ستراتفور: هجوم باريس يسلط الضوء على أزمة أعمق

مقال رأي

أثبت الهجوم الدموي الذي وقع يوم الأربعاء ضد مجلة فرنسية ساخرة أن لديه القدرة على زعزعة العلاقات بين الدول الأوروبية ومواطنيها المسلمين. الغرض الاستراتيجي من وراء هذه الهجمات هو زرع ذلك النوع من الأزمات على وجه التحديد، وكذلك التأثير على السياسة الفرنسية وتجنيد المزيد من الجهاديين. وعلى الرغم من أن التطرف الإسلامي يعتبر في جوهره صراعًا داخليًا بين المسلمين، فإن مثل هذه الحوادث تؤثر على غير المسلمين مما يؤدي إلى تفاقم الأمور.

هاجم ثلاثة يشتبه في أنهم متشددون إسلاميون مكتب المجلة الفرنسية الساخرة "تشارلي إيبدو" في باريس ببنادق متطورة، مما أدى إلى مقتل 12 شخصًا. من بين القتلى كان رئيس التحرير ورسام الكاريكاتير ستيفان شاربونيير، والذي كان على قائمة الاغتيالات التي نشرت في مجلة "إنسباير" التابعة لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية لـ"سبه النبي محمد". وقال شهود عيان أنهم سمعوا المهاجمين يقولون "لقد انتقمنا للرسول محمد" وصاحوا قائلين بالعربية "الله أكبر". ويعد هذا الهجوم هو الثالت من نوعه في دولة غربية خلال ثلاثة أشهر. وتورط في حادث باريس جناة ظهر أنهم يستخدون أسلحة صغيرة متطورة وتلقوا تدريبًا كوحدة صغرى.


وسواء كانت هذه الهجمات هي من عمل خلايا وجهاديين بدوافعهم الذاتية، أم أفراد مرتبطين بكيانات جهادية دولية، فإن مثل هذه الحوادث تعمق من توتر العلاقات بين العالمين الغربي والإسلامي. وهذا كله أمر أكثر أهمية في أوروبا، حيث تشهد الدول صعود اليمين القومي فيما شهدت المجتمعات الإسلامية طويلًا شعورًا بعدم الولاء. يهدف الجهاديون إلى دفع الدول لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة على المجتمعات الإسلامية من أجل تعزيز روايتهم من أن الغرب يشن حربًا على الإسلام والمسلمين.

وبينما تبذل الدول الغربية جهدًا كبيرًا لإثبات أنه لا يوجد مثل هذا الصدام بين الحضارات، تنخرط القوى اليمينية في خطاب يعزز هذه المخاوف بين الكثير من عامة المسلمين في جميع أنحاء العالم. والأهم من ذلك، أن ثمة تضارب بين القيم منذ زمن طويل، وخاصة حرية التعبير، والتي يعتز بها الغرب ولكن يراها الكثير من المسلمين رخصة لتدنيس المقدسات. وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من المسلمين لن يشاركوا في العنف كرد على الخطاب الذي يعتبروه تجديفًا، فإن هناك الكثيرين ممن سيفعلون ذلك. في باكستان، كان ازدراء الدين الإسلامي موضع جدل كبير. فقد العديد من المواطنين الباكستانيين حياتهم على يد مواطنيهم بسبب خطاب أو سلوك غير مقبول من وجهة نظرهم. أصل هذه المشكلة هو الانزعاج الشديد للكثير من المسلمين من مسألة حرية التعبير، على أن هذا الموقف ليس عالميًا. إن شخص النبي محمد هو الأمر الأكثر حساسية نتيجة للنظرة التقليدية بأنه لا يمكن تصويره في الصور، ناهيك عن تصويره بطريقة ساخرة.

في النهاية، هذا صراع إسلامي داخلي حول السلطة والسيطرة مغلف في نقاش حول ما يعنيه أن تكون مسلمًا في عالم اليوم وما هي حدود العمل المبرر. وتحديد هذه العوامل هو إحدى الأدوات التي يمكن أن تُستخدم للحصول على السلطة؛ والأداة الأخرى هي الهجمات ضد الغرب ومصالحه التي تهدف  إلى إجبار الغرب على الانسحاب من بلاد المسلمين أو إلى مهاجمة المسلمين وفرض الرواية الجهادية. تقوض هذه القضية جهود المسلمين المعتدلين والتقدميين للمضي قدمًا في مفهوم الحريات استنادًا إلى روح الإسلام.

ويعطي الجدل الجاري بين المسلمين مجالًا أيدولوجيًا واسعًا وبالتالي فضاءً جيوسياسيًا للمتطرفين كي يستغلوه. تستهدف المؤسسة الجهادية عمدًا غير المسلمين، وبالأخص في الغرب، وذلك في جزء منه كوسيلة لكسب أرضية داخل الوسط الإسلامي. كما تمتص هذه الاستراتيجية العالم الغربي إلى ما هو في الأساس حرب أهلية إسلامية، من أجل مواجهة التهديدات الأمنية التي تشكلها الجهات الإسلامية المتشددة.

ومع ذلك، فإن التدخل الغربي في هذا النقاش الداخلي لا يساعد على هزيمة التطرف ولا يساعد على تسهيل العلاقات بين المسلمين والغرب. ستأتي نهاية الفكر الجهادي فقط عند يهزم المسلمين أنفسهم المتطرفين بينهم في ساحة المعركة الأيدولوجية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب