت. في الحالة الأخير، ستكون الدولة الإسلامية عاملة على استفزاز الولايات المتحدة للتدخل عسكريًا في ما يمكن أن ينظر إليه على أنه في جانب أنصار بشار الأسد. كما يمكن لداعش الاستيلاء على المدن العراقية كالرمادي أو حديثة، والذي من شأنه أن يمثل مكاسب رمزية قوية للجماعة إلى جانب كوارث في خسارات الأرواح، ولكن ذلك لن يفعل شيئًا يذكر لتحسين وضع الدولة الاسلامية الاستراتيجي العام. حتى لو خسرت داعش جميع حيازاتها العراق (والذي لن يحدث في أي وقت قريب)، فإن المنظمة ستعود ببساطة إلى حيث بدأت قبل الهجوم يونيو الماضي، محتمية في معقلها في الرقة، بسوريا. حتى ولو قتل "الخليفة" أبو بكر البغدادي، وحتى لو تصالحت أجزاء كبيرة من المنظمة مع تنظيم القاعدة لاحقًا وعادت إليه، فمن المرجح أن تستمر نواة الجماعة لفترة طويلة تحت تسمية داعش.

لن تستطع أيًا من هذه التطورات على أي حال عكس التراجع الذي يشهده تنظيم الدولة الاسلامية بشكل ملحوظ. في الواقع، يكسب منافسيها الجهاديون الأراضي. فقد حققت جبهة النصرة، التي اعتبرها المراقبون لسوريا في وقت ما قوة مستهلكة، مكاسب كبيرة خلال الأسابيع الأخيرة في إدلب وحماة ودرعا، وهمشت قوتها المتنامية بشكل فعال المعارضة السورية "المعتدلة". إنها إشارة واضحة بأن الجهادية سوف تربك العراق وسوريا لبعض الوقت في المستقبل، وأن هذه المشكلة أوسع بكثير من داعش.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب