سوريا: سياسة الولايات المتحدة إلى طريقٍ مسدود

مقال رأي

توقفت سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا في طريقٍ مسدود. إنها تحتل القاع الاستراتيجي بين الدعوة الرئاسية لبشار الأسد في 2011 للتنحي، وتفجر الدولة الإسلامية (داعش) - التي استحضرها الأسد- إلى العراق من سوريا في يونيو 2014، وبين التردد الدائم للإدارة الأمريكية للتعامل وفقًا لحقيقة أساسية: إن داعش لن تُهزم سواء في سوريا أو العراق طالما بقى حكم عائلة الأسد قائمًا. إن داعش إلى حد كبير هي الوحش الذي خلقته استراتيجية بقاء طائفي شرسة تقوم بالقتل الجماعي، والذي بدأه نظام الأسد منذ مارس 2011. ولكن الإدارة الأمريكية حريصة على استيعاب أقوى مؤيدي النظام (إيران وروسيا)، ويقال إنها تدرك قيمة بقاء الأسد لفترة. وإلا كيف تفسر دعمها الفاتر لهؤلاء الذين يقاتلون كل من داعش والنظام؟ وإلا كيف تبرر مغازلة المبادرة الدبلوماسية الروسية التي تهدف إلى تفتيت وتدمير المعارضة الوطنية للأسد وداعش؟

لا يعني هذا أن يصبح حلم المدافعين عن نظام الأسد حقيقة بحدوث تعاون واعي ونشط بين النظام والولايات المتحدة ضد داعش. على العكس من ذلك، فقد وصف الرئيس باراك أوباما بشار الأسد بمرتكب جرائم قتل جماعي. ومؤخرًا في 15 يناير، أشارت ممثلة الولايات المتحدة الدائمة لدى الأمم المتحدة سامانثا باور  أن "الأسد ومن حوله، وأي أفراد يتواطئون أو يرتكبون جرائم خطيرة في سوريا يجب أن يعلموا أنهم سيتعرضون للمساءلة في النهاية. ولهذا السبب فإن الولايات المتحدة تدعم بنشاط عمليات جمع وحفظ الأدلة لدعم عمليات العدالة المستقبلية في العديد من محاكمات جرائم الحرب والانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان، ويشمل ذلك الجرائم التي تنطوي على العنف الجنسي والعنف القائم على النوع".

ولذلك، فإن الأمر ليس كما لو كان الرئيس أوباما يرفض فكرة أن بشار الأسد على موعد مع المشنقة. ليس الأمر كما لو كانت إدارته ترى فائدة في الانضمام إلى من هو المصدر الأول لتجنيد مقاتلي داعش. وليس الأمر حتى أن أيًا من الإدارة يرى وجاهة حقيقية في إطالة أمد النظام، والذي وفقًا لتصريحات السفيرة باور في 12 يناير  في جامعة "لويسفيل" في ولاية كنتاكي، تسبب في أسوأ كارثة إنسانية (جنبًا إلى جنب مع داعش) منذ عقود. أكثر من 12 مليون سوري، ثلاثة أضعاف سكان ولاية كنتاكي بأكملها تقريبًا، يحتاجون حاليًا مساعدات إنسانية من أجل البقاء. خمسة ملايين منهم من الأطفال. خمسة ملايين طفل. ومع ذلك، لا يزال نظام الأسد مستمرًا في إيذاء المدنيين كتكتيك حربي أناني، يقطع الغذاء والماء والدواء عن تجمعات بأكملها ببساطة لأنهم يعيشون في المدن والأحياء التي تسيطر عليها جماعات المعارضات".

لا أحد، ولا حتى المدافعين عن النظام، يمكن أن يجادل بشكل مقنع بأن سياسة القتل الجماعي المتركزة على المدنيين والإرهاب الجماعي يوفران الاستقرار في بلد تسوده الفوضى. هؤلاء في الإدارة الذين يبلغون الصحفيين بالمخاطر المفترضة لرحيل الأسد سريعًا هم في غيبوبةٍ تامة.

ليست المشكلة أن الإدارة ترى فائدة لبشار الأسد: المشكلة هي أن إيران وسوريا يرون ذلك. هذا هو السبب في أن الإدارة لا ترسم خطًا واصلًا بين ما تعرفه عن دور نظام الأسد في جعل سوريا آمنة بالنسبة لداعش، وبين مهمة تفكيك وتدمير ما يسمى بـ"الخلافة" نهائيًا. ولهذا يتبنى الرئيس نهج "داعش أولًا" في مواجهة الانهيار في سوريا والعراق ونهج "العراق أولًا" في مواجهة داعش، على الرغم من أن الحدود السورية العراقية قد انتهت والعراق تقريبًا قد غرق في موجة شديدة من المقاتلين الآتين من سوريا. ولهذا فإن الولايات المتحدة مترددة حتى في جمع وتحليل معلومات متعلقة بداعش من المتمردين الوطنيين المناهضين للأسد داخل سوريا. إن إدانة زعزعة الاستقرار ووحشية نظام الأسد والتي يسهلها تنظيم داعش شيء، والقيام بأي فعل على الإطلاق هو شيءٌ آخر تمامًا. الفجوة بين الكلام والفعل مدهشة.

أن تجد القوة العظمى الوحيدة في العالم نفسها مقيدة - ولكن غير مكممة- إلى القتل والفوضى في سوريا فإن ذلك يبدو أن له صلة كبيرة بإيران. من المتفهم أن يريد الرئيس أوباما التوصل إلى اتفاق مع طهران يمنعها من الحصول على أسلحة نووية. من المبرر له أن يفكر أو يعتقد (أو على الأقل يأمل) أن يمكن هذا الاتفاق "الإيرانيين المعتدلين" من إعادة التوجيه السياسي لواحدة من كبرى حضارات العالم. يمكن القول بأن الإجراءات القوية ضد نظام الأسد، الذي يعد استمراره أمرًا حيويًا لطهران، تعرقل المحادثات النووية، وتخلع جوهرة التاج الدبلوماسية، وتشجع المسلحين المدعومين من إيران في العراق على مهاجمة القوات الأمريكية. على الأقل فإن التأكيد المكتوب من الرئيس أوباما للمرشد الأعلى الإيراني في أكتوبر الماضي بأن الأسد لم يكن هدفًا للعمليات الأمريكية في سوريا يتسق مع هذه المعتقدات.

يمكن للمرء أن يجادل بأن الجمود الأمريكي في مواجهة التحريض الإيراني (والروسي) على القتل الجماعي ليس هو الوسيلة لإقناع المرشد الأعلى (أو بوتين) بأن الولايات المتحدة خصم جاد ومحاور بارز. ويمكن للمرء أن يجادل بأن آخر شيء قد يقدمه أحد في التفاوض هو تنازل استباقي، تنازل يضمن الحصانة للأصول الأساسية للخصم: الأصول التي تسهل تغلغل إيران في العالم العربي و(عبر ميليشيتها اللبنانية) تهديدها الصاروخي ضد إسرائيل. ويمكن للمرء أن يجادل بأن المرشد الأعلى يجب أن يؤخذ كلامه حرفيًا عندما يصف الولايات المتحدة بأنها عدوٌ دائم للثورة الإسلامية، عدوٌ يجب مواجهته حتى لو تم التوصل إلى اتفاق نووي.

باختصار، يمكن للمرء أن يضيع وقته. ليس لدى الرئيس أوباما أوهام حول فضائل نظام الأسد. ولكن يبدو من غير المرجح أن يتخلى عن أيٍ من المعتقدات الأساسية التي خلقت هوة لا يمكن تجاوزها بين الطريقة التي تدار بها المحادثات مع سوريا، والطريقة التي يتصرف بها، أو بشكل أدق، فشل في التصرف بها.

هل هناك شيء يمكن أن تفعله الإدارة لتخفيف المعاناة التي لا يمكن وصفها بينما تتشبث بأساسيات نهجها "تجنَّب المنحدر الزلق، لا تُغضِب إيران" نحو صعود داعش وسط مأساة إنسانية عالمية في سوريا؟ ربما ينبغي أن تفكر الإدارة الأمريكية في الآتي:

1. التركيز دبلوماسيًا على إنهاء الانتهاكات الإنسانية من قبل النظام. يفترض المرء أن يجعل وزير الخارجية جون كيري هذا البند هو الأول في نقاط الحوار مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في كل مرة يتناقشون حول سوريا، كل مرة. بالتأكيد ينبغي أن يكون دعم الولايات المتحدة لمحاولات موسكو عقد نقاشات مع معارضي النظام مشروطًا باتخاذ الأسد خطوات متسقة مع خطة كوفي عنان في عام 2012 ذات النقاط الستة. يفترض المرء أن إيران بالمثل تُحمَّل مسؤولية القتل الجماعي في سوريا في كل مرة يتصل فيها مسؤولون إيرانيون بنظرائهم الأمريكيين. إذا كانت هذه الافتراضات خاطئة، فما الذي يمكن أن يستنتجه الإيرانيون والروس عن قلق الولايات المتحدة بشأن معاناة المدنيين السوريين، وبخاصة "الخمسة ملايين طفل" الذين ذكرتهم السفيرةباور؟

2. إذا فشلت الدبلوماسية، ضع نهاية عسكرية لانتهاكات النظام التي تشمل ضربات جوية على تجمعات المدنيين. لن يتطلب ذلك غزو واحتلال سوريا. لن تحتاج إلى هجوم مباشر على النظام المحمي من قبل إيران وروسيا. في الواقع، سيكون لدى تلك الأطراف الوقت الكافي لإقناع ربيبهم أن يوقف إلقاء القنابل البرميلية والذخائر الكيميائية، والغارات الجوية المصاحبة لها. نعم، من المؤسف وحتى من المخجل أن هذه الخطوات المتواضعة لوقف أو إبطاء الذبح لم تتم. ولكن لا يجب أن يدفع الأبرياء ثمن التمسك باتساق مختل.

3. تخريج برنامج التدريب والتجهيز إلى شيء مفيد: إنشاء قوة استقرار وطنية سورية بالكامل تكون مهمتها تهدئة البلاد بأسرها، إما عن طريق إلحاق الهزيمة العسكرية بأي مزيج من الخصوم أو بتمهيد الطريق لمفاوضات انتقالية سياسية ذات مغزى تتفق مع بيان جنيف الختامي في 30 يونيو 2012. سيكون هذا موضوع تقرير سيصدر قريبًا تحت إشراف المجلس الأطلسي.

ولن تنقذ أي من هذه الخطوات - سواء منفردة أو مجتمعة- الولايات المتحدة في أي وقت قريب من الطريق المسدود الذي دخلته؛ الدبلوماسية الميئوس منها التي أقامت فيها طواعية. إذا أرادت الإدارة تمكين داعش عن طريق النظر في الاتجاه الآخر، في الوقت الذي يستخدم فيه الأسد – كما تقول سامانثا باور- الكلور والقنابل البرميلية ضد المدنيين مرارًا بينما "يستمر في استخدام التعذيب بشكل منهجي كوسيلة للإيذاء واستخراج المعلومات"، فإنها إذًا ستستمر في غض الطرف عمليًا حتى بينما تتحدث السفيرة باور. إذا قامت الإدارة بذلك، فإنها لن تكسب احترام أحد: بالتأكيد ليس الإيرانيين الذين ترغب الإدارة الأمريكية في طمأنتهم بشدة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب